"المصغرات" هو الاسم السوري لاختراع للغش في الامتحانات المدرسية يتفوق على معادلات له في دنيا الاختراعات الطلابية وإن كانت تنتهج أساليب مختلفة. والاسم يعني تصوير الكتب المدرسية المقرر الامتحان فيها وتصغير حجومها لتصبح سهلة الحمل للنقل والتخبئة في حال التفتيش.
تستخدم آلات النسخ الحديثة في عملية تصوير الكتب وتصغير حجوم صفحاتها لتصبح أصغر من حجم الكف البشرية الصغيرة. تقوم بالعملية عشرات المكتبات المتخصصة في شؤون التصوير، ومنها مكتبات ذات سمعة ووزن، حيث يباع المصغّر بحدود العشر دولارات، يضاف إليها، إذا كان المصغّر ملوناً، مبلغ مماثل، ومبلغ آخر في حال تم تلوين فقرات من الكتاب لتمييزها (الأسئلة المتوقعة)، وفي المواد العلمية كالفيزياء يضاف لها حل المسائل (!)، ويرتفع السعر أكثر فأكثر في حال ارتفعت جودة الورق والتجليد. وللتنويه يقدم حسم كبير قبل بداية الامتحانات بغية بيع جميع المصغرات الموجودة لدى المكتبات هذه.
 

شبكة الغش


كل عام، أمام مراكز الامتحانات، تتطاير عشرات الأوراق من المصغرات بعد تقديم المواد، يحمل الطلاب الشاطرون مصغراتهم إلى قاعات امتحانهم، يُصلّون كي تكون المراقبة سهلة وغير متشددة ــ وفي الغالب هي كذلك. بالطبع هناك ما هو أدهى وأمرّ. فإلى جوار مدرسين ومدراء مراكز

وعناصر شرطة وأمن يتقاضون مئات آلاف الليرات لقاء تساهلهم، انضمت جوقة الأهل إلى شبكات الفساد: يتقصى الأهل الحبَّابون بطرقهم عن أسماء المراقبين ليقوموا بالدفع لهم عبر وسطاء (أمناء السر عادةً)، وبأسعار دسمة، كي يفسحوا مجال الغش لأولادهم. فقد دفع أب لابنه الطالب في الشهادة الأساسية (التاسع) حوالي ثلاثة ملايين ليرة سورية (6000 دولار) ليشتري (حرفياً) الأساتذة والمراقبين ومديرة المركز، وفوق ذلك تمّ حل الأسئلة له من قبل أساتذة المواد في المراحيض، التي تسمح اللوائح الامتحانية للطالب بالخروج إليها لقضاء حاجته. وقد نجح ابنه الذي لا يفك الحرف بمجموع وقدره 290/310، والأب إلى الآن منزعج لأن آينشتاينه لم يجمع العلامة الكاملة على الرغم مما صرفه عليه.
وينال أبناء الفقراء حصة من كعكة الغش نتيجة الفوضى وعدم المراقبة الدقيقة، وأحياناً أخرى تطبق عليهم قوانين اللوائح الامتحانية إذا شاء سوء حظهم وجود تفتيش مركزي، وهو تفتيش شكلي عادة لا بد له من الحديث إعلامياً عن تجاوزات بعدد أصابع اليد في هذا المركز أو ذاك، ولا بأس أيضاً من الحديث عن أن الوزارة "ضربت" الطلاب في مادة ما، لهزهم قليلاً مما أثار بكاءهم، إلا أن جميع الأمور ممتازة ولا شيء يحدث سوى "حالات فردية غير منضبطة". هل يتذكر أحدكم كم مرة قيلت هذه العبارة في سياقات أخرى لتبرير كل أنواع الفساد والخراب؟
 

  إلى جوار مدرسين ومدراء مراكز وعناصر شرطة وأمن يتقاضون مئات آلاف الليرات لقاء تساهلهم، انضمت جوقة الأهل إلى شبكات الفساد (...). وينال أبناء الفقراء حصة من كعكة الغش نتيجة الفوضى، وأحياناً أخرى تطبق عليهم اللوائح الامتحانية إذا شاء سوء حظهم وجود تفتيش مركزي


