يُقدَّر عدد المهاجرين التونسيين بأكثر من مليون وثلاثمئة ألف شخص (حسب أرقام رسمية صادرة سنة 2015) من أصل 11 مليون تونسي. هذا الرقم لا يشمل المهاجرين المقيمين بطريقة غير شرعية أو غير المسجلين لدى البعثات الديبلوماسية التونسية، ما يعني أن هناك عشرات وربما مئات آلاف آخرين. تستأثر أوروبا بأكثر من مليون مهاجر وتبقى فرنسا، لأسباب تاريخية وثقافية، الوجهة الأولى إذ فيها قرابة نصف عدد هؤلاء المهاجرين. أسباب هجرة التونسيين إلى فرنسا هي بالأساس اقتصادية (بطالة، فقر، الرغبة في أوضاع أفضل) وبدرجة أقل علمية (طلبة وباحثين) وفي بعض الحالات "ثقافية" (الرغبة في العيش في مجتمع أكثر تحرراً).  موجات الهجرة بدأت منذ ستينيات القرن الماضي وما يزال النزيف مستمراً إلى اليوم، وكل يوم.


نصف قرن من الهجرة: من "السفراء" إلى "الحراقة"
 

بدأ التونسيون في التوجه إلى فرنسا منذ بدايات القرن العشرين ولكن أعدادهم كانت قليلة جداً. الهجرة الحقيقية بدأت بعد سنوات من الاستقلال (1956)، ويمكن تقسيم المهاجرين إلى ثلاثة أجيال أساسية:

•    جيل "السفراء"
تونس المستقلة حديثاً وقتها كانت تعج بالأيادي العاملة الفتية في حين أن اقتصاد البلاد المحدود

والهش لم يكن قادراً على استيعابهم. وكان من الطبيعي أن يفكر الشباب في الارتحال إلى أرض الله الواسعة، وهل هناك "أقرب" من المستعمر القديم. الذهاب إلى فرنسا في ذلك الوقت كان أمراً سهلاً، فلا تأشيرات مفروضة ولا ملفات هجرة. يكفي أن يكون لديك جواز سفر وثمن تذكرة الباخرة أو الطائرة. الدولة التونسية كانت تنظر للأمر بعين الرضا وكان الخطاب الرسمي يعتبر هؤلاء المهاجرين الفقراء "سفراء" تونس في فرنسا، ويحثهم على أن يكونوا أحسن ممثلين لها. "سفراء" تونس هؤلاء لم يجدوا سفارات وقنصليات في انتظارهم بل تركزت "بعثاتهم" في أحياء فقيرة داخل المدن الفرنسية وأحياء شبه قصديرية خارجها. أغلبهم أميون أو من ذوي المستوى التعليمي المتدني ولم يكن لديهم ما يبيعونه إلا عرقهم وعضلاتهم فاشتغلوا في أكثر الأعمال إرهاقاً وأقلها أجوراً: قطاع البناء، الفلاحة، المناجم، الموانئ، المصانع. جيل الآباء عاش أسوأ ما في الغربة: غياب الحقوق، الاحتقار، العنصرية التي تصل إلى التعنيف وحتى القتل. لكنهم على الرغم من ذلك كانوا سعداء، فالعيش في باريس وغيرها من كبرى المدن الفرنسية لا يشبه العيش في القرى والبلدات "القروسطية" التي جاءوا منها. جزء منهم بقي بضعة سنوات فقط قبل أن يعود إلى تونس بثروة صغيرة، أما الجزء الأكبر فبقي في فرنسا وأسس عائلاته هناك...

•    جيل "آخر المحظوظين"
هم التونسيون الذين هاجروا خلال الفترة الممتدة من بداية الثمانينيات إلى أواسط تسعينيات القرن الفائت، أي مع بدايات الانحسار الاقتصادي في فرنسا وقبل أن تتحوّل أوروبا إلى قلعة تتبنى سياسات هجرية صارمة. ووضعية هذا الجيل كانت أفضل من سابقيه فقد تحسنت أجورهم وظروف إقامتهم لكن فرص العمل صارت أقل بكثير. اشتغل أغلبهم في القطاعات نفسها التي اشتغل فيها الجيل الأول لكنهم بدأوا شيئاً فشيئاً يدخلون مجالات الحرف والتجارة والمطاعم. حتى عندما فرضت فرنسا التأشيرة على التونسيين سنة 1986 كان بالإمكان الوصول لها عبر دول أوروبية أخرى (إيطاليا أساساً). الصعوبات الرئيسية التي اعترضت هذا الجيل تمثلت أساساً في الحصول على أوراق إقامة قانونية، فالتشريعات الفرنسية أصبحت متشددة في مسألة الهجرة والإقامة وفرضت شروطاً صارمة وأحياناً تعجيزية. كان الارتباط بنساء يحملن الجنسية الفرنسية هو الحل سواء تعلق الأمر بزواج حقيقي أو بزواج "أبيض". وهذه الزيجات المختلطة ستخلق فيما بعد مشاكل "ثقافية" جديدة خصوصاً فيما يتعلق بتربية الأبناء.

