في أحد اللقاءات التلفزيونية رد وزير التربية والتعليم في مصر "بابتسامة هادئة" على سؤال حول منجزاته في الوزارة بعد تسلمه المهمة بوقت قصير. حملت ابتسامته رسالة استنكار لسؤال الإنجاز المتكرر منذ توليه المنصب وحتى موعد هذا اللقاء الذي تم بعد شهر وبضعة أيام من تسلمه حقيبة التربية والتعليم. وقد جرت العادة منذ نهض الناس للمطالبة بالإصلاح ووقف النهب ومحاربة الفساد في كانون الثاني/ يناير 2011، على وصف كل البلايا التي نعانيها ب"التركة الثقيلة" و"إرث السنين"! لكن هل يبدأ كل وزير جديد من الصفر؟ وهل نسير في طريق إزاحة "تركة" الخراب الثقيلة تلك أم ما زلنا نزيدها ونراكم عليها؟
 

خبراء .. ولكن!
 

منذ كانون الثاني / يناير 2011 وحتى اليوم، تعاقب على وزارة التربية والتعليم خمسة وزراء، ظهر كل منهم في مؤتمرات صحافية ولقاءات تليفزيونية ليشرح الخطط والمقترحات ويبشّر بإنجازات وشيكة على المديين القريب والبعيد. يعرض الوزراء ذلك بثبات تام وبعبارات فخمة ولغة واثقة، فتجد إشارة إلى تشكيل لجنة من "الخبراء" للوقوف على "محدِّدات المسألة"..  ثم تلميحاً لما توصلت إليه "الأبحاث" ولنوايا إصدار "حزمة قرارات" للضبط والمراقبة. بينما

يُرجَئ البت في محورٍ آخر لحين الانتهاء من "دراسته"! بدأ الأمر بإبراهيم غنيم، وزير التربية والتعليم في حكومة الرئيس الأسبق محمد مرسي، الذي استمر للفترة من 2 آب/ أغسطس 2012 وحتى أحداث تموز/ يوليو 2013. عمل غنيم على وضع خطة استراتيجية للتعليم في مصر لتغطي الفترة 2014 – 2024. وكانت أهم مقترحاته للتطوير: تقليل الكثافة الطلابية في الفصول. وبحسب التوقعات المعلنة حينها، فإن الكثافة الطلابية في الفصل الواحد ــ بعد عامين ــ لن تجاوز 40 طالباً في الفصل، كما تم اعتبار الدروس الخصوصية  ــ لأول مرة ــ مخالفة تأديبية. كذلك عُني غنيم بالتركيز على تطوير المكون التكنولوجي في المدارس، بتسليم جهاز "تابلت" لكل طالب، وقد تم تجريب الفكرة في 29 مدرسة تمهيداً للتعميم، ذلك بالإضافة لمشروع دراسة لتغيير نظام الامتحانات بالثانوية العامة، كانت أبرز ملامحه جعل الثانوية العامة شهادة منتهية، وتصميم اختبارات قبول موازية في الجامعات.

