أكدت تصريحات ترامب أثناء لقائه مع نتنياهو في البيت الأبيض، تسريباً سبقها: الإدارة الأمريكية ليست متمسكة بـ"حل الدولتين" ولا تعتبره شرطاً للسّلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. بل وصف ترامب التسمية ساخراً بـ"الماركة".
نتنياهو، الذي لا يحب هو الآخر هذه "الماركة"، وضع في ذلك اللقاء شرطين للسلام: أن يعترف الفلسطينيون بإسرائيل كـ"دولة يهودية"، وأن تحتفظ إسرائيل بالسلطة الأمنية الكاملة على الضفة الغربية: وهذا تنظيم للاحتلال بشكل "شرعي" باعتبار رضا أصحاب الحق الأصلي، وإعلان لنوع خاص من نظام الأبرتهايد، أو الفصل العنصري، يجعل الفلسطينيين في مرتبة أدنى بالضرورة وتعريفاً ومنقوصي الحقوق..
لقد تغير الخطاب إذاً، بشكل رسمي وواضح، ولحق بالوقائع القائمة: لا يوجد أصلاً دولة فلسطينية من الممكن إقامتها على أي مكان، حتى في الضفة الغربية التي هي نذر يسير من فلسطين ومن أماكن عيش الفلسطينيين، لأنّ الاستيطان نخر كل شيء هناك، وبقيت جزر فلسطينية مبعثرة، أبرزها رام الله. الاستيطان يقوم في قلب مدينة الخليل مثلاً جنوب الضفة وفي ضواحي نابلس شمالها، وبالطبع هو نشط داخل القدس الشرقية. وهذه "باندوستانات" معزولة، أماكن سكن مكتظة للفلسطينيين، تسيّجها الطرق الأمنية والمستوطنات والجدار. وأما قضم أراضي

المزارعين الفلسطينيين فنشط، هذا إن لم يُشَر إلى مليوني فلسطيني محاصرون في قطاع غزة، وإلى ملايين اللاجئين في الشتات.

 

لا يوجد أصلاً دولة فلسطينية من الممكن إقامتها على أي مكان، حتى في الضفة الغربية التي هي نذر يسير من فلسطين ومن أماكن عيش الفلسطينيين، لأن الاستيطان نخر كل شيء هناك، وبقيت جزر فلسطينية مبعثرة ومعزولة

 

بالمقابل، يقضي هذا الموقف الأخير على تجارة راجت منذ "أوسلو" ثم "الرباعية"، ونشأت على أساسها "السلطة الفلسطينية" وازدهرت بكل معاني الكلمة، وهي كانت الشكل المناسب حينها لإدارة الفلسطينيين تحت الاحتلال. وقد استُخدم مبدأ "حل الدولتين" للتغطية على الممارسات الجارية في الواقع والتي كانت تؤشر بوضوح إلى وجهة أخرى. وبكل خداع، راحت دبلوماسيات العالم كله تذكر "الماركة" وتعلن التمسك بها كبوصلة، وهي هكذا كانت تبرئ نفسها من تهمة دعم ومساندة احتلال شرس، وكذلك تعفي نفسها من التعامل مع الواقع، محاباة لإسرائيل أو جبناً أمامها. كان ذلك تواطؤاً على ترويج الوهم. ويكفي بهذا الصدد الاطلاع على التقرير السنوي للقناصل الأوروبيين في القدس الذي يُحجب عادة عن النشر، ولكنه يقول تكراراً هذا كله وينقل فظاعة ما يجري.
 كان العالم يعرف ويسكت مموِهاً معرفته تلك بالقول أن الواقع ذاك مؤقت، وأن هناك "سيرورة". وها قد انتهى ذلك!

 

يكفي الإطّلاع على التقرير السنوي للقناصل الأوروبيين في القدس الذي يُحجَب عادة عن النشر، وهو ينقل فظاعة ما يجري. كان العالم "يعرف" ويسكت مموهاً معرفته تلك بالقول أن ذلك الواقع "مؤقت"

 

بالطبع، تكوّنت في ذلك السياق مصالح ووضعيات (محلية فلسطينية ودولية كذلك) سيكون تفكيكها أو إعادة تدويرها عملاً شاقاً. ولكن المهم ليس هذا، بل إدراك أهمية الإعلان هذا وتحديد تصور للتعامل معه. ولا يكفي أنْ يقال أنّ الحل هو "دولة واحدة"، فهذا غير متاح اليوم إلا كخضوع لدولة إسرائيل العنصرية. وليس التهديد بالانفجار كافياً، وهو على أية حال لا يعفي من المهمة الوطنية الأكثر إلحاحاً اليوم أكثر من أي وقت مضى: تعيين الإطار المشترك والتوافقي الذي يَنْظم التصور الفلسطيني عن المطلوب والمُتبنّى. الآن، الفلسطينيون يقفون أمام الضرورة الوجودية لإجراء خيارات، حتى لا يجدوا أنفسهم مهجرين بشتى الطرق (الحلم الإسرائيلي!) أو راضخين لنظام الفصل العنصري..