وصل مستوى التّعليم في المغرب إلى درجة متدنّية تؤّرق الجميع. والمفارقة هي أنّه كان في أفضل حالاته في فترة ما بعد الاستقلال، حين كان يُلملم مؤسّساته ويُمغْربها، وحين كانت الأمية تغطّي أعين الجميع، إلاّ القلّة المحظوظة التي تلقّت تعليماً جيداً بالرّغم من كل الظروف.. مع أنّ المعلّمين كانوا يُلحَقون بالوظيفة بمستوى الشّهادة الابتدائية فقط، فيما يُشترط فيهم الحصول على إجازة جامعية الآن. وبعد أن بلغ عدد التّلاميذ في الأسلاك الثّلاث الأساسية، (الابتدائي والإعدادي والثانوي) قرابة سبعة ملايين هذه السنة، تتفاقم التحديات المطروحة على عدّة مستويات.

 

وحدهم أولاد الأغنياء يتعلّمون جيداً

 

بعد موجات متلاحقة من التّجريب، خاض فيها النّظام التعليمي غمار استراتيجيات عديدة أثبتت فشلها وعجزها الفاقع، طُرحت الآن مسألة إلغاء مجانية التّعليم بشكل أكثر جدية من أي وقت مضى. وبرزت مقولة التّعليم العمومي مجاني للفقراء فقط. لكن من يلجُ التعليم المجّاني غير الفقراء؟ بل حتّى هؤلاء، إن استطاعوا سبيلاً إلى التّعليم الخاص، أدخلوا أولادهم إليه بأي ثمن، بالدَين، بمعونة العائلة.. المهم أن يضمنوا لهم تعليماً ذا جودة مقبولة، فنجد أنّه من أصل حوالي 700 ألف تلميذ ولجوا السنة الأولى ابتدائي هذه

السّنة، هناك 140 ألف يرتادون التعليم الخصوصي.
أما بعض المعاهد العامة المميّزة، فهي حصراً للأغنياء لأنها تطلب معدلات مرتفعة. وهؤلاء أصبحوا يستميتون ليحصل أبناؤهم على نقاط مرتفعة، فيُحْضرون أساتذة خصوصيين حتى للمواد السّهلة، مما رفع معدلات القبول في بعض التّخصصات، فيما العباقرة فقط من أبناء الفقراء هم من يستطيع الحصول على المعدلات الأعلى. أو هي بالأصل معاهد للأغنياء حصراً لأنّها تختص بمهن لا يسمع بها الفقراء، مثل مهن السمعي/ البصري، والإحصاء إلخ.. وبعض المهن الأخرى التي تحتاج لـ"وسائل خاصة" لدخولها، كتوّفر صلات قوية لعائلة الطالب تمكّنه من القفز على حواجز المعدلات وسواها الموضوعة لعديمي الأوراق الرّابحة من أبناء الفقراء. هذا بالإضافة إلى تزايد الجامعات الخاصة التي أُنشئت لأبناء الأغنياء فحسب، الذين يمكن لأبنائهم على اختلاف مستوياتهم دراسة أي تخصّص يرغبون فيه، بما فيه الطب. وهكذا فمن يملك مالاً لن يضيع أبناءه أبداً، وهم الأقلّ قلقاً على مستقبلهم المهني. وحتى كلّيات العلوم التي كانت تقبل أي تلميذ حاصل على شهادة بكالوريا علمية، أصبحت تشترط الآن معدّلات مرتفعة للولوج لها نظرا لكثرة الطّلب عليها وقلّة المقاعد.

