آخر تحديث الأربعاء 1 ت1 2014 18:27
الاستقرار السياسي فـــي الكــويـــت وتحــــديــــات الراهن
خلال التدخل العنيف بحق المتظاهرين ضد تعديل قانون الانتخابات في الكويت الأحد الماضي
خلال التدخل العنيف بحق المتظاهرين ضد تعديل قانون الانتخابات في الكويت الأحد الماضي
رغم السبق الذي حققته الكويت في منطقة الخليج في الممارسة الديمقراطية التي أسس لها دستور عام 1962، إلا أنها احتلت المركز 122 وصنفت ضمن النظم الاستبدادية، وفقا لتقرير «الإيكونوميست» لعام 2011 الخاص بـ«مَعامل الديمقراطية» في دول العالم المختلفة، الذي يقيسها على أساس التعددية، والعملية الانتخابية، وأداء الحكومة، والمشاركة السياسية، وثقافة الديمقراطية والحريات المدنية.
ففي خلال الست سنوات الأخيرة، حل البرلمان الكويتي 5 مرات، كان آخرها في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، وتمت إقالة الحكومة سبع مرات. وجاء ذلك في سياق الصراع القائم بين كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية الذي أعاق تنفيذ خطة التنمية الحكومية التي رُصدت لها استثمارات بنحو 100 إلى 125 مليار دولار، من شأنها لو نفذت أن تحوِّل الكويت إلى مركز تجاري ومالي عالمي.
فقد أشارت الوكالة العالمية للتصنيفات المالية «ستاندارد أند بورز» إلى أن المخاطر الجيوسياسية التي تؤثر على الكويت ما زالت عالية، رغم التخفيف منها جزئيا عبر تحالفات دولية متينة، واستقرار اجتماعي محلي نسبي. وأضافت إن تحسنا في العلاقات بين الحكومة والبرلمان، مع توافر إجماع سياسي، يساعدان في تسريع الاستثمارات المحلية والأجنبية ويمكن أن يدعما تنويع الاقتصاد على الأمد البعيد، وهو ما من شأنه أن ينعكس إيجابا على التصنيف في نهاية المطاف.

