ربما أجبرت الانتفاضة التونسية الدولة على رفع أيديها عن أفواه التونسيين. لكن ما هو مؤكد أن هذه الدولة لم ترفع أيديها تماماً ونهائياً عن مواضع أخرى في أجساد رعاياها. ما زالت الدولة تتلمس وتتحسّس وتتحرش، تارة بحكم القانون وتارة أخرى بحكم الأمر الواقع. نتحدث عن فحوص واختبارات العار "الطبية" القسرية التي تستهدف المثليين جنسياً ومستهلكي المخدرات الخفيفة. نتحدث أيضاً عن سوء المعاملة والتعذيب وبقية الممارسات اللاإنسانية التي ما زالت مُستشرية في مراكز الإيقاف والسجون التونسية. وبالطبع لا نستطيع ألاّ نتحدث عن القوانين التي تسهّل تزويج القاصرات أو تلك التي تمكّن المغتصب والمعتدي من الإفلات من العقاب.
 

رهاب شعبي يسنده القانون 
 

المجتمع التونسي، كأغلب المجتمعات المحافظة، ينتشر فيه رهاب المثلية الجنسية، ولعل أشنع شتيمة بالنسبة لرجل تونسي أصيل (طبعاً بعد تلك التي تتعلق بأمه وجهازها التناسلي) هي أن يُنعت بالمثلي. في أغلب الأحيان يكون العنف الموجه ضد المثليين في تونس شفهياً ويتراوح بين السبّ المقذع والسخرية الشديدة. لكن في السنوات الأخيرة، تواترت الاعتداءات الجسدية خصوصاً بعد أن بدأ المثليون في التنظّم والمطالبة بتقنين وحماية حقهم في الاختلاف. هذه الهوموفوبيا الشعبية تجد لها صدى في المدونة القانونية

التونسية التي لم تواكب بعد التطورات التي عرفتها البلاد في السنوات الأخيرة، ولا حتى روح الدستور الجديد.

تجرم الدولة التونسية المثليين جنسياً، فالفصل 230 من القانون الجزائي التونسي لا لبس فيه: "اللواط أو المساحقة إذا لم يكن داخلاً في أي صورة من الصور المقررة بالفصول المتقدمة، يعاقب مرتكبيه بالسجن مدة ثلاثة أعوام". تجدر الإشارة إلى أن هذا الفصل تم إقراره في 9 تموز/ يوليو 1913 ويتم العمل به إلى اليوم على الرغم من أنه ينتمي إلى زمن آخر.

 

كيف يتم إثبات "جريمة" المثلية الجنسية في تونس؟ هناك طبعاً حالة التلبّس، يعني أن يقتحم الأمن الجمهوري محلاً سكنياً ويقبض على "عتاة المجرمين" وهم يمارسون "الشذوذ"، في تناقض صارخ مع مبادئ حرمة المسكن وعدم انتهاك الحياة الشخصية

 

صحيح أن الفصل الأول من الدستور التونسي ينص على أن الاسلام هو الدين الرسمي، لكن لا يمكن فهم موقف الدولة التونسية من الجانب الديني. فهي تنتج الخمور وتبيعها كما أنها تدير رسمياً "شبكة وطنية" من المواخير العمومية الخاضعة لمراقبة وزارتي الداخلية والصحة، هذا دون أن ننسى أنها تحتكر القمار والرهان الرياضي في البلاد.
لكن كيف يتم إثبات "جريمة" المثلية الجنسية في تونس؟ هناك طبعاً حالة التلبّس، يعني أن يقتحم الأمن الجمهوري محلاً سكنياً ويقبض على "عتاة المجرمين" وهم يمارسون "الشذوذ"، في تناقض صارخ مع مبادئ حرمة المسكن وعدم انتهاك الحياة الشخصية. الفرضية الثانية هي الاشتباه، وهنا يأتي دور "فحوص العار". يقبض البوليس على شخص أو مجموعة أشخاص (أغلبهم من الشباب) المشتبه في مثليتهم ويتم إخضاعهم للتحقيق ومن ثمة للفحص الشرجي بإذن قضائي.