 
دولة المؤسسات
 

أعقب غنيم محمود أبو النصر في الفترة من 16 حزيران/ يونيو 2013 الى 5 آذار / مارس 2015. وقد أكد على أن مصر بدأت في بناء دولة المؤسسات التي لا تُعنى إلا بالاستراتيجيات والنُظم، لذلك رحب بأن يُكمل ما بدأه سابقه، وكانت أهم ملامح مشروعه هي إطلاق الخطة الاستراتيجية للتعليم قبل الجامعي (2014 – 2030)، كذلك دعم مشروع "تابلت لكل طالب"، بل وتم بالفعل تسليم أجهزة لوحية (تابلت) لكل طلاب الصف الأول الثانوي (العام والفني) في ست محافظات حدودية. وحسب الخطة فإنه في نهاية العام الدراسي 2016  ــ 2017 (الحالي) كان يجب توفير "أجهزة لوحية لجميع طلاب التعليم الثانوي"! ولما سُئل عن مدى توافر الموارد المالية لذلك، أكد أنها متوفرة وأنه يتلقى عروضاً مغرية من شركتي hp وميكروسوفت تعرض التمويل مقابل الدعاية. أما المناهج  فقد بدأ في العمل على تطويرها بالحذف والتعديل بالتوازي مع تطوير نُظم التقويم بما لا يدعم الاعتماد على الحفظ والتلقين. وهذا كله  كان يُرتقب إنجازه ــ أيضاً ــ بحلول العام الدراسي الحالي! لاحقاً، وبعد تعديل وزاري جديد جاء بمحب الرافعي خلفاً لأبو النصر5 آذار/ مارس 2015 – 18 أيلول/ سبتمبر 2015، أكد الوزير على السير في الطريق نفسه والعمل في ضوء الخطة نفسها.
 

حجم العنصر البشري في وزارة التعليم متمثل في حوالي 1.7 مليون موظف (تقريباً ثلث موظفي الدولة).. مع تشعب وتعقد الهيكل الإداري الحاكم لمثل هذا العدد الضخم من العاملين، تصرف مشكلاتهم الإدارية وحدها كل وزير نحو حلها، بعيداً عن التعليم ذاته ومشكلاته الكثيرة
 

في تلك الآونة، مُلأت الساحة الإعلامية بلقاءات مع الرافعي، أخذ يُصرح فيها بحسم شديد عن إصلاحات وشيكة تُعيد للمدرسة هيبتها وتَرُد إليها تلاميذها ومعلميها. وللمرة الثالثة يُعلَن العمل على تطوير المناهج وتنقيحها لتساير المناهج العالمية، خصوصاً في اللغات والعلوم والرياضيات، بالتوازي أيضاً مع تغيير نظم التقييم. اللافت أن الرافعي بدا واثقاً في كل تصريحاته من إمكانية تفعيل "القانون" لضبط العملية التعليمية برمتها، فطالب بالضبطية القضائية لغلق مراكز الدروس الخصوصية، وأكد على إمكانية إلغاء تراخيص بعض المدارس الخاصة التي ترفع المصروفات عن الحدود المسموحة، كما صرح  بإمكانية صرف حوافز مالية للمتميزين، وعمْل قناة تعليمية، وبشَّر بعودة النشاط الرياضي الفعال خصوصاً في مدارس البنين.. ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث!
 

تنقيح المناهج وفق الخبراء
 

ثم جاء الهلالي الشربيني 19 أيلول/ سبتمبر 2015 – 16 شباط/ فبراير 2017 ، خلفاً للرافعي. لكنه لم يفعل مثل سابقيه ويُسَلِم سهلاً بضرورة إصلاح المناهج، بل رأى أن يستند في قرار مثل هذا لرأي الخبراء والمختصين، فدعم تشكيل لجنة خبراء ممن لهم باع طويل في هذا المجال، لتحكيم المناهج أولاً. ولما صدر حكم اللجنة بأنها في حاجة إلى التعديل، شرع فيه على النحو الذي وصفته اللجنة، وذلك إلى جانب دعم برامج تدريب للمعلمين. كما اقترح تخصيص بعض أراضي الدولة للاستثمار فيها بسياسة "حق الانتفاع" لمدد تتراوح بين ثلاثين وأربعين عاماً، كوسيلة للتوسع في بناء المدارس، بما يؤدي لتقليل الكثافة الطلابية في الفصول، فبحسب تصريحه "مهما كانت كفاءة المدرس ومهما كانت جودة المناهج.. فإن ارتفاع الكثافة الطلابية في الفصول يعطل سير العملية التعليمية على النحو المأمول".
 

