على مساحة صغيرة لا تتعدى بضعة مئات من الأمتار، قريباً من البحر الذي حمل الآلاف قبل 69 عاماً إلى مخيّمات اللجوء، ما زالت تنتصب في وادي الصليب البيوت المهجورة التي تركها أهلها في لحظة فزع على أمل العودة لها بعد حين. شبابيكها المقوّسة الكبيرة، وأبوابها التي كانت مفتوحة على مصراعيها للحياة، أغلقت منذ عقود بالطوب والباطون. البيوت التي سُدّت منافذها، وحُجبت الشمس عنها، تقف مقابل البحر خرساء باردة رماديّة: هذه البيوت مقبرة، وشبابيكها المغلقة شواهد تحمل اسم الساكن الأول، وتاريخ ميلاده، واسم زوجته، وأولاده وأعمارهم عند الخروج من باب الدار، حين احتجبت الشمس عن المكان، استودعوا ظلالهم هناك وتاهوا في المنافي. تقول الحكايات إنهم كبروا وشاخوا وماتوا، لكن ظلالهم التي بقيت هناك تجمدت على شبابها تنتظر قبلة العائد الموعود.
ليس سهلاً أن نكتب عن النكبة، نحن أحفاد من ظلّوا في المكان وشهدوا كيف تغيّر البلاد جلدها، وتصير غرابةً مستبدّة. نحن نكتب عن تجربةٍ نعيش ارتداداتها على شاكلة احتمالات مستمرّة لكارثةٍ مقبلةٍ، كطائر وقع في فخٍ لا يدري كيفية الخروج منه سالماً، لذلك يسهل أن ننحو نحو الأدب، أن نكتب ونحن نتأرجح على الحافة بين اللغة الشاعريّة واللغة البحثيّة، نحاول الكتابة برصانةٍ علميةٍ كي لا نُتهم بالشاعرية والتحيّز واللاموضوعية، لكن البيوت الخرساء وبقايا خرائب الوطن الممتدة على طول

مقالات ذات صلة:
… إلى القرية المجاورة
البلاد تتمدد لنا في صدى الكتابة. هكذا تصير الكلمات ثقيلة بثقل الخسارة، وهكذا تتورط اللغة معنا في سوداوية السرد. لا مناص من كتابة النكبة إذاً من على الحواف الممتدة بين الأدب وعلم الاجتماع، لا غنى عن الاثنين للقبض على المعاني وللمسها والاحساس بها.
 