•    جيل الحرّاقة
"الحرّاقة" هم المهاجرون غير النظاميين كما يسمّون في المغرب العربي. هم الذين جاؤوا في زمن الانحسار.. مواليد الربع الأخير من القرن العشرين الذين كبروا في ظل "قرية كونية" تفصل السياسة وأسوار القوانين والأسلاك الشائكة شمالها عن جنوبها. هم الذين وقفوا طويلاً في "صفوف الذل" التي تتشكّل منذ ساعات الفجر أمام السفارة الفرنسية ورُفضت مطالبهم عشرات المرات لأنهم غير متطابقين مع مواصفات "المهاجر النموذجي" الذي تريده فرنسا وبقية أوروبا. هم الذين كانوا يغازلون سائحات أوروبيات في أعمار أمهاتهم وحتى جداتهم أملاً في "التوريق" (الحصول على تأشيرة وأوراق إقامة). هم الذين اقتنعوا أنهم لن يصلوا أوروبا عبر موانئها ومطاراتها الرسمية فركبوا قوارب الموت. حرقوا حدود بلدانهم ورحلوا سعياً لإحراق حدود أوروبا. يعلمون جيداً أنهم يرمون بأنفسهم في المجهول وأن البحر غدار، لكنهم يقامرون رافعين شعار "الحوت خير من الدود" أي أن تأكلك أسماك البحر وأنت تحاول الهجرة خير من أن تتعفن حياً وأنت في بلدك. صحيح أن أغلبهم من فقراء الأرياف والمدن لكن جزءاً منهم أصحاب شهادات جامعية ومنهم من لديه عمل. الكل يبحث عن "خيط حرقة" (رحلة هجرة غير نظامية). يعبرون البحر في الليل خفافاً على متن "مراكب" معدة للصيد التقليدي أو للترفيه. يقترضون المال أو يسرقونه، وأحياناً يبيعون مصوغ أمهاتهم لكي يدفعوا ثمن "الحرقة". أحياناً يصلون إلى الجزر الإيطالية وأحياناً يغرقون في البحر أو يتم إغراقهم لتخفيف حمولة المركب.
[Media:7881]
أحياناً يعترض طريقهم خفر السواحل التونسي وأحياناً الإيطالي وأحياناً يتحايل عليهم "الحرّاق" (منظم وقائد الرحلة) فيطوف بهم ساعات في البحر قبل أن يتركهم قرب سواحل مدينة تونسية ويوهمهم أنهم وصلوا أوروبا. المحظوظون الذين يصلون إلى إيطاليا يبقى جزء صغير منهم في المكان عينه (حيث تترصدهم المافيات)، في حين تواصل الأغلبية رحلتها نحو فرنسا حيث ينتظرهم أخ أو صديق وأحياناً حبيبة. آلاف من التونسيين يجربون حظهم كل سنة وعددهم في تزايد على الرغم من كل المخاطر وكل المآسي. أصبحوا يشكلون صداعاً مزمناً لفرنسا وبقية أوروبا وإحراجاً متنامياً للدولة التونسية.
 

