-  قلتَ سابقاً إنك تريد تغيير وجهة نظر الناس نحو اللاجئين. ما الذي تطمح إليه من هذا الفيلم؟ ما الذي تريد تحقيقه؟
-  لقد كان تواضعاً منّي قول إنّني أريد تغيير الجمهور. ما أريد فعله هو تغيير العالم، لكنّ قدرتي على المناورة ليست جيّدة بما يكفي لذلك أعتقد أنّ عليّ الاكتفاء بتغيير أوروبا… سأبدأ بأوروبا ثمّ أمضي إلى آسيا.

 

هذه عينة عن الطريقة التي أجاب بها أكي كاوريسمكي على الأسئلة التي طرحت عليه في اللقاء مع الصحافيين بعد نيله جائزة أفضل مخرج في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم "الجانب الآخر للأمل" الذي يتحدّث عن " صاحب مطعمٍ يلعب البوكر، كان في السابق بائعاً متجولاً، يتصادق مع مجموعة لاجئين وصلوا حديثاً إلى فنلندا". السخرية من الذات مبدئياً، ومن العالم إذا لزم الأمر، ومن أوروبا تخصيصاً.
الفيلم هو الثاني في ثلاثية تغيّر اسمها خلال اللقاء نفسه من ثلاثيّة الموانئ إلى ثلاثية اللجوء. الفيلم الأوّل كان Le Havre الذي يحكي قصّة ملمّع أحذية فرنسي يقرّر مساعدة طفل من أفريقيا السوداء في الانضمام إلى بقيّة أفراد عائلته الذين وصلوا إلى بريطانيا، ويساعده في التحايل على المحقّق المكلّف بمكافحة الهجرة غير الشرعيّة مجموعة من أصحابه المعدمين مثله. تبسيطٌ لقضية شائكة. الطفل ممثّلٌ للاجئين

الأفارقة، والمحقّق ممثّل للسلطات المستشرسة، وملمّع الأحذية ممثّلٌ للفرنسيين الذين لم تجذبهم بروباغاندا كراهية الأجانب وهم بالتالي ما زالوا قادرين على التحرّك بدافع الطيبة الإنسانية. وفي الفيلم شخصيّة أخرى هي زوجة ملمّع الأحذية التي تصاب بمرضٍ عضال تشفى منه بعد وصول الطفل إلى أهله، ويمكن بذلك اعتبارها ممثّلة لفرنسا التي تحتاج إلى طريقة جديدة في التعامل مع الوافدين إليها على أنهم بشر وليسوا وباء لتحلّ شيئاً من أزماتها. هذا تفسير لـ Le Havre قد يجعله يبدو متفائلاً بسذاجة، لكنّنا نتحدّث عن فيلمٍ صنعه رجلٌ يعتبر أنّه لم يعد هناك أيّ أمل، لذلك لا داعي للتشاؤم. هذه الرؤية للعالم تطغى على  أفلامه التي يظهر فيها دائماً مجموعة من "الفشلة" وهم يتعاملون مع ما يواجههم من مشاكل دونما تفكير زائد ويصلون إلى حلولٍ ما قد لا تبدو منطقية. لكنّ هذا أحد مميزات هذه الأفلام: أنّها تعالج المواقف من الداخل والخارج معاً، وتظل الحياة فيها دائماً مفتوحةً على الصدف، القاسية منها والجميلة.

 

 

رغم هذه الرؤية العدمية، أو ربما بسببها، يستطيع كاوريسمكي أن يظهر قدراً كبيراً من التعاطف مع الآخرين، كما يستطيع أن يطرح رؤى إنسانويّة غير منغلقة. عندما سأله أحد الصحافيين إن كان يطمح من خلال فيلمه عن اللاجئين في فنلندا أن يعارض أفكار أحزاب اليمين المتطرف الصاعدة، كان جوابه أنّه يحاول من خلال الفيلم أن يجبر العدد القليل من الناس الذين سيدخلون القاعة على الاقتناع بأننا جميعاً بشرٌ متشابهون وأنّ أحد المشاهدين قد يكون هو اللاجئ في المستقبل.
ماذا عن أسلمة أوروبا؟ الإجابة: ادعاء عدم التقاط كلمة "أسلمة" واعتبار أنّ السؤال عن فريق كرة قدم. "لقد كان فريقاً جيّداً لكنّه حصل على المركز الثامن في بطولة العالم"، بعد ذلك يعود إلى الجدّية فيذكّر بالحرب العالمية الثانية، ثمّ يصرّح أنّه لا يرى أسلمة لأوروبا بل تغيّرا ثقافيا تحتاجه هذه القارّة التي باتت دماء سكّانها سميكة.
بين التهكّم من أوروبا وتوجيه الانتقادات لها والحديث عن أزماتها الفكرية والأخلاقية، استذكر كاوريسمكي تعامل الفنلنديين مع اللاجئين العراقيين على أنهم غزاة وسارقون، وغضبه من هذا التعامل الذي لم يتوقعه من أبناء بلده.. هو الذي رفض الذهاب لحضور حفل توزيع جوائز الأوسكار عام 2003 عند ترشح فيلمه "رجل بلا تاريخ" لأوسكار أفضل فيلم أجنبي اعتراضاً على غزو العراق. بعد أيام من حديثه مع الصحافيين جاء خبر مفاده أنّ 4100 عراقيّ موجودون في فنلندا ألغوا طلبات لجوئهم وقرروا الرجوع إلى بلدهم لأنّهم لم يعودوا يستطيعون تحمّل ثقل انتظار باقي أفراد أسرهم الذي تخلقه إجراءات "لمّ الشمل" المتلكئة، كما أنّ هناك منهم من قرّر المغادرة بسبب صعوبة التأقلم مع طبيعة الحياة في فنلندا. هذا أمرٌ لن يستغربه صديقنا لسببين، الأول هو أن اللاجئ السوري في فيلمه الجديد يظهر في إعلان الفيلم وهو يقول لصديق عراقي إنه سيكون شاكراً جداً له إذا دلّه على طريقة للمغادرة، أمّا السبب الثاني فهو أنّ أكي كاوريسمكي نفسه يقضي نصف السنة "لاجئاً" إلى البرتغال حيث يستطيع أن يرى ضوء الشمس الذي لا يراه في بلده!