هذا العام تم تبديل رؤوساء المراكز الامتحانية كل يوم، دون كثير فائدة. فالشبكات تعرف من أين تؤكل كتف الامتحانات، فلا أحد من رؤوساء المراكز ـ إلا أقل القليل ـ يريد تفويت بضع عشرات من الملايين يجنيها في يوم واحد، ولا أحد من الأهالي يريد أن يسود وجهه أمام الناس كذلك، فالسمعة أمر يُفدى بالمال والغش، ولا بأس بتطبيق النظام على بعض الضحايا.. وما حدث في جولة محافظ حماة على مراكز المدينة ليس سوى مشهد بسيط أمام خراب يضرب عمق النظام التعليمي والقيمين عليه والمدرسين والأهل والمجتمع سويةً.
لم يكن الحاصل من خراب عبر السنوات السبع المنصرمة في هذا النظام نتيجة للحرب فقط. الصحيح أن لها دوراً كبيراً، إلا أنها ليست لوحدها من يتحمل وزر الجريمة.
 

قبل الحرب... بكثير
 

لحظة دخول الضابط العسكري (الفاشل دراسياً) إلى الجامعة لكي يناقش رسالة الدكتوراه التي كتبها له الدكاترة الذين سيناقشهم بها، وضعت حجر الأساس لما سيشهده النظام التعليمي العربي من خراب لاحق. لم نذكر اسم قائد محدد لأن هذه الواقعة تكررت في عدة بلدان عربية، عسكرية وملكية.
ساهم اختراق العسكرة للمجتمع السوري، ووصولها إلى التعليم، بتقليل جودته إلى حد كبير، وبالتالي عدم الاهتمام بمخرجاته. فالتعليم كأي قطاع آخر وليس له أولوية على غيره. المهم أن يخرِّج ببغاوات ناجحة تعرف تاريخنا الحديث برواية النظام السياسي الوحيدة المعتمدة. تعلّم جيلنا (الأبجدية الإنكليزية) بعمر الثالثة عشرة في وقت كان فيه التعليم في أماكن أخرى من العالم يفرض تعلم ثلاث لغات على الأقل.
التخريب الثاني للعسكرة كان إقصاء سلطة المدرس/المدرسين وإضعافها وإتباعها لسلطة مدرسي التربية العسكرية (القادمين من الجيش أو فروع الأمن دون إنقاص في دورهم) ودون الحاجة لقرار رسمي في ظل انتفاخ الأجهزة الأمنية والحزبية البعثية إلى درجة غير مسبوقة (خاصة بعد أحداث الثمانينيات من القرن الفائت).
عامل ثالث ساهم في لاحق الخراب، تمثل في إلزامية التعليم دون وجود إمكانات حقيقية لتنفيذه. فعدم التناسب بين التخريج الجامعي وحاجة الواقع جعل النظام السياسي والتعليمي يخترع المعاهد ومن ثم معاهد إعداد المدرسين ذات العامين التي يقضي فيها المتعلم عاماً ونصف فعلياً تتضمن أكثر من شهرين عطلات رسمية، ودوام ثمان ساعات يومياً، أي بالمحصلة قرابة عام واحد في إعداد المدرس الفاشل بالأصل في دخول الجامعة وبعلامات متدنية وبواسطة حزبية أو أمنية. يضاف إلى ذلك، وفي هذه البيئة، غياب الإيمان بالتعليم نفسه باعتباره الطريق الأوحد لبناء المجتمع.
أدت المعاهد المتوسطة إلى طوفان معلمين غير أكفاء، وجاء قرار تأنيث التعليم الابتدائي ليزيد في طابور التجهيل نغماً، فعلى الرغم من نبالة الفكرة إلا أن المصيبة في كون القرار أصبح مطيةً للتهرب النسائي من أداء دورعن كمدرسات تحت حجج قانونية مختلفة منها الزواج والحمل والولادة وغير ذلك، وعلى الرغم من وجود بدائل لمن تتغيب إلا أن النتيجة تصيب مقتلاً للتلاميذ بسبب تغير الأساليب والطرق.
[Media:7988]
حتى في العام 2010، حين استحدث قرار تحديث التعليم ما قبل الجامعي عبر اتفاقات مع اليونيسكو، حدثت تعديلات كثيرة للمنهاج نفسه خففت من الأدلجة والعسكرة، واقتربت سورية خطوة من معايير الجودة العالمية، فتقدمت في مؤشر دافوس لجودة التعليم 2008 حتى المرتبة 94 من أصل 180 دولة، واستثناها التقرير الأخير للعام الماضي (مع العراق وليبيا والصومال واليمن) من التصنيف كلياً بسبب "عدم توفر أبسط معايير جودة التعليم".
تتيح المقارنة البسيطة مع دول كانت أسوأ تعليمياً من سوريا قبل سبعينيات القرن الماضي، وما آلت إليه أحوالها، تقدير الكمية الكبيرة من الخراب الحاصل في التعليم السوري وبالتالي في المجتمع. فقد أصبحت إندونيسيا أول بلد في جودة التعليم في العالم عبر خطط وطنية طموحة نفذت بإيمان وفي حقبة نصف قرن تقريباً، فرُفعت أجور المعلمين، وأعطي مدراء المدارس مزيداً من الاستقلالية، وألغي التفتيش المدرسي ومن ثم أطلقت مبادرة تعليم ثانية سميت (تعليم أقل، تعلم أكثر) ركّزت على طرائق التدريس وتقليل حجم المحتوى إضافة إلى اعتماد التعليم الالكتروني والأنظمة مفتوحة المصدر، وركزت الخطة على أخلاقيات التعليم في الرقابة على المتعلمين والكوادر.
في سوريا تغيرت أحوال التعليم نحو الأسوأ تدريجياً. وضعت عشرات الخطط النظرية للارتقاء بالتعليم دون أي جدوى فعلية لا على صعيد المحتوى ولا على صعيد المنتَج البشري، ووصل الفساد المستشري إلى لب النظام (الحكومي في أغلب مؤسساته) بطرق شتى وعلى كل المستويات. ومن اللحظة التي انتشر فيها التدريس الخصوصي منتصف تسعينيات القرن العشرين، والمعاهد التعليمية غير ذات الجدوى، دق الإسفين في نعش التعليم بشكل علني، عدا عن مشكلة استيعاب الطلاب في مدارس بنيت على الطراز الشيوعي الصحراوي. هل يمكننا القول إن جزءاً مهماً من خراب الحراك السوري كان بسبب ضعف السويات التعليمية للمشاركين فيه؟
 

