يعرف المجتمع المغربي تحولات عميقة تؤثر على أوضاع الأسرة ومكانة المرأة داخلها وفي المجتمع عموما. من بين هذه التحولات نسبة الولادات التي ما فتئت تعرف تراجعا ملحوظا، خصوصا خلال العقدين  الماضيين. فقد  انتقل  المعدل العام للولادات لكل امرأة، من 4.4 طفل سنة 1994 إلى 2.59 سنة 2011، ليصبح 2.2 طفل لكل امرأة لحظة تنظيم الإحصاء العام الأخير للسكان لسنة 2014،. الميل لانخفاض نسبة الولادات مستمر في اتجاهه العام، مما يدل على أنه وضع مستقر للحالة الديموغرافية للمغرب. فما هي العوامل التي يمكن من خلالها تفسير هذا التراجع في نسبة الولادات؟ وما هي آثارها الفعلية والمحتملة على وضعية النساء عموما بالمغرب؟

 

تعدد العوامل

 

التراجع في معدلات الولادة يرجع إلى عوامل متعددة ومختلفة، ليس أقلها المجهودات، على محدوديتها، التي بذلت من طرف الحكومات المتعاقبة في ما يتعلق بسياسة تحديد النسل. فقد ساعدت الحملات التي كانت تنظمها وزارة الصحة وكذلك "الجمعية المغربية لتنظيم الأسرة" التي تم تأسيسها في منتصف السبعينات من القرن الماضي بإيعاز من الدولة، على اكتساب الوعي بأهمية استعمال وسائل منع الحمل. وإن بدأت هذه الحملات بشكل متأخّر إذا ما تمت مقارنتها مع بلد جار هو

تونس، فقد أتت أكلها وأعطت نتائج ملموسة، خصوصا حينما أضيفت إليها عوامل أخرى مساعدة منها:
- انتشار استعمال وسائل منع الحمل، سواء منها التقليدية أو العصرية، حيث تؤكد إحدى الدراسات المنجزة من وزارة الصحة، انتقال نسب استعمال هذه الوسائل من 42 في المئة في العام 1994 إلى 67.4 في المئة في 2011. وقد تراجع استعمال الوسائل التقليدية لصالح الوسائل العصرية، بنسبة 56.7 في المئة مقابل مقابل 10.6 للوسائل التقليدية حسب تقديرات ذلك العام.
- تزايد معدلات الالتحاق بالتعليم وتعميم التعليم الابتدائي، بما في ذلك في المجال القروي. فعلى الرغم من النسب المقلقة للهدر المدرسي الذي يمس الفتيات القرويات عند الالتحاق بالمستوى الإعدادي، فالحصول على حد أدنى من التعليم له فوائده على الفتيات، نساء المستقبل، وعلى سهولة ولوجهن للمعلومات فيما يتعلق بقضايا الصحة الإنجابية.

 

عدد النساء المغربيات المعيلات لأسرهن يتزايد باستمرار وبدون انقطاع، فمن بين سبعة ملايين أسرة في المغرب، فإن 20 في المئة من الأسر تعيلها امرأة

 

