لا يجادلنَّ أحد - إلا الحمقى - بأن المنجز الذي حدث في مواجهة إسرائيل خلال "حرب تموز 2006"، كان استثنائياً بكل المعاني.
الجدال الفعلي عند من كانوا كارهين له يتعلق بحسابات سياسويّة محليّة صغيرة، تشير إلى أن المنجز يُقوّي "حزب الله" بحيث يتفوّق على كل الأطراف في المعادلة اللبنانية. ولذا فقد إنحاز هؤلاء الى العدوان وأرادوا منه أن يكسر رأس "حزب الله"، وعملوا على "تشجيع" الأميركان (وكانت كوندليسا رايس تقود المجابهة السياسية) على الصمود، وأملوا بأن تنتصر تل أبيب. وكانت خشية أرباب هؤلاء و"أعمامهم" من الكارهين الكبار، من أن المنجز سيقوي منطق مواجهة اسرائيل وعدم الرضوخ لها بالعموم. وهذه نقطة ليس من المبالغة في شيء اعتبارها جوهريّة بنظر العدو الاسرائيلي كما وبنظر القوى المهيمنة عالمياً، لأن تسييد فكرة العجز والاستسلام للجبروت الاسرائيلي هي أساس ليس فحسب استراتيجي، لتأمين استمرار غلبة إسرائيل، بل هي وجودية بالنسبة لها، كما أنها بالغة الاهمية للايديولوجيا الامبريالية.. التي لم تَمتْ، بعكس ما يظن المتهاونون، إن لم تكن قويت، بدليل العراق إن لم نذكر سواه من تدخلات عسكرية ومن استباحة للعالم وتسلط.
كان دمار مهول؟ نعم. طال بنسب متفاوتة كل لبنان، واستطاع "حزب الله" لجمه عن التمادي أكثر بالتهديد الشهير - معادلة الرعب - بقصف تل أبيب في حال قُصفت بيروت العاصمة، أي بما يتجاوز ضاحيتها.
.. دمار يشبه ما وقع بعد ذلك في سوريا التي تَقصف طائرات التحالف الغربي مدنها وقراها بلا وجع قلب، كما قصفتها بشكل تدميري وبلا حساب مدفعية النظام السوري. يشبه ما نشاهده اليوم في الموصل..
الثمن باهظ إذاً، إلا أن الصمود كان أسطورياً. صمود مقاتلي "حزب الله" وصمود الأهالي الذي لا يقلّ أهمية. كما كانت الجاهزية مذهلة ومثيرة للإعجاب. وكلّ ذلك (للتذكير) أثار تضامن العالم الذي توالت على الحضور الى لبنان وفود شعبية من كل بقاعه بلا استثناء (من الهند الى أميركا اللاتينية الى افريقيا الى أوروبا، الى بلدان العالم العربي..) خلال أيام العدوان الـ33 وفي ظّله، ثم في مؤتمر يشبه المنتدى الاجتماعي العالمي، عقده في بيروت مطلع خريف ذلك العام ممثلو هذا التضامن. وكان الإحساس بالاعتزاز يشمل المنطقة العربية، بلا اعتبار لمشاعر الانقسام المذهبي المريضة الطاغية اليوم.
بداية النخران كانت في ظهور التفاخر لدى أرباب المنجَز. رويداً ثم كثيراً. فيما كان المطلوب والمأمول هو نقيض ذلك: التفاخر هنا كان ممارسة لـ"الغلبة" ولو على مستوى الشعور. وكان يمكن تبريره بالحاجة لتعويض جمهور دفع ثمناً فظيعاً من أرواح أبنائه ومن ممتلكاته. ولكنه لم يقتصر على هذا الصعيد ولا على فترة قصيرة من الزهو. بل راح يتصاعد، ووصل الى ذروته في ما يُرمز إليه بـ 7 ايار/مايو 2008، حين جرت مجابهة مخطط التصفية بالوسائل الأخرى التي قررتها حكومة فؤاد السنيورة. عقب ذلك اليوم، انتقل "حزب الله" بسرعة من خطاب يشرح اضطراره لاستعراض القوة ذاك، بعقلانية وتواضع (لا يقْدر عليهما إلا الاقوياء) إلى التحدي والتباهي وإعلان النية بالاخضاع، وإلى منسوب مذهبي متعاظم، جرّ قدمي "حزب الله" إلى لعبة التوازن والصراع اللبنانية، وإنما بشروط لا تنتمي إليها. فهذه اللعبة قائمة على تساوي لقوى أطرافها - وإن رجراج - وليس على حضور طرف طاغي الامكانات، مما يعطلها تعريفاً.
واستطراداً، فذلك: هذا الاختلال الطاغي في نسب القوة بين المكونات، هو العطب الجوهري الذي أفشل الصيغة اللبنانية (المحاصصة الطائفية) المستوردة الى العراق من قبل الاحتلال الاميركي وتحت إشرافه، تحت مسميّات شتى أبرزها "العملية السياسية" وتنظيرها البائس هو تعبير "ديمقراطية المكونات"..
وبعد ذلك جاء التبديد الكبير للمنجز بتورط "حزب الله" المتعاظم في الصراع السوري. وهو انتقل هنا كذلك، ورويداً وبالتدريج، من الخَفر والتبرير الدفاعي إلى التباهي والتحدي وإعلان النيّة بتكسير الرؤوس. ومعه راح يرتفع منسوب الخطاب المذهبي لديه، إلى أن طغى، وصارت الـ"نحن" تعني حصراً الشيعة وليس المقاومة مثلاً. عندها إنتهى الامر! وكرت السبحة بلا كوابح، من تأييد الحوثيين في اليمن (بعد تأييد وتدريب الانفصاليين الجنوبيين خدمة لأغراض الصراع الايراني - السعودي) إلى تورطات لا اسم لها في العراق ولا مبرر.
ويضاف الى كل ذلك أن "حزب الله" لم يكترث يوماً بغير الصراع السياسي الذي يصبح والحال تلك مذهبياً في لبنان وفي المنطقة، ولم يطور أبداً تصوراً لهويّته الاجتماعية والاقتصادية، مما بدد أي آمال بأن يحمل بذرة "فقه التحرير" على غرار حركات دينية في أميركا اللاتينية ("لاهوت التحرير") لم تكتفِ بمقارعة الامبريالية بل انخرطت في الصراع السياسي - الاجتماعي لصالح المستضعفين. "حزب الله" غلّب دوماً حساباته السياسية العليا واعتبارات تحالفاته، على هذا البعد، غير عابئ به بالمرة، بل مستخدماً قوته في كسره لصالح الطغاة، كما حدث تكرارأ في تحركات اجتماعية ومطلبية كبرى للاستاذة مثلاً، ولسواهم.
.. عندها انتهى الامر! فيا حسرة، نخيب أنفسنا بأنفسنا في كلّ مرّة.