"نريد دولة العدالة والمساواة فهل هذا كثير علينا؟"، "الغلاء يلتهم أحلام البسطاء: راقبوا التجار"، "التاجر الوزير، الوزير التاجر: صنع في سلطنة عُمان"، "يسقط الفساد"، "حاكموا الفاسدين من الوزراء والمسؤولين"، "اعتقلوا قراصنة الحرية لتتحسّن أوضاع الشعب العُماني".

لم تكن تلك فحسب، بعض من شعارات رفعتها الحشود العمانية المحتجّة في مطلع العام  2011 وحتى منتصف أيار/مايو من العام نفسه، بل كانت ولا زالت تعبير دالّ على واقع حال الإنسان والدولة في عُمان: الإنسان الذي يتزايد قلقه من المستقبل المجهول، والدولة الواقعة تحت سيطرة الدائرة الاقتصادية ذاتها، بكل شبكاتها ومصالحها الممتدة، والتي تسبّبت بانفجار الأزمات وتعميق الإشكال.. فكيف لها أن تكون جزءاً من حلٍ مستدام يُذلل الفوارق الاجتماعية التي وجدت منذ ميلاد الدولة العمانية المعاصرة قبل خمسة عقود.
يبدو النمو الذي أحرزته عُمان على مستويات التنمية البشرية مهدداً أمام العواقب المعروفة لسياسات السيطرة والاحتكار، التي أخّرت تحقيق عدالة اجتماعية راسخة تُجنِّب البلاد أزمات كان بالإمكان تقليل أخطارها بتبني بدائل تعمل على تأصيل مفهوم مواطنة قائم على تكافؤ الفرص والمساواة، والتمتع المنصف بالثروات والخيرات الوطنية، والمشاركة

الفاعلة في ممارسة الحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية، وحماية الحريات الفردية والعامة.
 

فوارق متزايدة بمقابل عدالة متراجعة

 

لا يمكن لتفاوتات الفوارق الاجتماعية أن تتقلص في مجتمع من المجتمعات، ما لم تُستثمر الثروة والسلطة لتأمين رخاء إنساني مستدام. وهو استثمار يُناهض أغلب أشكال التفاوت القائمة على الامتيازات، والمتكئة على شبكات التمييز المتناسلة رأسياً وأفقياً.. ويُشيع بديلاً عنها: سلوكيات تكافؤ الفرص، النابعة من الجهد والإنتاج، والمدعومة بقيم المساواة والإنصاف والتضامن والتكافل. كما أن الفوارق الاجتماعية ليست بالثابت العصي على التغيير والتحول، كما توضح ذلك تجارب التاريخ. على العكس تماماً، فهذه الفوارق تكون أكثر تفاعلاً حسب انتفاء أو بقاء العلّة: الفساد في إدارة الثروة والاستبداد بتسيير شؤون السلطة. ولكي تتقلص الفوارق الاجتماعية بين الطبقات والمجموعات البشرية يفترض أن تكون مؤسسات الدولة والمجتمع متحرية بأقصى جهدها لسبل تطبيق الإنصاف، وضامنة لكفاءة هذه الوسائل والإجراءات وتجددها لبلوغ العدالة الاجتماعية، والتي تتطلب اتساقاً واستقراراً للعديد من المفاهيم.
 في عُمان، يحفل النظام الأساسي للدولة، الذي يُعد بمثابة الدستور (والصادر على شكل "منحة" من السلطان في العام 1996) بتكرار لفظة "العدل" و"العدالة" و"المساواة"، سواء في ديباجته أو عبر مبادئه أو بنوده. فعند عرض المبادئ السياسية للدولة تطالعك الصياغة التالية: "إقامة نظام إداري سليم يكفل العدل والطمأنينة والمساواة للمواطنين، ويضمن الاحترام للنظام العام ورعاية المصالح العليا للوطن". وتأتي في طليعة المبادئ الاقتصادية عبارة "الاقتصاد الوطني أساسه العدالة ومبادئ الاقتصاد الحر، وقوامه التعاون البناء المثمر بين النشاط العام والنشاط الخاص، وهدفه تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما يؤدي إلى زيادة الإنتاج ورفع مستوى المعيشة للمواطنين.."، كما ترى هذه المبادئ أن "الضرائب والتكاليف العامة أساسها العـدل وتنمية الاقـتصاد الوطني". أما المبادئ الاجتماعية الواردة في هذه الوثيقة فيتصدرها "العدل والمساواة وتكافـؤ الفرص بين العمانيين دعامات للمجتمع تكـفلها الدولة". ثم تأتي المادة 17 من هذا النظام لتنصّ على أن "المواطنون جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو المذهب أو الموطن أو المركز الاجتماعي".



