مر اليوم الأربعاء الواقع فيه 12 تموز/يوليو كأي يوم عادي وقد سقطت من الذاكرة، بل أسقطت قصداً، ذكرى الحرب الإسرائيلية على لبنان التي استمرت لشهر طويل من القصف المكثف من الجو والبحر والبر، فضلاً عن اندفاع "نخبة" جيش العدو لاحتلال ما يمكنها احتلاله من أرض لبنان، لا سيما في الجنوب، جبل عامل، وامتداداته.. وما عُجِز عن الوصول إليه براً، كثف عليه القصف حتى كاد يهدم الضاحية – النوارة، جنوبي بيروت، وكذلك ما افتُرض انه مخازن سلاح أو منصات لإطلاق الصواريخ في بعلبك – الهرمل، مع تدمير منهجي للجسور والطرقات الواصلة بين سوريا ولبنان.
ولسوف تمتد هذه الحرب الإسرائيلية على لبنان بعنوان مقاومته الإسلامية (حزب الله) وجماهير اسنادها الشعبي طوال شهر من النار الحارقة شاركت في إطلاقها، إلى الطيران الحربي بغاراته المتصلة أثناء الليل وأطراف النهار، والمدمرات التي ضرب المجاهدون واحدة منها في عرض البحر، مقابل خلدة، وسهر اللبنانيون على وهج ألسنة النار التي التهمتها... خصوصاً وقد تولّى السيد حسن نصر الله شخصياً تنبيه اللبنانيين إلى هذا الحدث الاستثنائي.
كان لبنان وحيداً في هذه المواجهة، إلا من سوريا التي فتحت حدودها لقوافل السلاح كما فتح السوريون في مختلف المناطق بيوتهم أو أخلوها لاستضافة إخوانهم اللبنانيين، مقدمين النموذج الأرقى والأعظم للتضامن في الصمود واقتسام الرغيف الواحد مع الأخ الشقيق.
كذلك فقد فتح المئات من اللبنانيين، في مختلف مناطق الجبل، كسروان، والمتن، وجبيل اضافة إلى الشوف وعاليه بيوتهم والمدارس لإيواء إخوانهم من أهل الجنوب والضاحية وأظهروا أرفع مشاعر التضامن بمعناه الوطني وليس كتعاطف عابر مع ضحايا زلزال مثلاً.. أما الدول العربية عموماً، فقد تلكأت وترددت، وأدار بعضهم وجوههم إلى الجهة الأخرى..
فلما عجز جيش الغزو الإسرائيلي عن تحقيق أهدافه، وتحولت ساحات بنت جبيل وعيترون والعشرات من المدن والقرى في جبل عامل إلى قلاع مثل "ديان بيان فو" في فيتنام، وستالينغراد في روسيا.. ولما رأى العالم جميعاً أهالي الخيام ومرجعيون يسهرون على وهج النيران التي التهمت دبابات العدو الإسرائيلي في سهل الخيام، ولما اضطرت الولايات المتحدة الأميركية لأن توفد وزيرة خارجيتها كونداليزا رايس إلى بيروت لفتح باب التفاوض لوقف النار.. مع الإشارة إلى أنها رفضت الترجل من سيارتها المصفحة أمام مبنى السراي الحكومي، إلا بعدما نزل فؤاد السنيورة، رئيس الحكومة آنذاك، ليستقبلها تحت، فيصحبها متصاغراً إلى مكتبه كرئيس للحكومة..
... بعد ذلك كله تحرك وزراء الخارجية العرب، وجاؤا إلى بيروت وفق الشروط الإسرائيلية: من مطاري عمان والقاهرة فقط، وليس بالطيران من عواصمهم إلى العاصمة اللبنانية.
وفي بيروت اختصروا الزيارة بلقاء في السراي، بينما "تسلل" بعض الصحافيين إلى الضاحية ليشهدوا، بأم العين الدمار الذي أحال مدينة كاملة إلى ركام، وأهاليها الذين توزعوا على الحدائق العامة القليلة ليظلوا قريبين من بيوتهم المهدمة.. في قلب المعركة!
تغدى الوزراء، وصرحوا وغادروا، من دون إصدار بيان.. وبعد ساعات طويلة أصدروا بيانهم الإنشائي المفرغ من المضمون من مبنى جامعة الدول العربية في القاهرة وباسمها.. كان لسان حال اللبنانيين المزهوين بانتصارهم التاريخي بسيطاً يمكن اختصاره بتحية الصباح: نحن بخير، طمنونا عنكم!
وها نحن، نسبياً، بخير.. وما زلنا نرغب في الاطمئنان عن القادة العرب الذين يدوسون أطراف بعضهم وهم يزحفون نحو الصلح مع العدو القومي، إسرائيل!