تصاعدت تحذيرات خبراء الأرصاد الجوية منذ آب / أغسطس 2015، من إقبال الإقليم على موسم جفاف طويل، يزيد من مضاعفات المناخ السيئ الذي عاشته المنطقة على مدى ست سنوات ماضية. وقد استمرت  مواسم المطر الهزيلة، بل زادت شحاً خلال العامين الأخيرين، ما فتح الباب لأزمة إنسانية خطيرة، بدأت بضعف الغطاء النباتي العشبي المؤمّن لاحتياجات تغذية القطعان في إقليم كانت تربية الماشية فيه المصدر الرئيسي للمعيشة. ومع قلّة الهاطل المطري، تناقصت مصادر المياه الطبيعية السطحية، وبرزت حالة عامة من العطش. كما أن نضوب حِفر المياه والبرك البشرية الصنع قاد إلى تلوث المياه فيها بالطفيليات، مضيفاً إلى الواقع الطبيعي الصعب انتشار أمراض كالإسهالات والتسمّمات والاعتلالات الصحية المتأتية من عدم نظافة المياه.

 

نطاق الأزمة الغذائية الحالية

 

26 مليوناً هو عدد سكان قوس الأزمة الغذائية، من اليمن شمالاً إلى أوغندا جنوباً، ومن الصومال شرقاً إلى السودان غرباً. تتراوح الحالة بين وجود مجاعة في اليمن وجنوب السودان، تهدد 70 في المئة من سكانهما، إلى النقص الحاد في الغذاء المهدد للحياة في الصومال (شاملًا صوماليلاند) وإثيوبيا وكينيا وأوغندا والسودان، وهو الذي يطال 30 في المئة من سكانها، بحيث تستدعي الحالة الإنسانية الحرجة

تدابير إغاثية وسياسية وأمنية استثنائية، ليتمكّن الناس من تجاوز هذه الأزمة. وعلى الرغم من تراوح دواعي الأزمة الأخيرة ما بين الصراع الداخلي كما في حالتي اليمن وجنوب السودان، والجفاف الشديد كما في بقية البلدان، فإن جميع تلك البلدان تشترك في الإشارة الى ضعف مؤسسات الدولة وفسادها، الذي يظهر في ضعف الاستعداد والاستجابة للتحذيرات والمؤشرات الباكرة للأزمة، أو في عدم وجود نية لردع أعمال الاختلاس والنهب التي تطال التبرعات الداخلية أو الهبات والمساعدات الخارجية.

 

حالة صوماليلاند نموذجًا للأزمة

 

في رقعة جغرافية صغيرة نسبياً بحسابات المنطقة، تبلغ مساحتها 137 ألف كيلومتر مربع، توجد جمهورية صوماليلاند – المعلنة من طرف واحد- والتي يعاني نصف سكانها البالغين أربعة ملايين ونصف مليون نسمة من العطش وتأثيرات الجفاف والقحط. وتشترك صومايلاند مع البلدان في المنطقة المنكوبة، بوجود تنويعة من عوامل عدم الاستقرار وضعف الدولة، إلّا أن عوامل مباشرة، سياسية واقتصادية محلية متباينة، تزيد من العجز عن مواجهة الحالة الطارئة التي تمر بها. وتبرز "صوماليلاند" كحالة خاصة يمكن من خلالها فهم تأثير عوامل قلّما يتم التطرّق لها، رغم كونها مساهمة بصورة كبيرة في تعقيد أوضاع السكان.
فعلى الرغم من الاستقرار الكبير الذي عاشته "صوماليلاند" على مدى عقدين من الزمن، والنجاح المحلي في استعادة مؤسسات الدولة بجهود داخلية، فإن عوامل قد تدخلت لتجعل الدولة والمجتمع الصوماليلانديان، عاجزين عن مواجهة أعباء ومتطلبات الظرف المناخي الحالي المتطرّف. فخلال السنوات الماضية ( 2015-2017) استمرت معدلات هطول الأمطار في التناقص، مسببة ازدياد الضغط على مصادر المياه المتوفرة من ناحية، وتراجع كبير في إنتاجية المحاصيل البعلية، وتآكل في الغطاء النباتي، مما أدّى إلى تقليل فرص الرعاة الرحّل في إيجاد المرعى/العلف الكافي، وإلى خسارة البلاد 56 في المئة تقريباً من ثروتها الحيوانية المقدرة ب18 مليون رأس من الأغنام والإبل والأبقار.
على الرغم من أن الجفاف هو السبب الرئيس للأزمة في "صوماليلاند"، فإن العامل البشري لعب دوراً حاسماً في تهيئة الأرضية للانتقال من الحديث عن الجفاف إلى بروز حالة مأساوية من "الظمأ" و"التشرد" و"المجاعة" أصابت فئة "الرعاة"، وهم الأعلى إنتاجية في المجتمع الصوماليلاندي. فقد تراجعت قيمة "الماشية" نتيجة لحالة الإغراق التي حدثت في السوق المحلية بالمعروض من الحيوانات الحية، نظراً لإغلاق الأسواق الخليجية في وجه الثروة الحيوانية الصومالية عامة، شاملاً ذلك صادرات صوماليلاند، علماً بأن دول الخليج استوردت في العامين 2014 و2015 أكثر من 6.5 مليون رأس من الأغنام والإبل والبقر. وتوقف أعمال التصدير تلك أدى لانخفاض حاد في الأسعار، ما أثر على القدرة الشرائية لمربي الحيوانات، الذين يعيشون أساساً حالة من الكفاف. فعلاوة على التضخم وارتفاع أسعار المواد الأساسية نتيجة لتراجع قيمة العملة المحلية، فقد أدى بقاء القطعان التي كان من الضروري تصريفها بالتصدير، إلى تآكل المدخرات لدى قطاع كبير من سكان البادية والريف، كما أدى إلى استنفاد موارد شبكات الدعم الاجتماعي التقليدية، نظراً لاستعصاء استكمال دورة الإنتاج المنتهية بالتصدير. فقد عنى العجز عن تصريف القطعان، استمرار أعبائها المالية على مربيها، واستهلاكها الزائد عن المتوقع للماء والعلف.