إقرأ أيضاً: نحو مقاربة أخرى لقضية استهلاك المخدرات، مثال تونس


يحدث أن يموت طفل تونسي بالحمى والالتهاب الكبدي لعدم توفر إطار طبي يقدم العلاج له، لكن عندما يتعلق الأمر بالشرف والرجولة والأخلاق الحميدة فإن الدولة التونسية صاحبة واجب ولا تتأخر. يتثبت الطبيب (بحضور البوليس في كثير من الأحيان) في شرج المتهم ويعتصر كل معارفه وفطنته وخبرته لكي يقتفي آثار ممارسات جنسية مثلية متكررة. يدخل أصابعه وأدوات أخرى في جسد المشتبه فيه، مرسلاً "أبوقراط" وقسمه إلى الجحيم. لا نجد للفحص الشرجي سنداً قانونياً، لكنه يعتبر "إجراء تثبتياً". تندد المنظمات الحقوقية التونسية والدولية منذ سنوات بالفصل 230 وتطالب الدولة التونسية بمراجعته أو على الأقل انهاء فحوص العار كخطوة أولى، لكن دون جدوى. يتطلب الأمر إرادة سياسية من شبه المستحيل أن تتوفر: فلا الأحزاب الحاكمة ولا المعارضة تمتلك الشجاعة على إلغاء تجريم المثليين، فهي تتحرّج من الموضوع وتخاف بأن تصنف كأحزاب داعمة "للشذوذ والانحلال الأخلاقي". 
 

متى يصبح البوليس أمناً جمهورياً؟
 

"نريد نهاية للخوف".. هكذا عنونت منظمة العفو الدولية تقريرها حول "انتهاكات حقوق الإنسان" في تونس والصادر بتاريخ 13 شباط / فبراير2017. تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة الصادر سنة 2015 وكذلك التقرير العالمي لمنظمة "هيومان رايتس واتش" الصادر في 2016، كلها تصب في منحى واحد: ممارسات التعذيب وسوء المعاملة ما زالت مستشرية في مخافر الشرطة ومراكز الإيقاف والسجون التونسية. وهذا الكلام ليس مؤامرات أجنبية على "التجربة التونسية الرائدة" بل هو واقع تؤكده الشكاوى التي تنهال على المنظمات الحقوقية المحلية كالرابطة التونسية لحقوق الإنسان والمنظمة التونسية لمناهضة التعذيب. خلال ندوة صحافية عقدت يوم 22 شباط / فبراير 2017، أكدت المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب أنها، سنة 2016، أحصت 153 حالة انتهاك تتراوح حدتها ما بين التعذيب وسوء المعاملة والعنف الشديد. مرتكبو هذه الانتهاكات هم أساساً من الشرطة (62 في المئة من الحالات) يليهم حراس السجون (24 في المئة) ثم الحرس (الدرك، بنسبة 14 في المئة). المصيبة أن هذه الأرقام صادرة عن منظمة واحدة، بينما هناك جهات أخرى أحصت مئات الحالات أيضاً، كما أن أغلب الذين يتعرضون للانتهاكات لا يشتكون إما جهلاً بحقوقهم أو خوفاً من انتقام الأجهزة المهنية وأحياناً يأساً من الوصول إلى نتيجة. ويبدو أن اليائسين من محاسبة الأجهزة الأمنية هم على حق، فأغلب الشكاوى لا تغادر مخافر الشرطة، وحتى عندما تنتقل إلى مستويات أعلى يتم تناسيها بحيث لا تصل إلى القضاء إلا بعد سنوات.

 

استغلت الأجهزة الأمنية ظرف ضعف الدولة والمد الحقوقي اللذان تليا سقوط بن علي لفرض تأسيس نقابات شرسة تعمل كالمافيا وتجعل من محاسبة الأمنيين أمراً شبه مستحيل. ومع تتالي الاغتيالات السياسية والعمليات الإرهابية، بدأ التونسيون في الخضوع إلى معادلة جديدة: الأمن مقابل الحقوق والصمت على التجاوزات.

 

قد يتساءل البعض كيف استردت الأجهزة الأمنية شهيتها للقمع بعد انتفاضة يفترض أنها أسقطت منظومة الدولة البوليسية؟ لأنه لم تتم محاسبة الجلادين والسجانين الذين عذبوا ونكلوا بالمساجين السياسيين قبل الثورة، وكذلك لأنه يبدو أن الحكام الجدد أرادوا الاستفادة من خبرات البوليس في قمع الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية. استغلت الأجهزة الأمنية ظرفية ضعف الدولة والمد الحقوقي اللذان تليا سقوط بن علي لفرض تأسيس نقابات شرسة تعمل كالمافيا وتجعل من محاسبة الأمنيين أمراً شبه مستحيل.