 

الفتيات أولى ضحايا إلغاء مجّانية التعليم

 

تحويل مجّانية التعليم إلى تعليم مدفوع الثمن في المستويات التي تتجاوز الابتدائي، سيجعل كثير من الآباء ذوي الدخل الضعيف يوقفون دراسة أبنائهم عند هذا المستوى، وخاصة منهم الفتيات، لأنّهم بالكاد يملكون ثمن الكتب المدرسية، فكيف بدفع تكلفة التعليم، خاصة أنّ النّظام الجاري العمل به لتحديد الأسر الفقيرة يعتمد على معيار الحدّ الأدنى من الأجور، أي ثلاثة آلاف درهم، وهو مبلغ لا يكفي أسرة مكوّنة من شخصين، فكيف بمن له عدّة أبناء. وتشير إحصائيات لمكتب الإحصائيات المغربي صدرت في العام الماضي إلى أن 59 في المئة من الأسر المغربية تقول إن دخلها يغطي مصاريفها، في حين أن 33.4 في المئة منها تستنزف مدخراتها أو تلجأ إلى الاقتراض. ولا يتجاوز معدل الأسر التي تتمكن من ادخار جزء من دخلها 7.6 في المئة.

 

كان بنكيران في نهاية ولايته السابقة، قد وجه طلباً إلى المجلس الأعلى للتعليم، للحصول على رأيه الاستشاري بشأن مشروع قانون إطار لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي. وكان رد المجلس في توصيته هو إلغاء مجانية التعليم

 

أما في المستوى الجامعي، فالأمر أسوء. وقد يرى البعض أنها استراتيجية مقصودة لتخفيف جحافل أصحاب الشّهادات العليا المطالِبين بالتّوظيف، فيما غير الحاملين لهذه الشهادات لا يلحّون في طلب الوظائف العمومية، إذ يتّجهون إلى ميدان العمل الحر بما أنهم لا يملكون حلولاً أخرى. لكن كثرتهم تشير إلى مجالات تعاني الأمرّين، مثل مشاكل "الفرّاشة" أي الباعة المتجوّلين الذين تتزايد أعدادهم ويزداد انسداد الآفاق أمامهم، ما يجعلهم قنابل موقوتة، قابلة للانفجار في أي وقت.
وكان بنكيران في نهاية ولايته الساّبقة، قد وجه طلباً إلى المجلس الأعلى للتعليم، للحصول على رأيه الاستشاري بشأن مشروع قانون إطار لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي. وكان رد المجلس في توصيته هو إلغاء مجانية التعليم، الأمر الذي أثار ضجّة كبرى لدى المدافعين عن الحق في التّعليم لكافة أبناء الشعب. بالمقابل، يرى المدافعون عن إلغاء المجانية أنها تسهم في توفير إيرادات للدولة لإصلاح منظومة التربية. ويضيفون أن إلغاء هذه المجّانية لن يطال الأسر المعوزة، بل ستلزم الأسر القادرة على الدّفع، بما أن نسبة كبيرة من الأسر المغربية تتحمل عبء تدريس أبنائها في التعليم الخاص.
ولكن الأسر الفقيرة التي تلجأ إلى تدريس أبنائها في المدارس الخاصة، تفعل مكرهة لتوفير تعليم جيد لهم، ولو على حساب ضروريات كثيرة في الحياة. ولم يعد كلّ الأطفال الذي يرتادون المدارس الخاصة تبدو عليهم معالم الغنى وبحبوحة العيش. بل تجد بينهم أطفالًا يعانون من سوء التغذية (أو عدم توفر نوعية جيّدة من الغذاء) وملابسهم من أرخص النّوعيات القادمة من الصين، وملامحهم شاحبة. ومع ذلك يرى آباؤهم أن التّضحية ضرورية من أجل إخراجهم من الوضعية التي يعيشون فيها، وهو أمر لا توفره المدارس العمومية.

