ما يحدث اليوم في الحُسيمة ومنطقة "الريف" في شمال المغرب هو تسطير لحقبة تقطع مع مرحلة كان الناس فيها لا يفتحون أفواههم إلا عند طبيب الأسنان، وكانت كل مظاهر الفساد والاستبداد أموراً اعتيادية وبديهية، والنزاهة والاستقامة أموراً غريبة في المشهد ولدى المواطن. وما يحدث يمثل كل المغرب العميق والمغرب الأعمق، رقع جغرافية هامشية منتسبة صورياً لتلك الخريطة المعلقة على الجدران، دون أن تنتسب حقيقة إلى خريطة التنمية ولا إلى خريطة التوزيع العادل للثروة، أو إلى خريطة الحق والعدالة الاجتماعية.
التضامن مع حراك "الريف" لا يتأسس على منطق إثني أو قبلي أو لغوي، والدليل أن المغاربة على فايسبوك (أو على الأقل الجزء الأكبر منهم)، اختاروا من البداية موقفهم واتخذوا قراراهم بالمساندة والدعم للحراك لأنهم على دراية تامة أن ذلك يمثلهم هم أيضاً، وأنه تعبير بشكل أو بآخر عن مطالبهم ومطالب مناطقهم الهامشية وعائلاتهم التي لم تستطع أو لم تجد الفرصة الخروج للبوح بذلك، كما فعلت منطقة الريف.
وهذا التعبير سلمي إنساني راق وناجم عن الرفض للوضع القائم، بمثابة "قف" كبيرة لسياسة دولة ونظام ضد قطعة جغرافية من البلد، وحتى إن كنا لا نعتبر أن الأمر ممنهج ويستهدف فقط هذه الرقعة دون غيرها، على اعتبار أن كل الرقع الهامشية تعيش الأمر نفسه وربما أكثر، لكن الفرق فقط أن الحُسيمة

قالت "لا" بصوت مرتفع.
صحيح، هناك الكثير من الأخطاء والمؤاخذات، والكثير من التحفظات على بعض السلوكيات الشخصية الصادرة خاصة عمن يشكلون واجهة الحراك، لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال إلصاق ذلك بالحراك كله. والاكيد أن حراك الحُسيمة لا يمكن أن يصدر إلا من فئات واعية لمعنى المسؤولية، مُقدِرة لمعنى الكرامة الإنسانية والمطالبة بالحق، كما أن الحراك لا يجب (مهما كان أو يكن) تجسيده في مجرد أشخاص وقادة،. فاختزال كل مطالب منطقة في أشخاص هو أكبر إهانة لهم وللحراك.
لذلك فخطاب استعراض العضلات وخلق صراع مجاني جانبي مع النظام والدولة لن يفيد الحراك في شيء، خاصة حين الخروج بتصريحات اندفاعية صبيانية لمحاولة استفزاز وإغضاب الآخر لا غير. بل إن مثل هذا الأمر يسيء الى القضية أكثر مما يخدمها. أكثر من ذلك، فإن مثل هذه السلوكات تُخرج الحراك عن هدفه الأسمى في المطالبة بالعيش الكريم وتحقيق مطالب إنسانية واجتماعية مشروعة، نحو صراع هامشي شخصي بين أطراف، بما قد يعطي للآخر فرصة وهدية ثمينة للتدخل بشكل عنيف بذريعة قد تبدو مشروعة في شكلها، وهي الحفاظ على "هيبة الدولة".. وحينئذ قليلٌ مَن سينازعون الدولة على هذا الحق، حتى من المتضامنين أنفسهم.
وإنما، وعلى الرغم من كل ذلك، فههذه السلوكات لا تفسد نبل القضية ومشروعية المطالب والشعارات. فالثابت أن منطقة "الريف" ومدينة الحُسيمة تقاتل من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.