بعد الحرب.. بقليل
 

تسمح الحرب، ولو من بعيد، للبشر بإقناع أنفسهم بقدرتهم على فعل أي شيء دون إحساس بتأنيب أو تعذيب الضمير. وفي غياب الرادع الأخلاقي (قبل القانوني) تستشري انتهاكات صارخة لقيم المجتمع الأساسية. في العام الماضي، حَوّل مدير تربية اللاذقية أحد الموجهين إلى التحقيق لاشتباهه بدوره في تسريب أسئلة الرياضيات للشهادة الثانوية. تفاعلت القضية على الصعيد العام حتى تدخلت وزارات ذات ثقل فيها (غير وزارة التربية)، انتهت بإقالة المدير المذهول وبالشماتة فيه على الصفحات الزرقاء.
ليست المصغَّرات سوى رأس جبل في خراب عميم يضرب في عمق المجتمع، فأن يكون الأهل جزءاً من منظومة الفساد هذه لهو أمرٌ يلغي كل منطق تربوي، ويلغي كل أخلاق، ليس في المدرسة فحسب، بل في البيوت والمجتمع، وبالتالي لا غرابة أبداً أن ينتج جيل أقصى قيمه التي ينادي بها أو يعيش لها الانتهازية والدناءة. في جولة محافظ حماه تلك التقط الإعلام صورة لحديث على تطبيق الواتسأب لأم تقوم بتنقيل ابنها الإجابات على الأسئلة، فأية قيم تغرس في عقول هؤلاء الطلبة؟ وأي إبداع أمومي هذا لم يخطر على بال مطور التطبيق نفسه.
 

