نبيل فارس، كاتب، انتروبولوجي (مختص في دراسات علم الإنسان)، أستاذ محاضر في الأدب  في جامعة الجزائر ثم جامعة غرونوبل ومحلل نفساني بباريس.
دخل نبيل فارس عالم الكتابة برواية، يمكننا ترجمة عنوانها للغة العربية بعدة صيغ، كأن نقول "يحيا بدون حظ" ويمكننا قراءتها "يحيا وخطوة حظ". ومن ثراء اللغة العربية، يمكننا كذلك صياغتها بعنوان "يحيا من له خطوة حظ" بمعنى، يعيش من يصادف الحظ. كل هذه القراءات، هي نتاج أسلوب كتابي غني بالمترادفات طبع كتابات نبيل فارس وهو لم يتجاوز بعد 18 سنة من عمره، عندما كان في الجبال في صفوف جبهة التحرير، كما أخبرنا أثناء مداخلة له، حيث أضاف أنه كان مكلفاً بتدوين أسماء الشهداء في سجل، ليصبح بذلك مدوّن ذاكرة الموتى. وتلك ملاقاة لا تُنسى لاسماء حُرمت من الاجساد الحية.
سمحت هذه التجربة بميلاد عمل كتابي رائع واساسي للجزائر، ولعالم الأدب. عمل مبني انطلاقاً من شظايا وحطام اللغة التي بقيت معانيها معلقة وألفاظها متخلعة، لتفتح بذلك الباب أمام إمكانية إيجاد لغة مستقبلية، إنسانية وشاعرية، يتحول بها زمن الحرب الى ماضٍ إلى ذكرى، لا الى حاضر ابدي لجريمة ومجزرة وفظاعة.
كتابات فارس تغوص في أعماق اللغة لتستنبط "انكسارات العالم والانسان" ("ذاكرة الغائب")، الانكسارات التي طالت مجالات يصعب إصلاحها،

لإصابتها الإنسان وثقافاته ولغاته.
كان يفضل استعمال لفظ الاحتلال على الاستعمار، وذلك للدلالة على مدى ما أحدثته عملية التمشيط الداخلي على امتداد 132 سنة، تلك التي  تترك الناس يتامى فاقدين لجوهرهم الحي، مهانين، متعطشين للوجود، في صراع دائم مع الهوة التي لا تتوقف عن تقيؤ الخسارة والفقدان.

منطق احتلال المساحات، سواء أكانت الجغرافيا و/ أو الدواخل النفسية، مبني على مبدأ التفريغ من الداخل. كما تهجر الأراضي من سكانها،  تفرغ الذات من دواخلها، لتترك بدون أنفاس. يعتبر نبيل فارس الاحتلال الفرنسي وعواقبه، وكذا الحرب بذاتها، من العمليات االشمولية التي تحاول سلب الإنسان كل طاقته على الحياة. هذا المنطق من التفكير، يستخدم سياقات وميكانيزمات دقيقة من أجل تحقيق هدفه: تدمير كل ما يمكن أن يُكوِّن صلة باللغات، وكل ما يمكن أن يُنمّي البنى الرمزية المنظمة للروابط الاجتماعية، وكذا مصادرة كل ما يمكن أن يكون إحساساً بمواكبة عجلة التاريخ، وحتى تاريخ الفرد ذاته. كل هذه العناصر تمثل احتلالاً حقيقياً للفضاء النفسي للإنسان.
وهكذا يصبح هذا الفضاء النفسي إناء لشرخ لا يوصف، ولأن هذا الشرخ آتٍ من الخارج  فيصعب إدراكه أو هو يختلط بشكل كبير بالدواخل فيستحيل التمييز بينهما، والفصل بين ما يمكن أن يمثل عجلة التاريخ ومساره من جهة وبين تاريخ الأفراد الشخصي و/أو العائلي من جهة أخرى.   
 هذا الارتباك في الأماكن والأزمنة، وكذا في اللغات والضمائر (أنا، أنت، هو)، هو نتاج ما أصاب الإنسان منذ بداية الاستعمار، والذي يبقى معناه ضالاً لأنه لم يتسنَ لنا لا تدوينه ولا تسجيله.
 