[Media:6556]
ومع تتالي الاغتيالات السياسية والعمليات الإرهابية، بدأ التونسيون في الخضوع إلى معادلة جديدة: الأمن مقابل الحقوق والصمت على التجاوزات. لكن يستمر مع ذلك العمل الجبار الذي تقوم به العديد من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية لحمل الدولة التونسية على التصدي للانتهاكات عبر سن قوانين وإحداث آليات مراقبة وضمانات ضد الإفلات من العقاب. مثلاً في سنة 2016، تحققت عدة مكاسب لعل أبرزها انتخاب الأعضاء ال16 لـ"الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب"، وهي مؤسسة عمومية مستقلة تتمتع - نظرياً على الأقل - بسلطة مراقبة أماكن الإيقاف والاحتجاز. هذا بالإضافة إلى تنقيح عدة فصول تتعلق بتقليص مدة الإيقاف التحفظي وبتحديد صلاحيات الشرطة العدلية، وخصوصاً منح الموقوف الحق في حضور محامي أثناء التحقيق معه. 

 

أنبوب وحشيش وسجن..
 

حيازة المخدرات ممنوعة تماماً في تونس مهما كانت النوعية والكمية والاستعمال (شخصي أو ترويج). القانون عدد 52 لسنة 1992 يتضمن 31 فصلاً تتعلق بأحكام وإجراءات في مختلف الحالات: مسك، استهلاك، ترويج، تهريب، إلخ.. المشكلة لا تكمن طبعاً في وجود قانون لمكافحة المخدرات، فهذا أمر طبيعي، لكن الفصل الرابع هو المثير للجدل: "يعاقب بالسجن من عام إلى خمسة أعوام وبخطية من ألف إلى ثلاثة آلاف دينار كل من استهلك أو مسك لغاية الاستهلاك الشخصي نباتاً أو مادة مخدرة في غير الأحوال المسموح بها قانوناً، والمحاولة موجبة للعقاب".

لن نذهب إلى حد القول بأن استهلاك المخدرات هو في آخر الأمر حرية شخصية، ولا يختلف كثيراً عن استهلاك الخمور والتبغ، لكن الأكيد أن هذا الفصل جائر. فهو لا يفرق بين المخدرات الخفيفة والثقيلة، كما أنه لا يمنح سلطة تقديرية للقاضي. فعقوبة السجن لمدة سنة مؤكدة في كل الأحوال بدون أي ظروف للتخفيف. الفصل أيضاً لا يقرّ بمبدأ العلاج قبل العقاب، ولا يراعي مسألة الاستهلاك لأول مرة أو بصفة متكررة.

 

من المنطقي أن نرتاب من دولة تسمح لنفسها بالتحرش بأجساد "رعاياها" والتدخل في أكثر أمورهم حميمية. ما الذي سيمنعها من العبث بحقوق وحريات أخرى؟ هل ننتظر من مواطن غير سيد على جسده أن يكون سيداً في وطنه؟

 

الأخطر من كلّ هذا هو الطريقة التي يتم بها إثبات استهلاك شخص للمخدرات. فضلاً عن حالات التلبس، تبدأ العديد من القضايا بمجرد اشتباه الشرطة بشخص أو تلقيها معلومات من مخبرين. يكفي أن تكون من أبناء الأحياء الشعبية أو أن ترتدي ملابس تشبه تلك التي يرتديها مغنو الراب أو أن تطيل شعرك "أكثر من اللازم" أو أن تكون شاباً ناشطاً يسارياً أو في المجتمع المدني.. حتى تصبح مشتبهاً فيه. حتى عندما لا تمسَك متلبساً ولا تكون لديك مخدرات، فيمكن للشرطة أن تقتادك للمخفر وأن تخضعك للتحقيق. وفي حالة إصرارك على إنكار الأمر فهناك وسائل للتثبت: اختبار البول. لا وجود لأي نص قانوني يشرع لإجراء مثل هذه الاختبارات، وبذلك يعتبر من حق الموقوف رفض الخضوع لها. لكن في واقع الأمر يرضخ أغلب الموقوفين إلى رغبة النيابة العمومية إما جهلاً بحقوقهم أو خوفاً من ردة فعل البوليس العنيفة أو تفادياً لحصول استنتاجات عكسية لدى القاضي يمكن أن تتسبب في سجنهم رغم براءتهم. يتبوّل الموقوفون في أنابيب الدولة وترسل عيناتهم إلى مخابر التحاليل. 
استهلاك القنب الهندي هي التهمة الأولى في تونس، وأغلب المدانين من المراهقين والشباب. هناك سعي في السنوات الأخيرة من طرف المجتمع المدني والعديد من الشخصيات الوطنية إلى حمل مجلس نواب الشعب على مراجعة القانون وإلغاء عقوبة السجن، خصوصاُ في حالة الاستهلاك لأول مرة، وتعويضها بغرامة مالية أو ساعات عمل من أجل الصالح العام. على الجانب الآخر هناك تجاوب نسبي من طرف رئيس الجمهورية والحكومة والبرلمان لكن الأمور تسير ببطء. 
 