لا توجد عدالة اجتماعية بدون نمو اقتصادي، لكن بإمكاننا أن نشهد نمواً اقتصادياً لا تواكبه عدالة اجتماعية. وكمثال فهناك تباين كبير، يصل إلى ثلاثة أضعاف، بين نصيب الفرد العماني من إجمالي الدخل القومي وبين مستوى دخله الحقيقي
 


هذا على مستوى النص الأعلى في هرم التشريعات العُمانية. أما فيما يتعلق بشأن واقع الحال، فإن الأمر يكشف عن اختلافات واختلالات جديرة بالتحليل وطرح التساؤلات. ولعل أبرز هذه التساؤلات: هل ما حدث، ويحدث في عُمان أقرب للعدالة الاجتماعية أم هو لا يتعدى اجتهادات من قِبل السلطة المركزية الحاكمة لإدارة البشر ومواردهم الطبيعية وثرواتهم العامة وفق معادلة اجتماعية تكفل حداً معقولاً من الوئام الاجتماعي والتنمية النسبية؟
 

متوالية الفساد واحتكار القلة

 

لقد أوضحت الحقبة التي سبقت الربيع العربي وما تلاه من عواقب، أنه لا توجد علاقة تلقائية بين تحقق عدالة اجتماعية وتحقيق معدلات نمو اقتصادي عالية. فلا توجد عدالة اجتماعية بدون نمو اقتصادي، لكن بإمكاننا أن نشهد نمواً اقتصادياً لا تواكبه عدالة اجتماعية. ما حدث لمصر وتونس مثالين واضحين على تحقيق النمو وعدم تحقق العدالة. لأن النمو الاقتصادي ليس أكثر من وسيلة لتمكين الإنسان من التمتع بحياة طويلة وصحية وخلاّقة تساهم في تحقيق استقراره ورخاءه. هذه الوسيلة تحتاج بالضرورة إلى إرادة سياسية منحازة للعدالة الاجتماعية، وتُظهر انحيازها هذا في مؤسسات مستقلة ومتعاونة، تمارس أقصى درجات الشفافية ومكافحة الفساد، في داخلها وعبر علاقاتها مع بقية مؤسسات الدولة، كل ذلك لتأمين الخيرات والمنافع العامة للفئات الأكثر فقراً وتهميشاً في المجتمع.
هذا الفساد الذي ينتج عن "الافتقار إلى الحياد في الحكم"، ويتضح عبر استخدام الأموال العامة والسلطة الحكومية بطرق تؤثر سلباً على الرخاء الإنساني.
يقع المواطن العُماني اليوم تحت ضغوط اقتصادية متزايدة، فمستوى دخله لا يتناسب مع مستويات التضخم المتصاعدة، ويواجه عدم عدالة في توزيع الدخل. هناك تباين كبير بين نصيب الفرد العماني من إجمالي الدخل القومي وبين مستوى دخله الحقيقي، يصل إلى ثلاثة أضعاف. كما تُظهر الإحصاءات تجاوز عجز موازنة البلاد 4.8 مليار ريال عماني (الريال يساوي 2.6 دولار أمريكي). أما قطاع التشغيل فيشهد "تشوهات هيكلية"، وتراكمات مؤجلة نتيجة سياسات لم تُحسن استثمار "الهِبة السكانية" التي تتمتع بها البلاد، خاصة وأن أكثر من نصف عدد السكان من الشباب في مرحلة العمل والعطاء1. فالبطالة من إجمالي عدد السكان تجاوزت 8 في المئة، وبين أوساط الشباب تعدّت 20 في المئة2.
 