الخرائب: أرشيف للوطن
 

من قرية الطنطورة المنكوبة لم يبق الكثير، لكن قصر آل ماضي، بأقواسه الكبيرة وساحته الواسعة ظل مكانه شاهداً على ماضٍ ملوّن صاخبٍ سبق النكبة. وحده ظل من بنايات القرية. ليس سهلاً أن تهدم بيتاً بجمال بيت آل ماضي حتى لو كنت عدواً، بيت وحيد نجا من مجزرة البيوت التي طالت باقي القرية وخيرة شبابها، استثناء يؤكد القاعدة التي وَجهت السياسة الإسرائيليّة تجاه فلسطين: محو ما يمكن محوه من المشهد الفلسطيني على مركّباته المختلفة التي تضم المركّب الإنسانيّ والفيزيائيّ والرمزي: الإنسان الفلسطيني والبيت الفلسطيني والتاريخ والثقافة الفلسطينية، ثم بناء مشهدٍ جديدٍ على أنقاضه بمركّبات جديدة هي الهويّة اليهوديّة.
بين الأبراج السكنيّة العالية في حيفا تنام بيوت مهجورة، وعلى الروابي المحيطة بكيبوتسات الرملة واللد، تنتشر بقايا خرائب القرى المهدومة، وعلى شاطئ تل أبيب المزدحم بالفنادق والبارات ما زال يقف مسجد "سيدنا علي"، وفي قيساريا تقف مكانها بيوت الحجر ومأذنة المسجد الذي صار مطعماً وحانة، وفي الطالبية والقطمون وعين كارم، بيوت أهل البلاد ظلت على حالها يسكنها الأغراب. ليس هذا حال لفتا، تلك التي تنام على سفح جبل عند مدخل القدس، بيوتها المهجرة ظلت مكانها، خرائب متروكة وباردة.
هذه البقايا والخرائب الموزّعة هي أرشيف فلسطين المنكوبةِ التي علينا بحثها ورصدها ثم استنطاقها كي نكتب تاريخ نكبة المكان، ليس بوصفه حدثاً، إنما سيرورة مستمرة ومتراكمة من فعل المحو المُمأسس وسياسات تكريس المحو وترسيخه إلى أن يتحوّل فعلاً هامشياً في بنية الدولة. وفي هذا السياق يمكن مثلاً أن نستنطق البيت المسدود بالإسمنت في وادي الصليب من خلال أسئلةٍ تحقيقيّة: من هم سكّانك؟ أين ذهبوا؟ كيف ومتى خرجوا؟ أين صاروا؟ ماذا صاروا؟ وأسئلةٍ فينومنولوجية: كيف يذكر أهل البيت البيت؟ كيف يحكون عنه؟ كيف يورّثون صوره لأبنائهم؟ كيف خبروا العيش فيه؟ وأسئلة تاريخيّة سوسيولوجية: كيف تقاسموا الغرف؟ من بنى البيت وشيّد الحجارة؟ من هندسَ الزوايا وزرع الحواكير واعتنى بها، وما هو نوع الشجر الذي زرعه ولماذا هو بالذات؟ ثم أسئلة سوسيولوجية-سياسية: من أغلق المنافذ؟ من سد الهواء؟ من منع سكانك من العودة إليك؟ من هو سيدك الجديد ومن أين جاء؟ وكيف بنى سيادته؟ ما هي حججه؟ وأيضاً أسئلة عن بناء صور المكان: كيف تجمّد الزمان على الكارثة في تقاطعه مع الاحتلال الاستعماري؟ في تقاطع الظل والعتم في البيت المسدود بالإسمنت ما الذي وُلد في غرفك المعتِمة؟
 

بين الأبراج السكنيّة العالية في حيفا تنام بيوت مهجورة، وعلى الروابي المحيطة بكيبوتسات الرملة واللد تنتشر بقايا خرائب القرى المهدومة، وعلى شاطئ تل أبيب المزدحم بالفنادق والبارات ما زال يقف مسجد "سيدنا علي"..
 

هكذا إذاً يكون أرشيف الخرائب حقل معرفي يتفتح في تقاطع الشعر وعلم الاجتماع، وفي وقوف الباحث على حواف التجربة الكارثية وهو يترحّل بين وجع الهجران والمنافي كما خبره المنكوبون، وبين سوسيولوجيا البيت وتشكل معانيه في المجتمع الفلسطيني في ظل التحولات الكبرى التي تسببت بها النكبة. لا غنى عن الاثنين كي نستنطق النكبة.