- العمل المأجور، حتى وإن سجلت فيه نسب تراجع للنساء بالمقارنة مع الرجال (28.1 في المئة سنة 2000 مقابل 25.1  في المئة سنة 2013)، فخروج النساء إلى سوق العمل المأجور أصبح أمراً واقعا، إذ تجد النساء أنفسهن، ومن مختلف الأعمار والفئات، مضطرات للبحث عن عمل يدر عليهن مداخيل ويساعدهن على تحمل نفقاتهن الخاصة ونفقات أسرهن. وقد أصبح عدد النساء المغربيات المعيلات لأسرهن يتزايد باستمرار وبدون انقطاع، فمن بين سبعة ملايين أسرة في المغرب، فإن 20 في المئة من الأسر تعيلها امرأة. وبسبب الهشاشة الاقتصادية وانتشار الفقر لدى فئات وشرائح واسعة في المجتمع، التي أدت إليها برامج "إعادة الهيكلة" والسياسات الاقتصادية والمالية العامة، وجدت النساء أنفسهن مدفوعات للبحث عن العمل خارج بيوتهن لربح قوتهن، حتى مع غياب المؤهلات التي تسمح لهن باقتحام سوق العمل في ظروف وشروط جيدة. وقد أدى الأمر إلى تزايد المسؤوليات الملقاة على عاتق النساء وجعلهن يقبلن على تنظيم الأسرة والحد من عدد الولادات حتى يسهل عليهن المزاوجة بين تعدد أدوارهن خصوصا مع محدودية بل غياب البنى والمؤسسات الاجتماعية التي من شأنها تسهيل الحياة اليومية.
- تزايد الهجرة من العالم القروي إلى المجال الحضري، وما تفرضه حياة المدن بالنظر إلى إكراهاتها المتعددة والمتنوعة وطبيعة الحياة بها، من الحد من النسل وتنظيم الأسرة. يضاف إلى هذه الهجرة الداخلية، آثار الهجرة إلى الخارج خلال العشرينات الأولى بعد حصول المغرب على استقلاله سنة 1956 والتي أحدثت خلخلة في التمثلات القيمية، وأدت إلى الانفتاح على قيم جديدة.
- الثورة التكنولوجية واتساع دائرة الحصول على المعلومة يشكلان أحد العوامل التي يمكن من خلالها فهم التحول الديمغرافي بالمغرب.

 

ومؤشر وفيات النساء عند الوضع

 

ومن بين المفارقات التي يمكن تسجيلها في إطار الحديث عن قضايا الصحة وخصوصا منها الصحة الإنجابية في المغرب، هو مؤشر وفيات الأمهات أثناء الولادة. فإلى زمن غير بعيد، ظل المغرب ضمن الدول العربية التي تسجل نسبا مهولة  في وفيات الأمهات أثناء الولادة: العام 2010 سجلت وفاة 112 حالة ضمن 100 000 ولادة، وهو رقم عرف انخفاضاً بالمقارنة مع السنوات السابقة، حيث كانت تسجل وفاة 322 امرأة أثناء الولادة في العام 1993. هذا الانخفاض المهم لم يعن الانتهاء من الوفيات بشكل كامل، كما تمّ الالتزام بذلك في إطار تحقيق أهداف الألفية للتنمية. ثم أن الانخفاض في نسبة الولادات كان أكبر من الانخفاض في نسبة الوفيات بين النساء عند الوضع. وإذا كان المؤشر الثاني يرتبط بسياسات وبرامج عمومية على مختلف الأصعدة، من حكامة وبنى تحتية،  وصولاً إلى توفير بيئة صحية ملائمة، فإن المؤشر الأول الخاص بتحديد النسل، وبقدر ما يرتبط أيضاً بهذه العوامل، فهو يحيل بالأساس إلى ما أصبحت تحظى به النساء داخل الأسر من وضع أفضل، يظهر تراجعاً نسبياً لهيمنة الزوج على القرار داخل الأسرة.

 

[Media:6480]

 

ويمكن الإحالة إلى إحدى الإشارات الواردة في الدراسة التي قام بها كل من يوسف كرباج وامانويل تود في العام 2007 حول الديموغرافيا في المغرب، وهي أثبتت أن تحديد النسل لدى المغربيات اليوم هو قرار نابع من اختيار فردي لدى المرأة، وبمعية زوجها أحياناً، في الوقت الذي كانت فيه المغربيات (والنساء العربيات عموما) يؤكدن عند بداية الستينات من القرن الماضي أنهن لا يتحكمن في عدد الأطفال بل هي مشيئة الله التي تقرر ذلك أو إرادة الزوج أو الحماة أو العائلة عموماً. ويستخلص كرباج في حوار له مع مجلة "تيل كيل" المغربية (عدد كانون الأول/ ديسمبر 2016)، أن هذا التحول الديمغرافي وكيفية التعاطي العقلاني للنساء معه، هو إحدى مؤشرات الدخول للحداثة بل علامة على "العلمنة" (sécularisation) التي تطبع مسار المغرب. ويؤكد أن ما يشاع عن انتشار المحافظة وعودتها القوية خلال السنوات الأخيرة، هي عودة لخطاب يعبر عن الخوف من التحولات العميقة أكثر منه سلوكا قائما بالضرورة.