الهجرة وسياسات الدولتين
 

الهجرة المكثفة من تونس إلى فرنسا خلال فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الفائت كانت تحظى بقبول بل وتشجيع الدولتين. فتونس التي أنهكتها عقود الاستعمار وسنوات المقاومة بدأت مشوار بناء "الدولة الوطنية الحديثة" بموارد اقتصادية شبه معدومة وبموارد بشرية فائضة عن الحاجة. أما فرنسا التي أنهكتها الحرب العالمية الثانية وحركات التحرر الوطني في مستعمراتها، وبالاخص منها الجزائر، فكانت تسعى إلى النهوض وإعادة الإعمار خصوصاً بعد ضخ أموال "مشروع مارشال" الأمريكي المخصص لدعم الرأسمالية الأوروبية في مواجهة "الخطر الشيوعي".. فكانت الصفقة: تونس (وغيرها من المستعمرات السابقة) تصدر فائض اللحم البشري إلى فرنسا. الجميع تقريباً كانوا سعداء. الدولة التونسية تخلصت من مئات الآلاف من الأفواه الجائعة وأصبحت تنتظر كل شهر حوالاتهم النقدية (رابع مصدر للعملة الصعبة في تونس). فرنسا ورأسماليها وجدوا ضالتهم في العمالة الرخيصة التي ليست ورائها سفارات تحميها أو نقابات تطالب بحقوقها. أما المهاجرون التونسيون، وعلى الرغم من تعاسة ظروفهم، فكانوا يعتبرون أن "الغربة" أفضل من بؤس وطنهم. المسؤولون التونسيون كانوا يلتقون بالمهاجرين ويحثوهم على حسن السلوك، والحكومات الفرنسية كانت تسوي وضعياتهم (شهادات الإقامة ورخص العمل) بصفة شبه آلية. استمر هذا الوضع إلى نهاية "الثلاثين المجيدة" (العقود الثلاثة بعد الحرب العالمية الثانية).
في سنة 1977 أعلنت الحكومة الفرنسية عن قرارها بإعطاء منحة بقيمة عشرة ألاف فرنك فرنسي للمهاجرين المغاربيين الذين يقررون أن يعودوا طواعية (ونهائياً) إلى بلدانهم. هذه المنحة كانت تعبيراً واضحاً عن جحود الدولة الفرنسية التي استغلت هؤلاء العمال طيلة عقود وأرادت أن تتخلص منهم فجأة وكأنهم مجرد أدوات. لم يتفاعل أغلب المهاجرين مع المبادرة وفضلوا البقاء. الدولة الفرنسية فهمت أنه فات الأوان ويجب التركيز على منع تدفق مهاجرين جدد. وفعلاً بدأت سياسة فرنسا الهجرية في التصلّب منذ أواسط الثمانينات حيث فرضت تأشيرة دخول على التونسيين (وغيرهم) ووضعت شروطاً شبه تعجيزية لمنحهم أوراق الإقامة القانونية. فرنسا أصبحت تريد الزبدة فقط: طلبة متفوقون، باحثون، أطباء ومهندسون، فنانون ومثقفون، حرفيون وعمال متخصصون.
لم تكتفِ فرنسا (وأوروبا عموماً) بغلق أبوابها بل أصبحت تضغط على تونس (ودول المغرب العربي عموماً) من أجل التصدي للساعين إلى اختراق الحدود بطريقة "غير شرعية". هذا الضغط مُورس بطريقتين. الأولى تتمثل في الإغراء عبر المساعدات المالية والمادية والتغاضي عن الممارسات القمعية للانظمة في بلدان المغرب. أما الثانية فكانت ابتزازاً صرفاً ظهر ذلك في شروط اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي التي تضمنت تعهدات تونسية بالتصدي للمهاجرين غير النظاميين. الضغوط أعطت أُكلها فالدولة التونسية استصدرت قوانين جديدة (سنة 2003) لمجابهة الظاهرة ودعمت عتاد وتدريبات خفر السواحل لكي يحرسوا حدود أوروبا في أفريقيا. نظام بن علي لم يستطع القضاء على "الحرقة" لكنه نجح في إنقاص عدد "الحرّاقة". مع بداية "الربيع العربي" وما صاحبه من ارتباك للقوى الأمنية في تونس، استغل عشرات آلاف التونسيين الفرصة (30 ألف في سنة 2011 وحدها) ليجتازوا البحر. والأمور أصبحت أكثر خطورة بالنسبة لأوروبا مع سقوط نظام القذافي الذي كان هو الآخر شريكاً في التصدي للهجرة. وبما أنه لا توجد حالياً في ليبيا جهة تسيطر على كل البلاد ويمكن التفاوض معها، فإن القادة الأوروبيين أصبحوا يركزون على تونس فهي من جهة دول "مُنتجة" للمهاجرين ومن جهة أخرى دولة "ترانزيت" للمهاجرين القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء. تونس أصبحت محجة للقادة الأوروبيين يغرونها تارة ويهددونها تارة أخرى، يريدون منها أن تمنع مواطنيها من محاولة العبور إلى أوروبا بالإضافة إلى التصدي للمهاجرين الأفارقة، ويريدون منها إقامة مخيمات لاستقبال المرحلين منهم. بعبارة أخرى تريد أوروبا من تونس أن تحمي حدود أوروبا بالوكالة. ما زالت الدولة التونسية تتمنع قليلاً وأحياناً تلمّح بالقبول وتارة تصد بحياء ولكنها ما انفكت تعد بأنها لن تقصر وأنها ستقوم بواجباتها الشرعية كاملة..
 

ختاماً
 

خمسة وسبعون عاماً من الاستعمار يضاف لها خمسون عاماً من الهجرة.. يبدو أن العلاقة "التاريخية والعريقة" بين تونس وفرنسا (كما يصفها المسؤولون في البلدين) لن يصيبها مكروهاً أبداً. على العكس تماماً، نظرة الفرنسيون للتونسيين تتغير نحو الأحسن.. كنا مجرد همج ومتخلفين أدخلَنا الرجل الأبيض إلى الحضارة، ثم أصبحنا عمالاً مهاجرين نُساهم في بناء الحضارة، والآن يراد لنا أن نكون خفر سواحل "الحضارة"..