تتواصل حرب داحس والغبراء بين المملكة المذهبة ومن معها، وبين الإمارة "المِن غاز"، قطر، وقد تمددت نيرانها في أنحاء الجزيرة والخليج وصولاً الى مصر، وأوقفت الحركة في ميناء الدوحة، وفرض على طيرانها أن يقصد إيران لتلتف طائراته متجهة الى مقاصدها شرقاً وغرباً. كما منعت الرعايا القطريين من الإقامة (أو السفر) في السعودية أو البحرين أو دولة الإمارات أو مصر، وطردت "الأشقاء" المتواجدين منهم على أرض هذه الدول العظمى..
بالمقابل ذهبت قطر بشكواها، التي لم تجد لها فيها نصيراً عربياً، الى المؤسسات الدولية متعددة الاختصاصات، خصوصاً وقد ناصرتها بعض الدول الغربية ذات المصالح فيها، وأبرزها المانيا، في حين تطوعت دول غربية أخرى بعنوان فرنسا لدور الساعي بالصلح بين "الأشقاء" نسباً ومصاهرة وجواراً.
غاب أي وسيط عربي.. ولم تحرك الأزمة جامعة الدول العربية التي يعجِّل في فقدانها الوعي أمينها العام أبو الغيط.
تدخلت تركيا (الشريكة في قاعدة العديد الأميركية، قرب الدوحة ) فأوفدت وزير خارجيتها، ثم جاء رئيسها السلطان أردوغان.. بغير نتيجة!
وجاء وزير الخارجية الأميركية، فجال بين العواصم المتقاطعة وعاد بصفقة طائرات باثني عشر مليار دولار مع الدوحة، وعاد الى قاعدته في واشنطن راضياً مرضياً..
توالت لقاءات وزراء الدول الأربع المقاطعة، ورفضوا وساطة الكويت التي سعى أميرها الشيخ صباح الجابر الصباح لرأب الصدع عبثاً.
زادت الضغوط ، وتعاظمت الشروط ، وآخر ما تم تحريره في اللقاء الرابع للرباعي في البحرين وضع قائمة من 13 مطلباً على الدوحة أن تنفذها صاغرة. والحرب مستمرة وقد تصل الى الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة وبينها "محكمة العدل الدولية"!
في هذا الوقت بالذات كان العدو الإسرائيلي يشدد القيود على المصلين يوم الجمعة في باحات المسجد الأقصى.. فينصب الحواجز الالكترونية التي "تكهرب" كل من يحاول تجاوزها في الدخول.. ويطلق جنوده النار على الآتين للصلاة، فيسقط بينهم الشهداء والجرحى، ثم يطاردهم عبر شوارع القدس العتيقة فيعتقل كل من طاولته أيدي جنوده من الوحدات الخاصة.
اكتفت بعض الدول العربية بإصدار بيانات تافهة فارغة من المعنى، في حين التفتت دول أخرى الى الفضاء تتأمل مسارات النجوم..
وتسابقت محطات الإذاعة والتلفزيون في نقل الصور والأخبار عن المواجهات بين المصلين وجنود الاحتلال ببرودة قاتلة، وكأنها تتحدث عن حوادث سير أو تصادم بين باخرتين.
لم تفكر دولة بتقديم شكوى الى الأمم المتحدة مثلاً، ولم يتحرك مندوب مصر (وهي حالياً عضو في مجلس الأمن الدولي) للمطالبة بجلسة خاصة.. بل ان كثيراً من الدول العربية ادارت وجوهها الى الجهة الأخرى.
" يا لوحدك ".. مرة أخرى، ربما للمرة الألف!
المحزن في هذا الأمر ان الشعوب العربية، جميعاً، غارقة في همومها الثقيلة، وأبرزها الخواء السياسي والأزمات الاقتصادية الطاحنة، وانعدام السياسة بعد اختفاء الأحزاب والتجمعات الوطنية والقومية، والفراغ القاتل في الشارع، وانصراف الشباب عن الشأن العام نتيجة اليأس أو الضياع.
لا العراق بخير، ولا سوريا قد خرجت فعلاً من أزمتها الطاحنة، ومصر قد تحولت الى طرف بدل أن تكون الحاضنة والمرجع – الحكم، والجزائر مريضة مع رئيسها الذي لم يعد يستطيع الوقوف، والمغرب صار أبعد من أن يسمع نداءات اخوانه العرب، وليبيا تناثرت إرباً..
"القضية المقدسة" مهددة بالضياع لولا أن فتيتها يزاحمون أهاليهم في مواجهة رصاص المحتل الإسرائيلي، بما تيسر من السلاح، ولو سكاكين المطبخ فضلاً عن الحجارة.. وحكام العرب غارقون في خلافاتهم التافهة والتي من غير موضوع، بينما مصير الأمة جميعاً على كف العفريت الأميركي، النصير الأعظم للعدو، والصديق الصدوق للغالبية من الحكام العرب.
وعبر الزيارات المفخخة التي قام بها ملوك ورؤساء وأمراء – أولياء عهود عرب الى البيت الأبيض في واشنطن، نسي جميعهم  أن يذكروا فلسطين ولو بحرف.. حتى رئيس السلطة التي لا سلطة لها في رام الله ، انشغل بالبروتوكول خلال لقاء الرئيس الأميركي ترامب لبعض الساعة في بيت لحم، وهكذا اطمأن الى قيام الحرس الرئاسي بواجبه في الترحاب برئيس الكون، ونسي أن يذكره.. بالقضية المقدسة.
.. ويا فلسطين جينالك.. جينا وجينا جينالك..