من جديد، تنادي النسويات في العراق وناشطو المجتمع المدني بسحب مقترح تتقدم به لجنتان برلمانيتان (لجنتا القانونية والأوقاف)، لإعادة طرح "القانون الجعفري" الذي رفض سابقاً، وإنما بقالب جديد. فبحجة إصلاح قانون الأحوال الشخصية، واستقواء بالبند 41 من الدستور الجديد وهو موضع سجال حاد، تنوي مجموعة من البرلمانيين تقديم قانون للعائلة يستند إلى تشريع جزئي وطائفي، يقطع مع القانون القائم الذي يُطبَّق على السنة والشيعة معاً.
 

مسألة التشريع الموحد والأكثر مساواة


محاولات التخلص من القانون رقم 188 لسنة 1959 ليست جديدة، وهو القانون الذي ينظم الزواج والطلاق والحضانة والإرث الخ.. فمنذ 2003، حاولت الأحزاب الشيعية الإسلامية التي وصلت إلى السلطة بمساعدة القوات الأمريكية مراجعة القانون الموحد المستند إلى التشريعين السني والشيعي. هذه المحاولات تجسدت بالمرسوم 137 المقترح في 2003، الفقرة 41 من الدستور العراقي الجديد الموضوع في 2005 (التي كرّست التقسيم الطائفي)، وأخيراً في 2014 ما عرف بـ"مشروع القانون الجعفري"، وهو الذي يحتوي مواداً تجيز تزويج الفتاة في عمر التاسعة باعتباره سن البلوغ. وهو يسمح أيضاً بأشكال هشة من عقود الزواج تعرض المرأة لخسارة أسس الحماية القانونية لها.
القانون

الجعفري يمثل قطيعة مع قانون الأحوال الشخصية الموحد، وهو المعتبر بنظر العراقيين منجزاً تاريخياً لجهة الحقوق القانونية، محدداً سن ال18 للذكر والأنثى كحد أدنى للزواج، ومضيقاً على تعدد الزوجات والعقود المجراة خارج المحاكم المدنية. القانون الجعفري هو من جهة ثانية يقطع مع الطابع الموحد وغير الطائفي لقانون الاحوال الشخصية رقم 188 والذي سهل، بسبب ذلك، إجراء عقود الزواج بين أبناء الطائفتين.
وبصورة عامة، يصح القول إن محاولات تطييف قانون الأحوال الشخصية من قبل الأحزاب الشيعية الإسلامية التي وصلت إلى السلطة بدعم وحماية الاحتلال الأمريكي للعراق هي خطوة سياسية جذرية. فمن خلال المزج بين قراءة محافِظة للشرع ومنحى سياسي طائفي للهوية الوطنية، فإن هذه المجموعات تضع على المحك الإرث اليساري المناهض للامبريالية الذي كان الأساس في إقرار القانون 181 ذاك في نهاية الخمسينات من القرن الماضي. فتبني قانون منحاز للمرأة بشكل صريح في 1959، كان يستند إلى الثقافة السياسية لنخبة ثورية جاءت إلى السلطة من خلال انقلاب عبد الكريم قاسم في 1958، الذي عنى أيضاً الحد من تسلط رجال الدين ورؤساء العشائر على الشؤون الخاصة. وقد سجّل تبني هذا القانون بدء النشاط النسوي للتفاوض حول حقوق المرأة. وقد ساهمت بصوغ القانون وبالدفع به نزيهة الدليمي (المولودة في 1923 والمتوفاة في 2007) والتي كانت طبيبة نسائية ووجهاً بارزاً من رابطة الدفاع عن حقوق المرأة، وهي أول امرأة وزيرة في العراق والعالم العربي، وكانت مناضلة شيوعية ومناهضة للإمبريالية. القانون 188 المستلهم من المدارس القانونية المختلفة، ألغى الفوارق بين السنة والشيعة وأعطى لقضاة الدولة الحكم في القضايا الشخصية من دون استشارة المشايخ. وهذا ما جعل من القانون 188 رمزاً للوحدة الوطنية الجديدة، بما يتجاوز الخطوط الطائفية والاثنية، ولحق النساء في اختيار تشريعات تخصهن، عبر المشاركة في العملية التشريعية نفسها. وكان هذان الوجهان مترابطان في مرحلة صعود المد اليساري المناهض للامبريالية، ممثَلَا وقتها بالحزب الشيوعي العراقي.
 تناهض المناضلات في "شبكة النساء العراقيات"، كما في "منتدى النساء الصحافيات العراقيات" و"منظمة حرية النساء في العراق"، ومعهم مناضلون من المجتمع المدني، محاولات الاطاحة بهذا المنجز. وهم عبَّروا عن مخاوفهم حيال تبني منظومة رجعية وطائفية حيال النساء وقضايا العائلة في مرحلة تتسم بطغيان المحافظة الدينية والاجتماعية والصراعات المذهبية وعدم الاستقرار السياسي وغياب دولة موحدة وقوية.
 

والسنّة أيضاً 
 

ناهض الإسلاميون السنّة المقترح الأخير ووقفوا مع الحفاظ على قانون موحد للأحوال الشخصية الذي يسهل التزاوج بين الطوائف الاسلامية ويوحدها جميعا.
كل هذه المقترحات "الاصلاحية" كانت تفتقد للتأييد الشعبي من قبل العراقيين سنة وشيعة معاً، بل أن معظم رجال الدين الشيعة يناهضونها، وهو ما يُظهر أن الخلافات في هذه المسائل لا تجري على قاعدة مذهبية وإنما على قاعدة سياسية.
فالأحزاب الشيعية الإسلامية المحافظة التي وصلت إلى السلطة في 2003 هي وحدها من يدفع لاعتماد هذا التطييف الذي يعادل بالنسبة لهم الحصول على مزيد من الاستقلالية والتأكيد على هويتهم السياسية الطائفية. هي إذاً مواجهة بين نموذجين سياسيين، واحد محافظ ومجزِّء، والآخر مساواتي وموحِّد.  
الإدارة الامريكية بعد غزوها العراق واحتلاله، مأسست النظام السياسي العراقي على قاعدة للهوية تقوم على أساس طائفي. وهو مبرر وجود المجموعات المذهبية التي جاءت إلى السلطة في 2003، حيث لا يمكن للسلطة السياسية لهذه المجموعات أن تتحقق من دون هذا النظام السياسي. وهو هذا النظام تحديداً ما تناهضه النسويات العراقيات ومناضلو المجتمع المدني، وما عبروا عنه في تجمعاتهم في ساحة التحرير. الحركة التي بدأت في تموز/ يوليو 2015 تمثل انتفاضة ضد الأساس الطائفي لنظام ما بعد 2003، ومعه الفساد والمحاباة اللذان يميزان ممارسات النخبة السياسية الجديدة.
المطالبة بـ"دولة مدنية"، كشعار في التظاهرات، يعني رفض توظيف الدين في السياسة. وبوجه الخطاب الطائفي للحكومة العراقية خلال حربها مع "داعش" في شمال البلاد، فقد سجل المتظاهرون أن الفساد والمذهبية هما ما أنتج المنظمة الإرهابية، وأن العدالة والمساواة وحدهما يمكنهما حل مسألة الإرهاب والعنف المذهبي في العراق.