المحكمة انعقدت يوم الأحد الفائت، 12 آذار/ مارس. تاريخ سيضاف إلى تواريخ فلسطين الكثيرة. يومها، كانت المحكمة تنظر في التّهم الموجّهة للشهيد باسل الأعرج ورفاقه. الأوّل اغتالته القوّات الإسرائيلية قبل ذلك بأسبوع، في الضفة الغربية نفسها وعلى مقربة من المكان، والأربعة الآخرون اعتقلتهم إسرائيل قبل ذلك بقليل، وكانوا مرميين في سجونها فيما محاكمتهم الفلسطينية جارية.
مشهد سوريالي؟ لا يتوقف الهذر عند هذا: فقد قرّرت المحكمة الموقّرة توجيه تهم "خطيرة" للشبّان، هي حيازة أسلحة غير مرخّصة ونيّة القيام بعملية عسكرية في إسرائيل. وهي كانت قد اعتقلت هؤلاء الشبان، واحتجزتهم لديها لستة أشهر حيث تعرّضوا لتعذيب شديد، وخرجوا بعد إضراب عن الطعام وتظاهرات في الضفة تطالب بالإفراج عنهم، لتغتال إسرائيل باسل وتعتقل الآخرين.. ما يحمل اللواء عدنان الضميري، المتحدث باسم أجهزة الأمن الفلسطينية، على السخرية منهم قائلا إنّ النّاس طالبوا بتركهم  وها النتيجة! بل يذهب الرجل معدوم الخيال بعد الحياء، دفاعاً عن القمع الذي تمارسه أجهزته بحق الفلسطينيين، إلى استعادة المقولة التي صارت شهيرة في المنطقة، تضعها قوى الردة المستشرسة بعد الثورات و/أو الأنظمة القمعية الغارقة بالدم في مقدمة مبرراتها وحججها: "هل تريدون أن نصبح مثل العراق أو سوريا أو ليبيا؟"، عندنا أمنٌ هنا ولن "نسمح

بزعزعته خدمة لأجندات مشبوهة"، مضيفاً: "لن نسمح بهدم ما بنيناه". أي نعم، والله، يتباهى بما بناه! وقد حملته فصاحته إلى استحضار إيران في المعمعة، لزوم ما لا يلزم، قائلا إنه لو "نحن نخدم الاحتلال ــ كما يتهمهم المتظاهرون ــ فأنتم تخدمون إيران". وقال أشياء أخرى أفصح، تخصّ الاستراتيجيا، وهي بلهاء إلى حد يدعو للخجل، فنمتنع عن نشرها!
ذلك أنّه كانت هناك مظاهرات في رام الله استنكاراً لهذه المحاكمة.. وقمعت بشراسة، مع أن المتظاهرين والمتظاهرات، المفجوعين باستشهاد باسل على ذلك النحو المشبوه (كالعادة هناك من وشى بملجئه، كالعادة انسحب الأمن الفلسطيني من مكان تلك العملية الإسرائيلية في الضفة الخ..) كانوا سلميين بشهادة منظمة العفو الدولية وبشهادة صحافيين ومحامين كانوا في الميدان. ضُرِب المتظاهرون رجالاً ونساء، وسحلوا، وألقيت عليهم قنابل الغاز المسيل للدموع، ورشوا برزاز الفلفل على وجوههم، وأطلقت فوقهم الأعيرة النارية.. وقد نقل العشرات منهم الى المستشفى، بمن فيهم المناضل الكبير، موضع احترام الناس، خضر عدنان، وهو الأسير السابق وصاحب واحد من أطول الإضرابات عن الطعام.. بمن فيهم والد الشهيد باسل، الذي أحاط المتظاهرون والمتظاهرات برجال الشرطة الفلسطينية وهم يضربونه بشكل مبرح أدى به الى المستشفى، يصرخون "والد الشهيد، ويلكم، هذا والد الشهيد"، ولكن لا شهيد يحسب حسابه ولا من يحزنون. وهم أفلتوا غرائزهم الوحشية على النساء الحاضرات، وقد اهتم اللواء الضميري بإنكار أن احد رجاله ضرب شابة راكضاً خلفها جاراً حجابها.. أنكر، ويا غيرة الدين، أن يكون قد نزع حجابها!! ثم، وحين خرجت تظاهرة في مخيم الدهيشة استنكاراً لما جرى صباحاً أمام المحكمة ، كان العنف والقمع هذه المرة أشد.

 

 

"السلطة الفلسطينية" تخدم الاحتلال، سواء كانت تفعل بإرادتها أو بحكم الأمر الواقع. وهي تبرر استمرار وجودها بواجبها في عدم ترك الشعب الفلسطيني أعزلاً من أي قيادة في ظل الاحتلال، حيث بات معلوماً أنه لا "عملية سلمية" بالطبع، ولا حل دولتين بالطبع، ولا دولة فلسطينية أصلاً. ومبرراتها الاستراتيجية تلك قد يصح نقاشها، من ضمن الظروف والخيارات وإلخ إلخ.. ولكنّ أجهزة السلطة، السياسية والأمنية، تقع في مكان آخر خارج تلك المحاجة، متورطة عملياً ومصلحياً في تواطؤ فعلي مع إسرائيل. بكل بساطة!