نكسة أم هزيمة؟ كانت هذه أشهر مناقشة دارت في أوساط المتخصصين والمثقفين عقب ما حدث قبل 50 عاماً، بعد أيام من اندلاع حرب الخامس من حزيران / يونيو 1967. ولكن الأمر  حسم "رسمياً" لصالح تسمية "النكسة"  وهو التعبير الذى صكه وأطلقه محمد حسنين هيكل، وصار يشار إليها هكذا فى كتب التدريس.. على الرغم من أنه، في الكلام الدارج وفي المناقشات، يطلق عليها تسمية "هزيمة يونيو1967".
وما كتب عن أحداث هذه الفترة في المناهج  الدراسية قليل للغاية، ودائماً ما يقفز عن ذلك الحدث للكتابة عن "حرب الاستنزاف" وهي الفترة التى أعقبت 5 حزيران/ يونيو مباشرة، ثم يفقز مباشرة  إلى "حرب تحرير الأرض والانتصار" في 6 تشرين الأول/ أكتوبر 1973 ليكتب عنها في تلك المناهج باستفاضة، لصالح الرئيس أنور السادات، "بطل الحرب والسلام"، كما تصفه المناهج الدراسية التي عدلت فى عهده.
 

عودة السياسة
 

معركة "نكسة أم هزيمة" انعكست فى الجامعات المصرية، خاصة بعد إعلان الرئيس جمال عبد الناصر نتائج التحقيقات في أسباب الهزيمة، أو ماعرف وقتها باسم "أحكام الطيران"، وهو ما رفضه شباب وطلاب الجامعات وخرجوا لأول مرة  عقب ثورة

"يوليو" (1952) في مظاهرات عارمة عام 1968، ينددون فيها بالمحاكمات وبأحكامها الضعيفة، وطالبوا بأن تسمى الأشياء بمسمياتها وأن يتوقف الخداع على طريقة بيانات أحمد سعيد الشهيرة في الإذاعة. عقب هذه الأحداث استقال أو عزل وزير الجامعات، وتم إقرار التجنيد الإجباري لخريجيها، وهو القرار الذي لقي ترحيباً كبيراً في الأوساط الطلابية حيث كان هذا أحد مطالبهم التحرك الطلابي وقتها بجانب التوسع فى تطبيق التطوع للشباب المتعلم. وهي الخطوة التى وصفها وزير دفاع إسرائيل فيما بعد موشي ديان في معرض إجابته عن الفارق بين حربي1967 و1973، فقال إنه الجندي المصري المؤهل من طلاب الجامعات، حيث ظهر أن لفارق مستوى التعليم أثر في أداء الجنود المصريين.. وهكذا رسخت الحرب مفهوم أهمية التعليم، ولاسيما الجامعي منه.
كان من آثار هزيمة 1967 أن الرئيس عبد الناصر أدرك أهمية مضمون وجودة التعليم نفسه، وأنه لا يكفي مد المجانية إلى التعليم العالي (القرار الذى اصدره في 1963) وأن التحديث والتنوير أصبحا قضية ملحة فى تقدم مصر. وكما يروي د. مراد وهبة، شيخ أساتذة الفلسفة والتنويرين في مصر، في حوار لي معه، أن الرئيس عبد الناصر عقب أحداث 1968، أصدر قراراً بتعينه مستشاراً علمياً له (وإن سراً!!)، ومخصصاً مكتباً له في هيئة رئاسة الجمهورية، وكان الغرض من ذلك ــ كما يقول ــ هو منع تسرب الجهات المحافظة إلى التعليم، إذ شعر الرئيس بعد الهزيمة بضرورة تحديث التعليم تماماً وكان رأي د مراد، أنه على الرغم من معركة عبد الناصر مع الإخوان وسجن قياداتهم، إلا انهم كانوا متوغلين في المؤسسة التعليمية. وهو يروي عن مرشد الإخوان حسن الهضيبي قوله لعبد الناصر قبل قيام حركة الضباط الأحرار في الجيش أنهم في سبيلهم للسيطرة الكاملة على التعليم في مصر، وأمامهم خمس سنوات فقط وعليهم أن ينتظروا بدلاً من تدخل الجيش! وعلى الرغم من هذه "المعلومة" المعروفة، أسندت مهام وزارة التعليم لأكثر عناصر تنظيم الضباط الأحرار ميلاً للإخوان والفكر الديني المحافظ، وهو كمال الدين حسين، الذى كان من أحد أشهر قراراته إلغاء تدريس مادة الفلسفة في الثانوي، وهو القرار الذي أوقفه عبد الناصر بعد انتقال السجال إلى العلن وعلى صفحات الجرائد.
 