جدلية الهدم والبناء في المستعمرة
 

الخرائب هي شاهد ملك على العلاقة البنيويّة بين المحو والإنشاء في الدول الاستعماريّة الاستيطانيّة كما أشار إلى ذلك الباحث الأسترالي باتريك وولف، إذ أن المستعمر الذي يرغب بتشكيل مجتمعه الجديد السياديّ على أراضٍ مأهولة يسعى لمحو المشهد الأصلاني الموجود من أجل إحلال مشهد جديدٍ مكانه. في هذا السياق فإن إزالة الفلسطينيّ عن الأرض التي يشغلها هو شرط إقامة إسرائيل البدئي غير القابل للاختزال، إذ لم تكن إسرائيل بوصفها عصارة المشروع الصهيوني لتقوم على أرض فلسطين إلا بمحو فلسطين وبالتشييد فوقها بالتمام، على أنقاض قراها ومدنها وشوارعها ومؤسساتها. الدولة التي أقيمت عام 1948، سبقها مد شريط لاصقٍ بعرض البلاد وطولها أو ربما طبقة باطون كثيفة تقوم بدور مزدوج، الإخراس والكلام، أو ربما الإخفاء والمحو والبناء والإشهار: إخراس فلسطين واقعاً وفعلاً عبر هدم القرى والبيوت والشوارع وإزالة البشر من المكان ثم البناء على الخرائب مدناً وشوارع ومؤسسات ونحت تاريخٍ وخطابٍ وحاضنات رمزيّة وأساطير مؤسسة وإعطاء تسميات جديدة للمكان: خارطة تستبدل أخرى، هكذا تكون التسميات صدى للرواية المرادة معبرنةً ومهوّدةً ومهندسةً لتتلاءم مع مخيال بُنيَ بعنايةٍ ليكون بدءاً من جديد على أنقاض وخرائب فلسطين.
الخراب ليس مجازاً والمحو ليس استثناء، إنما "عنفاً تأسيسياً" بلغة ولتر بنجامين، ويعني أن هدف العنف المستخدم كان التأسيس لوضع جديد يتم فيه إزالة وإبعاد الفلسطيني من المكان عبر سياسات التطهير الاثني ومنع العودة واستقدام المهاجرين الجدد وتوجيه مؤسسات الدولة وأجهزة العنف وقوانين الأساس وغيرها من الأدوات للحفاظ على ما تم تحقيقه من محو وإزالة للفلسطيني في المرحلة الأولى، وإحلال للصهيوني وترسيخ سيطرته ضمن إطار الدولة اليهودية القومية ومنع تغيير هذا الواقع في المرحلة الثانية.
 

انضفرت عملية بناء "الدولة القومية اليهودية" منذ بداياتها بأدوات الاستعمار الاستيطاني المبنيّة على ثنائية المحو والإنشاء، حيث يتم محو الموجود (الفلسطيني) بوصفه جماعة قومية تصبو للسيادة لإحلال الجديد (اليهودي) ككينونة سياسيّة سياديّة تصبو لاستبداله.
 

في سياق التقاطع بين فكرة الدولة اليهودية القومية وتحقيقها على أرض فلسطين المأهولة بسكان يسعون لتحقيق مصيرهم، انضفرت عملية بناء "الدولة القومية اليهودية" منذ بداياتها بأدوات الاستعمار الاستيطاني المبنيّة على ثنائية المحو والإنشاء، حيث يتم محو الموجود (الفلسطيني) بوصفه جماعة قومية تصبو للسيادة لإحلال الجديد (اليهودي) ككينونة سياسيّة سياديّة تصبو لاستبدالها. من هنا كانت المستعمرات الصهيونية من بداياتها خارج قانون أهل البلاد، تشيّد مؤسساتها الخاصة وقوانينها الخاصة وتشريعاتها الخاصة التي تم عام 1948 تحويلها إلى مؤسسات وتشريعات، والأهم سيادة الدولة، بكلمات أخرى كانت عمليّة إقامة الدولة القومية اليهودية إحلال سيادة المستعمرة وفكرتها على كل فلسطين. وبما أن فكرتها الأساس هي إقامة الدولة اليهودية في أرض مأهولة، كانت عملية تطويع أهل البلاد وتهشيم وجودهم القومي والثقافي والاجتماعي جزءاً بنيوياً من مشروع التسييد.
 