  كان يفضّل استعمال لفظ الاحتلال على الاستعمار، وذلك للدلالة على مدى ما أحدثته عملية التمشيط الداخلي على امتداد 132 سنة، تلك التي  تترك الناس يتامى، فاقدين لجوهرهم الحي، مهانين، متعطشين للوجود، في صراع دائم مع الهوة التي لا تتوقف عن تقيؤ الخسارة والفقدان
 

هنا يبدأ عمل الكاتب والمحلل النفساني، كالحِرَفي الذي يمتهن الكلمات، يقطع ويقتطع المعاني ثم يعيد لحمها أو خياطتها بنيّة أن يجعلنا نرى عن قرب مكان الآثار ومكان الإصابة ثم الجروح التي لا يجب أن تبقى مفتوحة، عارية، تنزف دماً.
صناعة مثل هذه الحدود بواسطة الكلمات، يفتح ثم يعيد غلق كل ما يمكن أن يكون "مقر الكوارث والمصائب"، حسب كاتب ياسين في "نجمة".
عمل الكاتب هنا يجاور عمله كمحلل نفساني، لأن كتاباته كانت دائماً تحمل مشروعاً. مشروع يفتح الطريق نحو مجال إصلاح تلك الأجساد المنكّل بها، وهؤلاء الموتى بلا قبور، والمفقودين الذين يصعب تعدادهم.
لعل الكتابة بحيث ترسم مع الكلمات، وخصوصاً في ظلالها، طريقاً جديداً نحو "الفرح الهش، المحسوب والمسروق من اختناق هذا العالم" (ذاكرة الغائب، ص 121).

 

 حارب المحاولات الشمولية للتفريق بين ما يدعو لبناء التاريخ الواحد من جهة وإخماد أصوات التفرد من جهة أخرى
 

كتابة نبيل فارس متميزة الأسلوب في فرادته ، تصعب مقارنتها بالكتابات الأخرى. وهي تحمل في طياتها مشروع بناء التاريخ من خلال قصص الأشخاص المنفردة والحميمة، التي تحارب المحاولات الشمولية للتفريق بين ما يدعو لبناء التاريخ الواحد من جهة  وإخماد أصوات التفرد من جهة أخرى.
عنوان رواية "يحيا" يحمل غموضاً مبهم المعاني، بين الاسم المذكّر لشخصية يحيى ومعنى كلمة يحيا الدالة على العيش واعادة الحياة. وهو استطاع بشاعرية قلمه أن يحوله لمعنى "الحظ للحي"، للدلالة على أنه يجب على الإنسان ألا يتخلى أبداً عن دوره كمؤدي وكمبدع في الوقت نفسه.
وفي محاولة لترجمة باقي العنوان  Yahia pas de chance نجد جذعين: Pas هي الخطوة بالفرنسية، بمعنى المشي أو الرقص، أو هي اللا النابذة. مثل هذه القراءات، تفتح المجال لاحتضان إمكانية إيجاد اقتراحات أخرى. هذا التناغم في الألفاظ والمعاني هو الذي يسمح بعودة مكانة اللغة الأم، البربرية أو الأمازيغية، التي نحن جميعاً أبناءها، (أياً كانت مناطقنا أو أراضينا)، لأنها ببساطة لغة المملكة المفقودة.
فمن خلال لغة القصة المكتوبة أو الأسطورة المروية، تولد من جديد أصوات المقاطع المسدودة والصامتة، والتي تسبب "الاختناق" وتيتم الناس في "حريق العالم" (ذاكرة الغائب، ص17).
[Media:7992]
ففي تلك النصوص، تتم إعادة وصل المعاني بالكلمات، تلك الكلمات التي تجعلنا نحس أنه لا يمكننا أن نعبِّر عما هو موجود في تجويف فارغ، ليبقى بذلك الكلام هو الوحيد "خطوة الحظ".  
أن يعيش كل واحد منا "انكسار العالم" من خلال التاريخ أو في خضمه، هو شيء يستحيل الإفصاح عنه، لكن نبيل فارس يقترح علينا إمساكه من خلال الغائب. تلك المبهمات في الكتابة ومواقع الفصل في النص وكذا الانحرافات في المعاني التي تُقرأ جميعها في صمت، بينما يُحدِث صداها ضجيجاً مدوياً.
أراد الكاتب لهذه القراءة أن تصبح قضية متداولة، فقد كان يقطع جسد النص ويتركه يتمزق إلى أشلاء، لأنه وبكل بساطة، كان يريدنا أن نصل إلى قول الأشياء بكل طلاقة. "أعلم أن هذا هو شؤمنا، إضافة إلى الخسارة والفقدان وكذا الهذيان، نعيش في عالم الخروقات، هكذا. يقابلنا العالم، أو ما أسميناه بالعالم، وهو الوسط الذي نعيش فيه. كآبة حادة" (ذاكرة الغائب، ص24).
الغائب، هو ذاك المخاطب، الذي لا يكل ولا يتعب في البحث عما يعود إليه، عن مستحقاته، كالشبح الذي يجوب العالم ويكتسحه عندما نرفض استقباله، ثم يتحول إلى غول متوحش، حاقد ذي غل، إذا ما أردنا أن نصد الباب عليه، ونتركه خارجاً ليموت.  
 