 مع حقبة التسعينات من القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، وإقرار الإتفاقية الأولى مع صندوق النقد الدولي عقب حرب الخليج الأولى، هُزم التعليم الرسمي بالضربة القاضية. فقد أعلن رسمياً أن التعليم سلعة يجب أن يدفع ثمنها
 

ولعل القدر لم يمكّن عبد الناصر من بدء خطة إصلاحه في التعليم كما يقول د. مراد فتوفي بعد ذلك بوقت قليل وتولى السادات الرئاسة وألغى المنصب الاستشارى السري! وإذا كانت حرب 1967 قد أدت ل"عودة السياسة للجامعات"، فهي عودة  استمرت بقوة أكثر وحدة أيضاً عقب تولى السادات الحكم، وكان الملمح الأهم في ذلك هو خروج الاخوان المسلمين للعلن مرة أخرى، وكان التعليم ليس فى الجامعات فقط، وإنما فى المدارس، هو ملعبهم الرئيسي، كما يروي عبد المنعم ابو الفتوح (وهو كان قيادياً اخوانياً ثم ترشح لرئاسة الجمهورية بعد 25 يناير)، في مذكراته التي أصدرها منذ سنوات قليلة وذكر فيها أن الخطة الأولى للجماعة الاسلامية كانت السيطرة على التعليم من خلال العنف، وفي مواجهة الخصوم بالجامعة، بالذات التيارات المستنيرة واليسارية والأقباط وفرض قضية الحجاب على النساء لإثبات القوة والسيطرة على المجتمع فى مواجهة السلطة، يساعدهم على ذلك البنية المحافظة للتعليم المصري.