مساعي تعديل المناهج: بائسة


التكرار يلبس ثوب الهزل. فحتى وزير التعليم الأحدث، طارق شوقي، الذي تسلم منصبه في 16 شباط/ فبراير 2017، حينما طالع بعض كتب المرحلة  الابتدائية أقر ب"أن كثافة المناهج حقيقة لا يدعيها الناس.. فلا يمكن أن يكون طفل اللي بيذاكر كل ده"! لذلك اتجه هو الآخر نحو تنقيح المناهج والحذف منها بنسبة لا تقل عن 30 – 40 في المئة، وبما لا يؤثر على مخرجات التعليم بحسب ما صرح به. وهذا أيضاً ضمن مقترحات وخطط ودراسات كثيرة تُعيد، إن حدثت، رسم نظام التعليم في مصر بالكامل.
وبين هذا وذاك ضاعت الكثير من الوعود. فقد تبخرت وعود أبو النصر بتوفير تابلت لكل طالب، كذلك فلا عودة للنشاط الرياضي ولا وجود للقناة التعليمية التي وعد بها الرافعي، وحتى تنقيح المناهج وتطويرها يبدو عملاً معجزاً استعصى على أربعة وزراء سابقين وها هو الخامس يحاول من جديد. في ضوء كل هذا، هل نلقي بالاً لما نطالعه من تصريحات اليوم حول إصلاح النظام التعليمي، هل نأخذها على محمل الجد، أم ننتظر وزيراً جديداً يُضحكه تعجُل الإجابة حول السؤال المرتقب: "أين إنجازاتك.. ماذا قدمت لنا؟"


ثقل المهمة.. وحدود المسؤولية


ومع ذلك، يعقد الكثيرون آمالاً عريضة على الوزير الجديد. فسيرته الذاتية ثرية وله خبرات واسعة في مجال التعليم في العالم، كما أن حديثه يبدو متزناً ودقيقاً على نحو قلّ أن تجده بين المسؤولين. يصف شوقي بالإحصاءات حجم العنصر البشري في الوزارة والمتمثل في حوالي 1.7 مليون موظف (تقريباً ثلث موظفي الدولة). ويشير إلى مدى تشعب وتعقد الهيكل الإداري الحاكم لمثل هذا العدد الضخم من العاملين وكيف تصرف مشكلاتهم الإدارية وحدها كل وزير نحو حلها، بعيداً عن التعليم ذاته ومشكلاته، التي هي أيضاً متشعبة على نحو شديد التداخل والتعقيد.
 

 هذا معلم شاب نصابه الأسبوعي من الحصص يصل لعشرين حصة، يُعلّم النشء من خلال مناهج "سقيمة" بإجماع وزراء التربية والتعليم المتعاقبين، ويتحالف عليه ضعف تأهيله الجامعي وسقم المناهج، فربما يشرح معلومات لا يفهمها أساساً على النحو الأمثل، وذلك خلال حصة تستغرق حوالي 45 دقيقة في فصل قد تزيد كثافته عن 50 أو 60 طالباً
 