 بعد الربيع العربي، انسحبت أعداد كبيرة من المواطنين من القطاع الخاص ومن مقاعد التعليم للظفر بالفرص المعروضة وبالرواتب الآمنة، وجُلها كان في القطاع العسكري والشُرَطي. كان ذلك حلاً سياسياً مؤقتاً يمثل عبئاً على الموازنة العامة وهو ليس حلاً اقتصاديا وطنيا مُنتجا، إضافة إلى الكِلفة الباهظة لعسكرة المجتمع وتجميده في الثكنات
 


سياسة "التعْمين" أو توطين الوظائف لم تتمكن بأكثر من نسبة 13 في المئة في القطاع الخاص. لأن 95  في المئة من الشباب يفضلون الوظيفة الحكومية على سواها، على الرغم من أنهم يعتقدون أن الحصول على هذه الوظيفة يخضع للواسطة والمحسوبية، وفق دراسة رسمية أعدّها "المركز الوطني للإحصاء والمعلومات" ، مع تعطيل 4 أو 5 سنوات من أعمارهم ومن قوة الإنتاج الوطني في البحث عن عمل. في المقابل، يقترب عدد العمالة الأجنبية في البلاد من المليونين عامل أغلبهم في مستويات تعليمية منخفضة (بين أمّي ويقرأ ويكتب فقط)، مما يؤثر على المهارة وجودة الإنتاج، المحدود أصلاً.
كما أن القرارات اللحظية باستيعاب القوى العاملة الوطنية والتي استخدمتها السلطة لامتصاص تمدد الاحتجاجات الغاضبة في مطلع العام 2011، عمّقت تأزم سوق العمل على المستوى الجذري. فقد انسحبت أعداد كبيرة من المواطنين من القطاع الخاص (الصناعي والحِرَفي على وجه الخصوص)، بل ومن مقاعد التعليم النظامي (المتوسط والثانوي والعالي) للظفر بالفرص المعروضة وبالرواتب الآمنة. غير أن جُل فرص التوظيف التي عُرضت ــ وما زالت ــ كانت في القطاع العسكري والشُرَطي، وهو ما يعني حلاً سياسياً مؤقتاً وعبئاً مُعقداً على الموازنة العامة أكثر مما هو حل اقتصادي، يساهم في إضافة حقيقية في اقتصاد وطني مُنتج. إضافة إلى الكِلفة الباهظة لعسكرة المجتمع وتجميده في الثكنات بدلاً من تعليمه وتشجيعه على الحياة المدنية بفضاءاتها الحُرة والمفتوحة على الوعي والثقافة.


يجري تحفّيز نمو نشاطات طفيلية وتوسعها، كالبطالة المقنعة في المؤسسات الحكومية، والاتجار بتأشيرات القوى العاملة الأجنبية، وشيوع المحسوبيات، والإثراء من الأراضي والعقارات التي تقوم السلطة بتمليكها لخاصتّها والمقربين منها



كبقية بلدان دول الخليج العربية الأخرى، تنامت في عُمان ظاهرة نوع من "رأسمالية الدولة" التي تتميّز بسيطرة فئة مقربة من السلطة على أغلب عناصر الإنتاج التي تتمركز جغرافياً في منطقة العاصمة، مسقط، وتتمدد حسب مصالحها ومحاصصاتها الاجتماعية والاقتصادية في بقية المناطق والمدن كصحار وصلالة وصور ونزوى. سيطرت هذه الفئة على الاقتصاد بطرق قانونية بحكم تغولها في مفاصل صنع القرار وتشكيلها لأغلب التشريعات الناظمة للاقتصاد الوطني. كما هي حسمت باكراً الاستحواذ على "التوكيلات الكبرى" في قطاعات النفط والغاز والخدمات والاستيراد والتصدير والسلع المعيشية الأساسية. الأمر الذي شكّل  إقصاءً اجتماعياً واضحاً بسبب "احتكار القلّة" الذي يُعدّ أبرز سمة يوصف بها القطاع الخاص في عُمان. فحينما تقلّد السلطان العرش عام 1970، ظهرت بضع عائلات لا يتجاوز عددها أصابع اليد وبسطت سيطرتها الاقتصادية على مجمل الموارد الطبيعية، متخذة من سلطات الدولة المتنفذة غطاءً آمناً للحفاظ على احتكارها وتمدد سيطرتها.. وعندما تطوّرت مقدّرات الاقتصاد العماني واتّضحت معالمه، بدأت هذه العائلات في توسيع نطاقها التجاري لتلبية المتطلبات المتنامية للدولة وللمستهلك العماني.. وعليه، بسطت نفوذها وتمكنت من التحكّم بتكتّلات لها قدرة على تشغيل مجموعة واسعة من القطاعات. كما يتضح أثر هذه القلة المحتكرة في السيطرة على أغلب مناقصات الدولة ومشاريعها التنموية، وتملّكها للأنصبة الأكبر في الشركات الحكومية وإدارتها، علاوة على أنها تقوم بتدوير "لوبيات" بيروقراطية تابعة لها في مختلف أجهزة الدولة التنفيذية.
أما بشأن توزيع الاستثمارات المعتمدة للوزارات المدنية في الموازنات العامة والخطط التنموية، فقد استحوذت محافظة مسقط، العاصمة، على النصيب الأوفر من هذا الإنفاق، وبأنصبة أقل على بقية المحافظات والمناطق. كما شكّل هذا التفاوت اختلالاً ملموساً على مستوى الخدمات، ظهر في ازدياد النزوح السكاني إلى مسقط، والضغط على الخدمات المتوفرة فيها وكفاءة تشغيلها وصيانتها. وقد أظهرت نتائج دراسات رسمية "أن سكان القرى أقل قدرة بشكل واضح من سكان الحضر في الوصول إلى الخدمات العامة.