عوامل عدم الاستقرار السياسي

هناك عاملان رئيسيان لتقويض العمل الديمقراطي وتكريس التأزيم السياسي في الكويت.
العامل الأول داخلي، وهو متمثل في: 1) صراعات بيت الأسرة الحاكمة الذي ترفض بعض أقطابه الديمقراطية منذ قيامها، وبالتالي عمدت للعمل على تقويضها، 2) صراع سلطة ونفوذ استُخدمت فيه الديمقراطية كأداة في تحقيق نتائج متقدمة في هذا الصراع.
أما العامل الثاني فخارجي، ومتمثل بانزعاج دول الجوار الكويتي من الممارسة الديمقراطية في الكويت، وخاصة تلك المتعلقة بالاستجوابات المتكررة، التي وصلت حد استجواب رئيس الوزراء وهو موقع متقدم في تراتبية الدولة إضافة لكونه من العائلة الحاكمة، حيث تعتبر سابقة مهمة في الممارسة الديمقراطية محرجة للمحيط، الذي لجأ الى تأزيم متكرر للعملية السياسية من خلال: 1) القبائل التي لها امتدادات في الجوار الكويتي ومصالح وعلاقات نسب، 2) الإسلام السياسي الذي يمثله التيار السلفي المتشدد غير المقتنع أصلا بالديمقراطية، لكنه استخدمها كأداة لتحقيق طموحه في قيام دولة إسلامية راشدة، 3) بعض النواب والتجار الذين لهم تطلعات الى الوصول الى السلطة وتحقيق مزيد من النفوذ.
فكانت أهم نتائج العامل الداخلي هي:
ـ انعكاس صراعات بيت الأسرة سلبا على الممارسة الديمقراطية، فتحولت الحياة السياسية من خلال مجلس الأمة لساحة لتصفية حسابات الأسرة الحاكمة وتقويض العمل الديمقراطي، عبر دعم كل جناح منها لمرشحين في الانتخابات، وإيصالهم للبرلمان كأدوات يضغطون بها للحصول على مزيد من المكاسب السياسية.
- استخدام المال السياسي في فترة الانتخابات لشراء الأصوات وصبها في صالح مرشحين موالين لأقطاب الصراع.
- عقد تحالفات مع القبائل للدفع باتجاه مرشحين من القبيلة موالين لكل جناح، وتمكينهم من مناصب قيادية في السلطة ومواقع متقدمة في مراكز القرار، مقابل إجراء تعيينات لأبناء القبائل في مواقع مهمة، لا على أساس الكفاءة وإنما على أساس الولاء والطاعة.
ـ صراع التجار الذين يشكل لهم الكرسي النيابي أداة مهمة في تمرير مشاريعهم الاقتصادية عبر البرلمان، إذ هم يلوحون باستخدام الأدوات الدستورية في وجه الحكومة في حال تعثرت هذه المشاريع، كما يمكنهم المنصب من عقد تسويات مع الحكومة كسبيل لترسية صفقات تجارية كبرى لهم.
ـ غياب البرامج الانتخابية الإستراتيجية التي تُعنى بالتنمية والإصلاح لعدم وجود قانون يشرع الأحزاب، بالتالي غياب آلية يستطيع الناخب من خلالها محاسبة النائب ومراقبة ممارسته على أساس برنامجه الانتخابي. ونزول برنامج المرشح لمستوى مطالب رجل الشارع الضيقة، الخدماتية والرعوية، التي تعتمد غالبا على الغرف من ثروات الكويت دون النظر لواجبات المواطن تجاه وطنه، فتتحول هذه المطالب لشعارات المرشح كوسيلة لجذب أكبر عدد من الأصوات.
ـ غياب لجنة للقيم ومحاربة الفساد في مجلس الأمة، يتم من خلالها رصد ممارسة النائب وسلوكه البرلماني لمحاسبته وتقييم أدائه.
ـ دور وسائل الإعلام في تضخيم الأحداث بل وصناعتها، ورسم خارطة الإدراك والوعي لدى الشارع باتجاه يناسب رغبات وأجندات أصحاب الوسائل الإعلامية، التي غالبها ما يملكها إما التجار المتحالفون مع السلطة أو أولئك المتحالفون مع المعارضة.
ـ الابقاء على التقسيم الانتخابي الى دوائر خمس، التي كان الهدف منها الخروج من أزمة الشراء المباشر للأصوات في الدوائر الصغيرة، أو تزوير نتائج الانتخابات، فسقطت في فخ تكريس القبلية والمذهبية من خلال تقسيم لم تراعَ فيه الديموغرافيا.