وَضعت لحظة دخول الضابط العسكري (الفاشل دراسياً) إلى الجامعة لكي يناقش رسالة الدكتوراه التي كتبها له الدكاترة الذين سيناقشهم بها، حجر الأساس لما سيشهده النظام التعليمي العربي من خراب لاحق. لم نذكر اسم قائد محدد لأن هذه الواقعة تكررت في عدة بلدان عربية، عسكرية وملكية


من المضحكات المبكيات أن أوقات الامتحانات في سوريا هي الأوقات التي يجب فيها قطع شبكات الاتصالات الخليوية والانترنت لمنع الطلاب والأهالي والمدرسين من الغش والنقل. لا بل وصل الحال في بعض المراكز إلى حدود الاشتباك بين عناصر حراسة المركز والأهالي عند محاولتهم منع هؤلاء من استخدام مكبرات الصوت لتنقيل أبنائهم!
من السبب في وصولنا إلى هذا الدرك الخطير من اللاأخلاق؟
قديماً قال أفلاطون: إن الكيان السياسي الفاسد يجعل من الناس فاسدين، والصالح يجعلهم صالحين. وهذا لا يعني ـ بتعبير روسو ـ أن الدولة والنظام صانعا خزف والإنسان كتلة طي.، إلا أن الحال السوري يجعل من المسألة واقعاً. فموضوع المصغرات أصبح مشهداً عاماً لا يثير الاعتراضات من قبل أي شخص، حتى أن الوزارة لم تعلق عليه تعليقاً واحداً يستحق الذكر. إنها "الحرب حمالة أوجه".
 

محكومون.. بالفشل؟
 

يوماً ما كان اسم الوزارة التي تحتضن النظام التعليمي السوري: وزارة التربية والتعليم، ثم أسقط التعليم من اسمها، بحجة أن التربية أهم من التعليم. وهذا المنطق صحيح شكلاً، ولكن أية تربية هذه تجعل الطالب يفتخر بقدرته على الدفع وعلى الغش في امتحانات تعتبر معياراً كونياً لسباق الأجيال بين بعضها البعض ورهاناً على القدرة على بناء مستقبل مختلف وواعد.
قيم الصدق والأمانة والتنافس النظيف أهم عناصر بناء الحضارة والتقدم والانتقال بالمجتمع من الغرائزية إلى الضبط الاجتماعي الذي يقود إلى تهذيب الأخلاقيات العمومية وصولاً إلى فرض الرقابة ذاتياً كما يحدث حالياً في امتحانات عالمية في عدة أماكن.
 

أصبحت إندونيسيا أول بلد في جودة التعليم في العالم عبر خطط وطنية طموحة نفذت بإيمان وفي حقبة نصف قرن تقريباً، فرُفعت أجور المعلمين، وأعطي مدراء المدارس مزيداً من الاستقلالية، وألغي التفتيش المدرسي ومن ثم أطلقت مبادرة تعليم ثانية سميت (تعليم أقل، تعلم أكثر) ركّزت على طرائق التدريس


تقول الرواية نقلاً عن صديق: إن مهندساً سورياً ذهب في دورة تدريبية إلى لندن فدعاه مدربه إلى بيته، أدخله الصالة وذهب يعد الشاي اللندني فأطلت عليه سيدة من باب إحدى الغرف تسلم عليه من بعيد وتحييه برأسها ثم تغلق الباب، ولما عاد مدربه سأله عنها، فقال المدرب: إنها زوجتي ومعها أبنائي في الغرفة يجرون امتحاناتهم، فالمدرسة ترسل لهم الأسئلة عن طريق النت وهم يجيبون عنها، وزوجتي تقوم بمراقبتهم.
ألم نقل سابقاً إن الوزارة كان اسمها التربية والتعليم؟ وقد أسقط التعليم من اسمها، يبدو أنها لم تنجح لا في التربية ولا في التعليم، ومن الأفضل تغيير اسمها إلى وزارة شؤون الغش!