 المجالس البلدية صُوَرية وغبر قادرة، بفعل نصوص تشكيلها وتكوينها، على اتخاذ أي قرار وتطبيقه وتوفير المخصصات المالية اللازمة لتنفيذه إلا بعد الرجوع الى الأجهزة المركزية في العاصمة والاعتماد عليها

 

كما أن متوسط استهلاك الأسرة أعلى في الحضر عن نظيره في القُرى العُمانية"3. زاد على ذلك مركزية صنع القرار الذي تتحكم به الوزارات والأجهزة الرئيسية، والتي تتخذ من العاصمة مقراً لها، ومحدودية التفويض الممنوح للمكاتب والمديريات المتوزعة في كل محافظة ومنطقة. إضافة إلى صُوَرية المجالس البلدية وعدم قدرتها، بفعل نصوص تشكيلها وتكوينها، على اتخاذ أي قرار وتطبيقه وتوفير المخصصات المالية اللازمة لتنفيذه إلا بعد الرجوع والاعتماد من الأجهزة المركزية في العاصمة. هذا الواقع أثّر بشكل جذري على انحسار الصناعات التقليدية، ومصادر الرزق الأولية، والتي كانت القرى والأرياف حواضنها الآمنة ومنابعها المستقرة منذ القدم كالزراعة وصيد الأسماك وحرف الدباغة والنسيج والفخاريات وصياغة المعادن المختلفة وغيرها. فعلى سبيل المثال تراجعت معدلات نمو أنشطة الزراعة والأسماك في الناتج المحلي الإجمالي إلى 9.7 في المئة في العام 2015 مقارنة ب15.7 في المئة في العام 2013، وكذا الحال في شأن الصناعات التحويلية التي تراجعت إلى  ناقص 13.4 في المئة بعدما كانت معدلات نموها 4.3 في المئة من الفترة نفسها4. فغالبية السكان هجروا هذه الصناعات الأساسية في اقتصادهم لصالح الوظائف الحكومية التي عطّلت القدرات الإنتاجية والمهارات الأساسية، ليس بين أوساط الجيل الشاب فحسب بل وبين أهل المهن والحرف المَهَرة أنفسهم، لأن هذه القطاعات ليس باستطاعتها مجاراة قطاعات النفط والمقاولات والمضاربات المالية، مما أدى الى نشوء أزمات اقتصادية متواصلة، وحفّز نمو وتوسع نشاطات طفيلية، كالبطالة المقنعة في المؤسسات الحكومية، والاتجار بتأشيرات القوى العاملة الأجنبية، وشيوع المحسوبيات، والإثراء من الأراضي والعقارات التي تقوم السلطة بتمليكها لخاصتّها والمقربين منها، وقبل ذلك، ربط حياة الناس وأرزاقهم بمركزية السلطة: هي من تقرر زيادة مستوى معيشتهم، وهي من تتحكم بقدراتهم وحراكهم الاجتماعي والسياسي والفكري والاقتصادي.
من نافلة القول تكرار أن الإنفاق الحكومي في اقتصاديات الدول الريعية يُعطي انطباعاً مضللاً عن حقيقة الواقع، فهو يُظهر الرخاء والازدهار في العموميات بينما تزداد في الميدان حدّة الفوارق الاجتماعية والتفاوتات الطبقية، خاصة في الدخل ومستويات الغنى والفقر. فالهوة تتسع بين الغنى المفرط والفقر النسبي، ولا يمكن تحسس ذلك في ظل الإنفاق الحكومي الذي يوفر السلع الاستهلاكية المستوردة، ويرفع مناسيب الرواتب المتأتية من احتكار وإدارة المورد الوحيد للدخل.
إن مسألة الفوارق في الدخل قد لا تكون بالضرورة ناجمة عن استغلال البشر، وبالتالي لن تؤدي بالضرورة إلى تنشيط حركات التغيير الاجتماعي لإحداث تغيير جذري يُحسن من مستوى حياتها لأنها، أي هذه الفوارق، قد تكون ناتجة من طرائق استغلال الموارد الطبيعية لا استغلال الموارد البشرية. وبإمكان الدولة الريعية أن تستخدم هذه الوسيلة بكل نجاح وكفاءة، إذ بمقدورها إعطاء الانطباع للجميع بحصولهم على حصص أكبر، لكن بقرار حكومي، وهذا ما حدث بالتحديد أثناء احتجاجات الربيع العُماني. الأمر الذي يمنح السلطة قدرة على البقاء واحتواء كل محاولات التغيير القادمة من القواعد الشعبية، والتي عادة، في مثل هذه الأوضاع، مسيطر عليها تماماً، وقد تم تحييد قدراتها التنظيمية المستقلة منذ فترة طويلة. لذا، لن يكون هناك نقاش جاد ومتكافئ حول المستقبل طالما السلطة المركزية مستحوذة على الموارد الطبيعية، وتديرها لصالح بقائها أكثر من استثمارها في استدامة تنمية المجتمع والدولة.