الكويت والربيع العربي

لم تبق الكويت بمعزل عن رياح التغيير في المنطقة خاصة وهي تعيش أزمات سياسية داخلية مستمرة. فاختصار الحياة السياسية بالسلطتين التشريعية والتنفيذية كان له أثر كبير في تكرار تلك الأزمات، علاوة على عدم فاعلية مؤسسات المجتمع المدني وغياب تعدد روافد العمل السياسي وصوره وممارساته. وكان للدور الذي احتله جيل الشباب في المنطقة أثر كبير في الحراكات الشبابية الأخيرة على الساحة الكويتية، خاصة مع تغييب العنصر الشاب عن المشهد السياسي الرسمي، واستمرار تصدي رموز الجيل القديم الذين لم يرَ فيهم الجيل الشاب ما يحقق طموحاته وممارسة دور الشريك في رسم سياسات البلاد.
ولكن، وفي ظل وجود أزمة تعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، استغل كثير من النواب الحراكات الشبابية المطالِبة بتطوير الحياة السياسية وتحقيق مزيد من الانفتاح، لتحقيق مطالب بعضها كان شعبياً، وكثير منها كان مذهبيا وفئويا وقبليا بشعارات وطنية.
هذا إضافة إلى أن ممارسات السلطة التنفيذية أدت الى تضخيم الأحداث وتحويل وجهة النواب من البرلمان إلى الميدان. ويذكر بشكل خاص اعتماد الحكومة في مرحلة من مراحل الأزمة على القمع الأمني لبعض التجمعات النيابية أو التضييق على حريات بعض الشخصيات وخاصة «المغردين»، وتحويل هذه القضايا من خلال الإعلام الموجه سياسيا إلى قضايا رأي عام.
وكانت الأسباب الرئيسية في تأزم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية هي:
ـ سقوط التعاون بينهما نتيجة اللجوء إلى الاستجواب كأداة دستورية بشكل مباشر من قبل كثير من النواب، وطلبات طرح الثقة المتكررة، وهو ما قد يعتبر أمرا طبيعيا في الثقافة البرلمانية والحياة الديمقراطية، لكن بشرط اندراجه ضمن سلسلة إجراءات دستورية تسبق الاستجواب، كان غالباً ما يتم القفز عنها. بل تحولت الاستجوابات في يد بعض النواب لأداة لتحقيق مطالبات غير قانونية أو غير دستورية، كنوع من الإرهاب السياسي يمارس في وجه السلطة التنفيذية لتطويع الوزراء المعنيين. ومن جهة أخرى، يسجَّل ضعف السلطة التنفيذية الناشئ عن تهافت برنامجها في التنمية ومحاربة الفساد، وبطء تنفيذها للمطالب الإصلاحية.
ـ الاحتقان الطائفي الذي أصاب النسيج الاجتماعي بسبب عوامل التغيير في الجوار الكويتي، وخاصة أحداث العراق، والعلاقة مع إيران، والثورة في البحرين. وهذه كلها أدت إلى تشنج سياسي، خاصة مع وصول السلفيين المتشددين الى البرلمان، وطرحهم لمطالبات فئوية ومذهبية وإقصائية لفئات من المجتمع، كان لها أثر كبير في تأجيج الاحتقان، وإحداث انقسامات خطيرة على أساس مذهبي. وكانت لسياسات رئيس الوزراء السابق ناصر المحمد المنفتحة على الجميع، وخاصة على الشيعة وعلى إيران، دور كبير في تأزيم العلاقة مع السلفيين الذين شكلوا غالبية برلمانية بعد تحالفهم مع الإخوان المسلمين والقبائل.
ـ القبضة الأمنية التي مارستها السلطة التنفيذية ضد الحريات العامة من خلال قمع بعض النواب أو التضييق على المغردين أو ممارسات قمعية أخرى اعتبرت تعديا كبيرا على مكتسبات الدستور الذي كفل هذه الحريات وتراجعا واضحا في الممارسة الديمقراطية الذي اعتبره البعض إنذارا بالخطر يجب إيقافه قبل أن يتفاقم.

خلاصة

إن التغيير في الكويت وفق تطور الأحداث في المنطقة مطروح بشدة، والمطالبات التي طرحها بعض النواب في التحول لإمارة دستورية ورئاسة وزراء شعبية (من خارج الاسـرة الحاكمة) قد تصـبح واقعـية ولو بعد حين.
يبقى على سلطة الحكم التعامل مع هذه التغيرات بحكمة من خلال تفعيل مؤسسات المجتمع المدني لأداء دورها المتعلق بالتوعية على ثقافة المواطنة، إضافة للتعامل الهادئ مع التوترات السياسية وتكريس دور الدستور والقانون والمحكمة الدستورية في فض النزاعات القائمة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
خلال التدخل العنيف بحق المتظاهرين ضد تعديل قانون الانتخابات في الكويت الأحد الماضي.


 
   





* كاتبة وباحثة من الكويت
 
 
 
إضافة تعليق (*=حقل إلزامي)
الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق*
نص التعليق
تثبيت الرمز*  تغيير الرمز