 

التّعاقد بردعة لتعليم مشلول

 

في الإحصائيات الأخيرة المُقيّمة لمستوى التعليم فيه، حلّ المغرب في المركز التاسع عربياً على مستوى التعليم الجامعي، في مؤشّر جودة التعليم العالمي لسنة 2017 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وفي المركز العاشر على المستوى الابتدائي. وصنف التّقرير ذاته، الذي ضمّ 140 دولة، المغرب في الرتبة 101 عالمياً في مؤشر جودة التعليم الجامعي، والمرتبة 110 عالمياً في جودة التعليم الابتدائي. واعتمد التقرير على 12 معياراً هي المؤسسات، والابتكار، وبيئة الاقتصاد الكلي، والتعليم الجامعي، والتدريب، والصحة، والتعليم الأساسي، وكفاءة سوق السلع، وكفاءة سوق العمل، وتطوير سوق المال، والجاهزية التكنولوجية، وحجم السوق، وتطوير الأعمال.
وفي هذا الإطار، بلغ عدد المستفيدين من التعليم ذي الطبيعة المهنية الصرفة، والذي يقوم على الاستجابة إلى حاجات سوق العمل، 492 ألف متدرب ومتدربة بنسبة زيادة بلغت 18 في المئة مقارنة مع 2015 - 2016 ، فيما بلغ عدد المُكوِّنين 20.335 تمثل النساء منهم 32 في المئة.

 

بعض المعاهد العامة المميّزة، هي حصراً للأغنياء لأنها تطلب معدلات مرتفعة فيُحْضر الاهل أساتذة خصوصيين حتى للمواد السّهلة، فيما العباقرة فقط من أبناء الفقراء هم من يستطيع الحصول على تلك المعدلات. أو هي بالأصل معاهد للأغنياء حصراً لأنّها تختص بمهن لا يسمع بها الفقراء، مثل السمعي/ البصري، والإحصاء الخ..

 

وفي محاولة أخرى لرأب صدع التعليم، لجأت حكومة بنكيران إلى إجراء لم يسبق له مثيل، هو التّعاقد مع أساتذة لحل مشكل النقص في الأطر المدرسية، بدلا من التوظيف الثابت. لكن هذا الانتقال من نظام التّوظيف إلى نظام التّعاقد، يطرح علامات استفهام كبيرة، ويؤشّر إلى غياب أي سياسة حقيقية في مجال هو العمود الفقري لكل المجالات الأخرى. وتفاقم عجز المغرب خلال العام الحالي تحديداً في مجال الأطر التعليمية، بسبب إحالة 12.369 معلّم على التقاعد، حسبما أعلنت وزارة التربية الوطنية. ووفقاً للإحصائيات الرسمية، وصل عدد المعلّمين في العام الحالي في المدارس المغربية إلى 210.367 معلّم. منهم 113.77 ألف معلّم ومعلّمة للتّعليم الابتدائي، و50.566 ألف أستاذ وأستاذة للتعليم الثانوي الإعدادي، و46.724 ألف أستاذ وأستاذة للتعليم الثانوي التأهيلي. والتحق بالمدارس في العام الحالي 9583 معلّما من خرّيجي المراكز الجهوية المهن للتدريب، بالإضافة إلى 11.000 أستاذ متعاقد.

 

[Media:6451]

 

فإذا كان مستوى التّعليم متدنٍ بآلياته السّابقة، التي كانت تعتمد على إقامة مباراة والتكوين لمدة سنة قبل التحاق الأساتذة والمعلمين بعملهم، فكيف سيكون حاله الآن بعد تنظيم مباراة تعاقد أجمع كلّ من خضع لها على سهولة الأسئلة التي مكّنت شباباً بمستويات ثقافية متوسّطة (على الرغم من حصولهم على إجازات) من ولوج المدارس العمومية كمعلّمين وأساتذة، من دون تكوين في التّعليم، باستثناء بعضهم ممن سبق له الخضوع لتكوينات سابقاً، أو سبق له العمل في مدارس خاصة. وكيف يقوم الأستاذ المُتعاقَد معه بتعليم عشرات التّلاميذ، وإعداد الدروس وشرحها لهم، فيما يفتقد للدراية بطريقة ذلك وبالمنهج المطلوب لإيصال المادة إلى متلقيها؟