 

في البدائل

 

يبدو أن راهن العدالة الاجتماعية في عُمان يعاني من ثقل تراكم سياسات قديمة، متشبثة بالسيطرة والتحكم، لا تريد أن تعترف بخطئها، كما لا يبدو عليها قبول مغادرة المشهد بسهولة، والسماح لجيل جديد بأن يُقوّم بعض الاعوجاجات الهيكيلة والبنيوية من أجل عدالة اجتماعية تمهد لتنمية حقيقية وإصلاح ناجز. يتطلب الأمر فهماً أوسع  لقيمة العدالة الاجتماعية، وعلى جميع الصعد، يُدرِك فيه الجميع أهمية أن يعيش الإنسان بكرامة وعدالة مستدامة. كما ينبغي على الدولة أن تتجاوز استخدام العدالة الاجتماعية كشعار سياسي تلوكه وسائل إعلامها ومنصات دعاياتها الآنية، إلى برنامج عمل تتبناه مؤسساتها، وترعاه قياداتها، ويحرسه الشعب بأجهزته الرقابية والمحاسبية اليقظة. إن البديل الاقتصادي المُجرّب لعلاج هذه الحالات يستوجب بالضرورة الرهان على الإنسان، والاستثمار الفعّال في تعليمه وتنمية معارفه وصقل مهاراته، وتمكينه من إدارة عناصر إنتاجه. أي تأصيل حقه في أن يكون هو مصدر جميع السلطات وهي في خدمته ورعايته. لأن سياسات الإقصاء لم تُنتج يوماً إلا مؤسسات سياسية واقتصادية نهّابة، تحمي شبكات الثراء المتحالفة مع السلطة السياسية دون الاكتراث للإنسان ولا للمصلحة العامة للمجتمع. وعلى المؤسسات التي تستمد سلطتها من الشعب، بعد ذلك، أن تعمل جاهدة لضمان توسيع الفرص وتكافئها أمام الجميع، وتعمل على مكافحة الاستغلال وتنمية الاستقلال، وعلى مكافحة الإقصاء وتعزيز التمكين. كما تحرص على صياغة نظام ضريبي مرن يُذلّل الفجوة بين الثروة والدخل، ويؤطر هذه الجهود بأنظمة حماية اجتماعية آمنة للتعليم، والرعاية الصحية، وتأمينات ما بعد الخدمة، والالتزام بكل هذه الأنظمة وتنمية أصولها لكفالة الحياة الكريمة ولاستدامة الرخاء الإنساني.
 

 

1 - الكتاب الإحصائي السنوي أكتوبر 2015، الإصدار رقم 43 المركز الوطني للإحصاء

2 - انظر تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي- أكتوبر 2014

3- عُمان: تقرير التنمية البشرية 2003، وزارة الاقتصاد الوطني، ص 75-79.

4- من الكتاب الإحصائي السنوي 2016، يوليو 2016، المركز الوطني للإحصاء والمعلومات.