تزويج القاصرات والمُغتصَبات..
 

تتضمن "مجلة الأحوال الشخصية" العديد من الحقوق للمرأة، التي تحد من سطوة "المجتمع الذكوري"، لكنها تبقى مهددة إما بفعل حركات الردة المجتمعية أو بنصوص قانونية أخرى تناقض مقاصدها. مثلاً، يحدد الفصل الخامس من المجلة السن الأدنى للزواج، بهدف حماية الأطفال وتوفر حد أدنى من النضج لأخذ قرار بمثل هذه الأهمية: "كل من لم يبلغ عشرين سنة كاملة من الرجال وسبع عشرة سنة كاملة من النساء لا يمكنه أن يبرم عقد الزواج". جيد، لكن المشكلة تكمن في الفصل اللاحق: "زواج القاصر يتوقّف على موافقة الولي والأم". هذا الفصل السادس يفتح الباب أمام تزويج القاصرات دون حتى أن يوضح الشروط الواجب توفرها. كل سنة تطلب آلاف العائلات التونسية أذوناً قضائية لتزويج أبناءها القصر، وفي أغلب الأحيان تنال مرادها، مما يجعلنا نتساءل عن الجدوى من وجود فصل يحدد السن الدنيا للزواج، وعن مدى تواطؤ الدولة مع العائلات في التصرف بأجساد الأطفال كما لو أنها منقولات أو عقارات. 



ليت الأمر يتوقف على زواج القاصرات، لكن المصيبة تكون أكبر في حالة تزويج القاصر المغتصبة بمغتصبها. نعم، يتيح القانون التونسي ذلك. الفصل 227 مكرر من "المجلة الجزائية" سريالي بامتياز: "...وزواج الفاعل بالمجني عليها في الصورتين المذكورتين يوقف الملاحقة أو آثار المحاكمة. وتستأنف الملاحقة أو آثار المحاكمة إذا انفصم الزواج بطلاق محكوم به إنشاء من الزوج طبقاً للفقرة الثالثة من الفصل 31 من مجلة الأحوال الشخصية، وذلك قبل مضي عامين عن تاريخ الدخول بالمجني عليها". يعني فلنفترض أن قيس يحب ليلى وأن ليلى لا تحب قيس أو أن عائلتها لا تريد قيس، بإمكان قيس اغتصاب ليلى وعندها ستتوسل إليه عائلة ليلى للزواج بابنتها درءاً للفضيحة والعار. قيس لن يدخل السجن بل سيتزوج ليلى وبإمكانه بعد سنتين أن يطلقها ويغتصب "عبلة" أو "بثينة" ومن ثمة يتزوج بها. هذا الفصل يحظى برضا أغلب التونسيين فهو "مخرج مشرف"! لكن من حسن الحظ أن هناك منظمات وأفراد يخرجون عن الإجماع ويطالبون بمراجعة القانون. ويبدو أن مجلس نواب الشعب بصدد مناقشة هذا الفصل وقد يتم تنقيحه في الأسابيع القادمة. المشرِّع التونسي صاحب خيال خصب لا يهمل أي تفصيل: ماذا لو اكتفى قيس بخطف البنت دون أن يغتصبها؟ الفصل 239 من المجلة نفسها يقدم إجابة شافية وضافية: "يترتّب عن زواج الجاني بالبنت التي فرّ بها إيقاف المحاكمة أو تنفيذ العقاب".
 

ختاماً..
 

قد يعتبر البعض أن الحالات المشار لها أعلاه أقلية ولا تمسّ إلا بضعة مئات أو آلاف من الأشخاص. وربما يدرجونها ضمن "الجيل الرابع" من حقوق الإنسان، وهو ما يعتبر ترفاً حقيقياً في منطقة ما زال أغلب سكانها محرومين من مكتسبات الجيل الأول. لكن من المنطقي أن نرتاب من دولة تسمح لنفسها بالتحرش بأجساد "رعاياها" والتدخل في أكثر أمورهم حميمية. ما الذي سيمنعها من العبث بحقوق وحريات أخرى؟ هل ننتظر من مواطن غير سيد على جسده أن يكون سيداً في وطنه؟