هذا المنطق الاحتلالي يستخدم سياقات وميكانيزمات دقيقة من أجل تحقيق هدفه: تدمير كل ما يمكن أن يُكوِّن صلة باللغات، وكل ما يمكن أن يُنمّي البنى الرمزية المنظمة للروابط الاجتماعية، وكذا مصادرة كل ما يمكن أن يكون إحساساً بمواكبة عجلة التاريخ، بما فيها تاريخ الفرد ذاته. كل هذه العناصر تمثل احتلالاً حقيقياً للفضاء النفسي للإنسان.


الغائب هو من استطاع الفرار من ذاك الجسد في ليلة من الليالي، ليبقى منذ ذلك الحين يصرخ ألمه. ذاك الجسد الذي فقد روحه، وأصبح عبارة عن أشلاء ممزقة، كالشظايا المبعثرة والمتناثرة بين السماء والأرض، متوسلاً ومتضرعاً للآهات التي تستحضر دواخلها، لكنها بقيت كالصرخات المدوية التي لا تحمل لا نداء ولا خطاباً منطوقاً.
من خلال ألم الجسد، قدم لنا نبيل فارس ما نسميه في خطابنا الاصطلاحي الخاص بالتحليل النفسي، "الصدمة النفسية": الكسر الذي لا يجبر. الكسر الذي يمنع إمكانية إعادة الوصل وربط اللقاء، بقصد لمّ الشمل. أو بصورة أخرى الكسر الذي يمنع إمكانية أن تحقق الذات. هذه الصدمة هي كذلك نتاج لصد اللغة الحميمة والتي بقيت معلقة في مصيدة، تائهة بين الحي والميت، حيث لا شيء يوصل ولا شيء يفصل.
نستطيع القول إن كل كتابات فارس تحمل في طياتها صورة الكارثة الإنسانية، التي يبقى الغائب فيها هو الشاهد الوحيد الذي لم يتزعزع عن مكانته. فمتابعته خطوة بخطوة هي قبول تحدي الخوض في غمار التحري والبحث، من أجل تحديد معالم تلك الكوارث، التعرف عليها عن قرب، بأمل أن تصبح يوماً ما مكاناً صالحاً للعيش، دون أن نبقى خاضعين لمنظر الأطلال، حطام الدمار والخراب.
نجد في نصوص نبيل فارس مكانة بالغة الأهمية في الكتابات المستقبلية، بلمسة ابتكارات جديدة واكتشافات حية، التي يستطيع  كل واحد فينا، بل يجب على كل واحد منا أن يجعلها من خصوصياته.  
هنا يمكننا أن نصل الكلام بصيغة فرويد حين يقول "كل ما ورثته عن آبائك، يجب عليك أن تحتكره إذا أردت امتلاكه يوماً ما".
اليوم افتقدنا أباً، رجلاً عظيماً وطفلاً عاش الحروب، وبقي لدينا عمل خارق للعادة، في متناول كل من يريد أن يغوص في غمار التاريخ، متحملاً بذلك مسؤوليته في إمضاء قراءاته ووجهات نظره، والتي ستكون بمثابة إعادة الوصل وربط  الدواخل بمعالم الواقع الخارجي في هذا الزمن المنغلق على حروب الحقد والتنافس، حتى الاهتراء أو الهلاك.¬¬¬
ولأنك أصبحت فجأة ودون سابق إنذار، المغيّب عنا، فلترافقك هذه الكلمات، رافضة أن تبقى روحك ضالة، كما سبق وأن وصفتها لنا في كلمات كتاباتك والتي أوصلْتها لنا في الصرخات التي كانت تحملها كل جملة من فقراتك.
بدورنا نقول لك، إن ألم كل الشخصيات التي كتبت عنها، ذات الأجساد الممزقة والتي عاشت المجازر والكوارث المتعددة، هي كذلك آلامنا نحن.  
غيابك وافتقادك منذ ما يقرب من عام الآن 30-08-2016)، يجرنا إلى أن نعيش حالة من الغربة والتيهان، والتي سبق لك وإن أحسنت وصفها عندما قلت "أحس بداخلي تصحراً، نعم، تصحراً من الحب، كأنما كل حركية نعيشها في المدينة، هي حركية بعيدة عن المدينة كذلك، مدينتنا نحن، حركية تحفر في دواخلي أو في دواخلنا نوعاً من الجشع التصحري، الذي يبني آباراً من العطش، أو يخلق رغبات بدون مضمون" ( ذاكرة الغائب، ص24).

ترجمته عن الفرنسية عايدة مشري