ولكن ما يجب استدراكه هنا هو: إلى أي حدٍ يشفع ثقل المهمة في عدم إنجازها على النحو المطلوب؟ فتلك التركة الثقيلة التي يشكو منها المسؤولون ــ جميعاً ــ يتحملها المواطنون كل في موقعه وربما بالدرجة نفسها. على سبيل المثال، هذا معلم شاب نصابه الأسبوعي من الحصص يصل لعشرين حصة، يُعلّم النشء من خلال مناهج "سقيمة" بإجماع وزراء التربية والتعليم المتعاقبين، ويتحالف عليه ضعف تأهيله الجامعي وسقم المناهج، فربما يشرح معلومات لا يفهمها أساساً على النحو الأمثل، وذلك خلال حصة تستغرق حوالي 45 دقيقة في فصل قد تزيد كثافته عن 50 أو 60 طالباً بما يعني ــ حسابياً ــ أن نصيب الطالب الواحد لا يصل لدقيقة واحدة! لكن، وفي الوقت ذاته، يُلام لإصراره على طرق التدريس القديمة التي تعتمد على "التلقين"، ويتساءل متابعوه باستنكار.. لماذا لا يبدأ في مسايرة العالم والاستجابة لتفعيل طرق التعليم الحديثةن وهذا على الرغم من عدم توافر الانترنت الجيد في المدرسة أصلاً! لماذا لا يُقْدِم على استخدام بنك المعرفة الرقمي؟ كما يجب عليه أيضاً أن يستوعب الطلاب العُنُف، ويُقوِم الفوضويين منهم، كما يحتوي هؤلاء الذين يتلذذون باستفزازه فقط لتقليد نجوم الإعلام ولإضفاء جو من المرح بين التلاميذ. ذلك كله بخلاف التعاون مع إدارة المدرسة في بعض الأعمال الإدارية، ومراقبة الامتحانات التي قد يُعرّض خلالها للضغط والتهديد ليسمح للتلاميذ بالغش.. وفي نهاية الشهر يتقاضى أجره الفقير (ألفين ومئتين جنيهاً!). على الرغم من أن تلك الدرجة من تعقد المهام وتشابكها تجعل احتمالات الإنجاز الحقيقي ضئيلة جداً، بالحسابات المنطقية، لكن وبجرة قلم ربما يُستدعى هذا المعلم لتحقيق يُدينه، إذا ضبطت كراسة تلميذ غير مصححة، أو إذا وقع شجار بين اثنين من التلاميذ ولم ينجح في فضه.. أو غير ذلك. في كل الحالات، لا يُبرأ من المسؤولية وإن كانت كبيرة وثقيلة وغير منطقية. فإلى أي مدى يمكن مساءلة الوزير ــ بالمثل ــ عن الوفاء بمسؤولياته وتنفيذ وعوده؟
 

مقاومة التغيير
 

الانقضاض بالرفض ورسم نهايات سالبة لكل مسارات التطوير المقترحة، هو دأب الكثيرين تجاه تصريحات إصلاح النظام التعليمي التي تفيض بها وسائل الاعلام منذ تولي شوقي الوزارة. بخلاف أن مقاومة التغيير جزء من ثقافة عامة، إلا أن هناك عوامل أخرى تؤصل لتلك الثقافة لدى أغلبية ساحقة من المصريين وتجعلهم يبدون مقاومة عنيدة لأقصى الحدود لأي تغيير. ربما يعود ذلك لعمق الوعي المجتمعي بحجم الفروقات الكبيرة الموجودة تحت مظلة النظام التعليمي القائم، بين المدن والقرى، وفي المدينة الواحدة بين المركز والأطراف، من حيث كفاية أعداد المدرسين وكثافة الطلاب واستقرار البنية التحتية وتوافر وسائل التكنولوجيا وغير ذلك. ومع ذلك، فإن القرارات غالباً تتسم بالعمومية المطلقة، لذلك فإنه عادة ما يتضرر من أي قرارات جديدة بعض الفئات، وهؤلاء بالتعبير المصري "بيتاخدوا في الرجلين" وسط هذا العدد الهائل من الفئات المستهدفة. ربما لا تمثل أعداد المتضررين نسبة كبيرة تحرج المسؤولين، لكنهم يرسخون في الوعي العام فكرة عدم دراية القرارات بالتباينات الواقعة بين المستهدفين منها، لذلك يتحسب كلٌ أن يكون القادم دوره "ويتاخد هو في الرجلين"!
ولأن كلٌ يرمي مجدداً في تركة الخراب الثقيلة التي أورثتناها سنوات الفساد الطوال، فإن خبراتنا وما عهدناه يُشَرِع لنا بحق أن نتجاوز حدود المنطق ونسأل مسؤولاً عمر مسؤوليته يوم واحد السؤال نفسه: "أين إنجازاتك.. ماذا قدمت لنا؟" ويوم أن يُجاب بصدق ووعي ومسؤولية، ربما عندها نتعلم ألا نسأله إلا في حينه!