 

اضطرت الأحزاب السياسية، بالنظر لغياب النساء في صفوفها وخصوصا في العالم القروي، للاستعانة وترشيح نساء فاعلات محليا، سواء منهن الناشطات في الحياة الجمعوية أو في التعاونيات الإنتاجية

 

خلاصة

 

كان لتراجع الولادات وتحديد النسل في المغرب آثار إيجابية على وضع النساء داخل الأسرة  بشكل خاص وفي المجتمع عموما. وابرز هذه الآثار هو انخراط النساء في الحياة العامة، سواء منها الشق السياسي أو المدني والمجتمعي العام. إذ حتى وإن كانت نسب النساء لا زالت لم ترقَ بعد إلى الثلث وتظل المناصفة سقفا بعيد المنال، فالملاحظ أن تبني المحاصصة قانونيا، اضطر الأحزاب السياسية إلى ترشيح النساء في مختلف الاستحقاقات، سواء منها البرلمانية أو الجماعية (المحلية). لقد كان لهذا الإلزام القانوني أهمية بالغة من حيث تواجد النساء في البرلمان والمجالس الجماعية، وسمح بالرفع من نسب تمثيليتهن التي انتقلت من أقل من واحد في المئة سنة 2003 إلى أكثر من 20 في المئة سنة 2015.
وقد اضطرت الأحزاب السياسية، بالنظر لغياب النساء في صفوفها وخصوصا في العالم القروي، للاستعانة وترشيح نساء فاعلات محليا، سواء منهن الناشطات في الحياة الجمعوية أو في التعاونيات الإنتاجية. وهذا يدل على خروج النساء إلى الفضاء العام، وتحولهن الى جزء لا يتجزأ من فضاء كان لا يعترف لهن فيه بأي دور.

 

أحد شروط الاتجاه نحو الحداثة هو التحول في أوضاع النساء. ولكن ذلك هو في الوقت نفسه نتيجة للحداثة وأحد مؤشراتها

 

فحتى وإن ظلت الإطارات الحزبية السياسية تقاوم لمدة طويلة وجود النساء في الأجهزة التقريرية بداخلها، والحؤول عبر ذلك دون ترشيحهن للانتخابات، خصوصا البرلمانية منها، فإن ذلك لم يمنع النساء من الانخراط في الفضاء العام واقتحام الحياة الجمعوية بمختلف ميادين فعلها. وهناك عدد مهم من القضايا التي شكلت انشغالا عاما وعموميا، كان الفضل فيها للنساء، إذ، وبغض النظر عن القضية النسائية والدفاع عن المساواة في كافة الحقوق الذي تمّ بفضل الجمعيات والمنظمات التي شكلت حركة نسائية قوية، يمكن التذكير كذلك بعدد من القضايا الاجتماعية والحقوقية الأخرى التي يرجع الفضل فيها لوجوه نسائية، مثل قضية الأطفال المتخلى عنهم، قضية الأمهات العازبات، قضية أطفال الشوارع، قضية الأحداث المسجونين والسجن عموماً، قضية تمدرس الفتيات في العالم القروي، محاربة الايدز، ولائحة طويلة سواها.. إن هذا الوجود في الفضاء العام ما كان له أن يتم لولا قدرة النساء على تنظيم الأسرة والحد من عدد الولادات، ما سمح بالتحكم في الوقت وساعد النساء على الانفتاح على مجالات جديدة. وقد أدى الأمر إلى خلخلة التقسيم التقليدي للأدوار ومنح النساء إمكانية أكبر لترسيخ استقلاليتهن الذاتية. وهذا التحول يعد من بين التحولات الكبرى الهيكلية والبنيوية التي لا تتأثر بالضرورة ببعض التراجعات الظرفية التي يعبر عنها الخطاب المتداول اليوم الذي ينحو نحو التشبث بقيم الماضي بينما هي لم تعد قادرة على الصمود في وجه التحولات الجديدة.
أحد شروط الاتجاه نحو الحداثة هو التحول في أوضاع النساء. ولكن ذلك هو في الوقت نفسه نتيجة للحداثة وأحد مؤشراتها.