انسحاب تام للدولة
 

على الرغم من انتهاء الحروب عقب 1973 حيث كان من المنتظر أن ترتفع موازنة التعليم التي شهدت التجميد بسبب "الاستعداد للحرب"، إلا أن العكس تماماً هو ما حدث. فقد ظلت الموازنات كما هي بينما كانت أعداد من هم في سن التعلم تزداد. ومع تطبيق سياسة "الانفتاح الإقتصادي" "انفتاح السداح مداح" كما وُصف أحياناً)، تغيرت النظرة إلى التعليم باعتباره خدمة وليس استثماراً. وهكذا بدأ فى منتصف سبعينات القرن الماضي أول خروج رسمي للدولة من التعليم بقرار فتح "مدارس حكومية بمصروفات" بحجة أنها تقدم تعليماً باللغات الأجنبية، ولخدمة الطبقة الوسطى التي لا تستطيع ادخال أبنائها إلى المدارس الأجنبية وهي المدارس التي أممت بعد ثورة 1952، وكان عددها قليلاً أصلاً (وكان أشهرها وقتها "فيكتوريا كولدج"). وأضافت السلطة سبباً آخر وهو توفير مؤهلين لسوق العمل بعد الانفتاح، يجيدون اللغات الأجنبية للتعامل مع الشركات الدولية متعددة الجنسيات التى بدأت فى الدخول إلى السوق المصري. وهكذا أصبحت صورة التعليم الخدمي ومندوبي المبيعات والتسويق هي الهدف الاستراتيجي للتعليم الحكومي. وسوف يصاحب ذلك وبتأثير تلك السياسة التعليمية، تقلص الأعداد المقيدة بالقسم العلمي في الثانوي لصالح طلاب القسم الأدبي، حتى وصلت النسبة إلى 80 في المئة، يلتحق أغلبهم في تخصص كليات التجارة، فوصل أعداد طلابها في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين إلى 100 ألف طالب فى الكلية الواحدة (كتجارة عين شمس)، بينما لم يلتحق بكلية العلوم الأساسية نسبة تزيد عن 2 في المئة ‏من طلاب العلمي، وهو ما انعكس بدوره على أوضاع البحث العلمي في مصر خلال العقود اللاحقة وحتى الآن. وواكب التحول نحو "المدارس الحكومية بمصروفات" فتح الباب أمام الشهادات الأجنبية التي تهيئ لها المدارس الخاصة، وكان أشهرها "الشهادة الانجليزية"، وأطلق عليها الباب الخلفي لالتحاق أبناء كبار المسؤولين بالجامعات الحكومية.
ومع عدم بناء مدارس جديدة وظهور أزمة "الفترات الدراسية" فى المدرسة الواحدة، حتى وصلت إلى ثلاث فترات فى اليوم الواحد أحياناً، انخفض معها اليوم الدراسي إلى ثلاث ساعات، وشمل نظام الفترات أكثر من  25 في المئة من عدد المدارس (انخفضت الآن إلى ما يقرب من 20 في المئة). وأدى ثبات مرتبات المعلمين مع ارتفاع الكثافة في الفصول إلى انتشار الدروس الخصوصية في المنازل والى توسع كبير لمجموعات التقوية المسائية بالمدارس. وأصبحت المساجد تقدم خدمة فصول التقوية، في البداية بالمجان، وبعد ذلك بمقابل زهيد ما لبث أن ارتفع موفراً تمويلاً ذاتياً للتلك الأنشطة.
 

مع عدم بناء مدارس جديدة ظهرت أزمة "الفترات الدراسية" في المدرسة الواحدة، حتى وصلت إلى ثلاث فترات في اليوم الواحد أحياناً، انخفض معها اليوم الدراسي إلى ثلاث ساعات، وشمل نظام الفترات اكثر من 25 في المئة من عدد المدارس


ومع حقبة التسعينات من القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة، واقرار الاتفاقية الأولى مع صندوق النقد الدولي عقب حرب الخليج الأولى، هُزم التعليم الرسمي بالضربة القاضية. فقد أعلن رسمياً أن التعليم سلعة يجب أن يدفع ثمنها، وأصبحت الدروس الخصوصية هي الأصل، في ظل الإفقار المستمر للمعلمين وأساتذة الجامعات، وهي تحولت في السنوات الأخيرة إلى مراكز ("سناتر" وهي جمع سنتر) كمؤسسة تعليمية بديلة للمدرسة، التي أصبحت "مدارس لا يذهب إليها أحداً" بدءاً من نهاية المرحلة الإعدادية.
 وتلازم مع ذلك فتح الباب على مصراعيه للتعليم الأجنبي والدولي الخاص، حتى من جانب الحكومة نفسها التي دخلت هي الأخرى هذا السوق التعليمي، حتى أصبح يندر إلا تجد دولة كبرى لها مدرسة تفتح فى مصر وشهادة تعليمية خاصة، ويلتحق بها أبناء الطبقة المقتدرة، حيث امتدت الآن إلى الطبقة المتوسطة. وتواكب مع ذلك أيضاً فتح باب التعليم الجامعي الخاص والدولي، وهو ينطبق عليه ما انطبق على التعليم قبل الجامعي من غش جماعي وتسريب للامتحانات. وقد ساعد على ذلك التبسيط الشديد للمناهج باسم التطوير وإزالة الحشو، فتوغل أكثر فكر الحفظ والتلقين، وهو لا يشكل عقولاً حرة. وباختصار، فإن استقالة الدولة من مجال التعليم، وما يترتب عليه، هو أحد أبرز نتائج هزيمة 1967!