من الهدم إلى البناء... ربّما
 

مع كل الجروح التي شقت جسد فلسطين بفعل النكبة، إلا أنه يمكننا أيضاً أن نفكّر بها بطريقةٍ إضافيةٍ: عقدة ربط وتشبيك لإعادة بناء الهوية الفلسطينية الموحدة رغم حالة الشتات والتشظي السياسية.
وعلى الرغم من أن النكبة تشكّل لحظة الانشطار والهدم للكل الواحد الفلسطيني، وتشتيته إلى أجزاء موزّعة جيو - سياسياً، فإنها تشكّل في الوقت ذاته عقدة الربط الأساسية التي تقع في صلب بناء الهوية القومية الجمعيّة، حيث تحضر النكبة في الثقافة القومية بوصفها حدثاً مؤسساً مشتركاً يجمع الكل الفلسطيني المشتت والمتشظي بفعلها.
يمكننا التعامل مع الدور/ المعنى المزدوج للنكبة ليس فقط كعامل تشتيت وتمزيق للذات الواحدة، بل كعامل توحيد وتجميع للأجزاء بحكم الخبرة والتجربة والمعاني المختلفة للتجربة المشتركة ذاتها. تتحوّل النكبة بهذا المعنى، من نهاية إلى خاتمة تتحمل البدايات الجديدة، وعتبة من أجل إعادة بناء الكينونة الوطنيّة الفلسطينيّة للشعب، كوحدةٍ وجدانيةٍ واحدةٍ لها تعبيرات سياسيّة متوازية لكنّها متمايزة.
وتزخر الكتابة الأدبيّة والثقافيّة الفلسطينيّة بالنصوص التي تصف لحظة التشظي هذه ومآلاتها الاجتماعيّة والنفسيّة والجمعيّة، كما تزخر بتوصيف طرق الخروج منها. ويمكن أن نلحظ في هذا السياق انبلاج عناصر في الثقافة الفلسطينية تعبر بشكل متفاوت عن تجربة النكبة من حيث الطريقة التي خبرها أبناؤها، حيث تتمحور الكتابة الأدبية للشتات حول الفردوس المفقود، وأرض البرتقال الحزين، في مقابل التمحور حول الأرض في الداخل والصمود والبقاء فيها بشكل أساسي. وتتفرع من هذه "الرسوم" مجموعة من الرموز الفرعية، منها المرتبطة بالنضال كالتغني بالفلسطيني المقاوم والند مقابل المهزوم والذليل والمتخاذل ...الخ.
وبغض النظر عن خصوصيات التجربة لكل مجموعة، وعن التشظي الجغرافي للمجموعات التي ولدت من النكبة، إلا أن هذه الفترة الممتدة من 1948 وحتى بداية سبعينيات القرن الفائت شهدت إصدار مجموعة كبيرة من الكتابات الأدبية المؤسِّسة لثقافة وطنية فلسطينية جامعة، تشكل النكبة عقدة تواصلها والأرض محورها (عبر التشبث بها أو الحداد على فقدانها والتوق للعودة إليها)، والماضي حامل فردوسها المأمول ومستقبلها المختبئ حتى الخلاص.
النكبة تشكل في هذا السياق اللحظة الزمانية الجامعة، والعقدة التي تربط خيوط الجماعات المجزأة في سردية واحدة لها مكوناتها وصورها، التي وبغض النظر عن الانتماء المكاني اللاحق للكاتب، سواء كان في الداخل أو الخارج، في حيفا أو الشتات، يمكن أن يشعر الفلسطيني تجاهها بالتعاطف وأنها تعبر عن مكنوناته النفسية وأن يتضامن معها، وهي بهذا المعنى دينامو إنتاج الهوية الوطنية الجمعية الذي يتحلق حولها الفلسطينيون.
تتحول النكبة في هذا الإطار إلى عقدة وصلٍ وليس مجرّد تشتيت، إلى أداة تشبيك بين الكيانات الفلسطينيّة الممزّقة بحكم خبرتها للحدث، ومشاركتها الوجع والفقدان ذاته، وتتحول إلى مرساة الهوية الفلسطينية التي يتم توحيد إحيائها وتحويلها إلى حقل لإعادة كتابة المشترك بين الفلسطينيين، ولإعادة الاعتبار لفلسطين التي بدأت تغيب وراء مشاريع سياسية تحملها كيانات فلسطينية متوازية. لم ينجُ أي فلسطيني من نار النكبة.