شكلت الأفلام التي تنتمي لتيار الواقعية السينمائية جزءاً أساسياً من إرث مصر السينمائي وهو الأضخم في العالم العربي. تنحسر اليوم أفلام الواقعية التي تستلهم حياة الناس وترصد قضايا المجتمع في مصر، وتزداد مساحة الرقابة لنظام يتباهى كل يوم بإحكام قبضته وتبرير القمع وتسويقه على أنه "حماية للوطن".

***


في كانون الثاني/ يناير 1896، وفي مقهى "زواني" بمدينة الإسكندرية، كانت مصر على موعد مع سحر السينما منذ انطلاقه،  حيث جرت فعاليات ثاني عرض سينمائي في العالم، بعد أن تمّ العرض الأول قبلها بشهر واحد في العاصمة الفرنسية باريس. ومنذ ذلك التاريخ، ارتبط المجتمع المصري بالسينما، التي صاحبت على مدى كل هذه السنين تغيراته وتقلباته العديدة، وعبّرت عنها، وأرّخت لها في أحيان كثيرة.

وفي بلد مثل مصر يعصف بالمتقلبات والمتغيرات على كافة المستويات، ازدهر وتطوّر اتجاه "الواقعية السينمائية"، وهي مدرسة سينمائية تتعامل مع القضايا التي تشغل حياة الناس، ترصد حيواتهم اليومية، وتحاول تحليل مشاكلهم ومعاناتهم، وتفاصيل "حواديتهم" الإنسانية.. كان المصريون بحاجة لسينما تعكس ما يعانون منه، خاصةً أبناء الطبقة المتوسطة والطبقات الأكثر

فقراً. والسينما التي أساسها الحكاية، ورحيق جمالها التفاصيل الحيّة، لم يفوّت صناعها المصريون فرصاً ثمينة منحهم إياها الواقع المصري. على سبيل المثال، يمكننا تتبع سيرة جيل من الأساتذة المخرجين في خمسينات وستينات القرن العشرين، أقاموا أسس هذه المدرسة السينمائية، مثل صلاح أبو سيف وتوفيق صالح وهنري بركات وكمال الشيخ ويوسف شاهين.. ثم جاء أبناء مدرسة "واقعية الثمانينات"، محمد خان وداود عبد السيد وخيري بشارة ورأفت الميهي وعاطف الطيب.. ليستكملوا ويُطوّروا ما بدأه الرواد. وتعلق معظم أبناء الجيل الذي ولد بعد ذلك بفن السينما من خلال مشاهدة أفلام واقعية الثمانينيات، فكانت لهم أحد أهم روافد تكوين وعيهم، وطرح أسئلة الواقع ومشاكله وأزماته.

زمن استقرار الأموات

بدأت سينما الواقعية في الانحسار منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، ولم يظهر خلال هذه الفترة مخرج جديد يمكن تصنيف أفلامه ضمن هذا التيار بشكل جاد، سوى المخرج شريف عرفة، وهذا على الرغم من بعض المحاولات هنا وهناك. وأما الأسباب فمتعددة، ومنها أنه من المتعارف عليه ألا يتحمس أي منتج سينمائي لتمويل فيلم يحمل اسم مخرج جديد إلا لو كان مصحوبا بترشيح ممثل من نجوم الصف الأول، "نجم شباك" كما يقال، وهو الدور الذي لعبه عن وعي الممثل الراحل نور الشريف في مطلع ثمانينات القرن الماضي، حيث كان بطل "الفيلم الأول" لثلاثة من مُخرجي مدرسة "واقعية الثمانينات"، فقام ببطولة أول فيلم لمحمد خان، "الرغبة"، وأول فيلم لعاطف الطيب، "الغيرة القاتلة"، وأول فيلم لداود عبد السيد، "الصعاليك".. وكان بدا عرّاباً يفتح الطريق لمعظم أبناء هذا الجيل الفذ من المخرجين.
 

يُلاحَظ أن جيل الشباب من أبطال السينما الحاليين في مصر، الذين سطع نجمهم مع مطلع الألفية الجديدة، لم يقْدِم أيٌّ منهم على تحمل عبء تقديم مخرج جديد ذي رؤية، كما فعل نور الشريف في زمانه مثلا.


كان نور الشريف يمتلك وعياً وثقافة وعيناً خبيرة استطاع من خلالها أن يؤمن بموهبة هؤلاء المخرجين الشباب في حينها، ويسعى لتقديمهم للمنتجين ومن ثَم للجمهور. ويلاحَظ أن جيل الشباب من أبطال السينما الحاليين في مصر، الذين سطع نجمهم مع مطلع الألفية الجديدة، لم يقْدِم أيٌّ منهم على تحمل عبء تقديم مخرج جديد ذي رؤية. والأمر يتجاوز طباع الأشخاص، فنور الشريف هو ابن حقبة الخمسينات والستينات التي كان المجتمع فيها لا يزال محمولاً بطموحات الحياة، يقرأ الكتب ويشتبك مع واقعه..

ولكن الانحسار مستمر، فعلى الرغم من كل شيء، حرص نظام مبارك على منح بعض مساحات الحرية في مجالات الفن والصحافة لتسويق نفسه خارجياً كنظام يدعم الديمقراطية، ويقبل النقد ويشجع الإبداع (بغض النظر عن زيف هذا الإدّعاء..). وهكذا وجد مخرج مثل عاطف الطيب فرصة لتقديم أفلامه الجريئة سياسياً، مثل "ضدّ الحكومة" و"البريء" و"الهروب" التي طرح من خلالها قضايا الفساد وانتهاك الحريات.. صحيح أن بعض المشاكل واجهته، لكن على الأقل لم يتمّ اعتقاله، عندما قدم عنوان فيلمه "ضد الحكومة" لهيئة الرقابة!


من أسباب تردّي حال السينما اليوم أن جيل المخرجين الجدد لم يتلقوا من التعليم في "معهد السينما" ما يؤهّلهم للإلمام بأصول الإخراج، وكذلك احتقاره اجمالاً، فبحسب رئيس البلاد: "يعمل إيه التعليم لوطن ضايع؟".  
 

ويقول أحد صُنّاع السينما المصرية المعاصرين أن من بين أسباب تردّي حال السينما اليوم هو أن جيل المخرجين الجدد لم يتلقوا من التعليم في "معهد السينما" ما يؤهّلهم للإلمام بتفاصيل وأصول حرفة الإخراج، وما يجعلهم جاهزين للإبداع والاشتباك مع واقعهم من الأساس، بينما تعلم أبناء جيل "واقعية الثمانينيات"، وأثقلوا معرفتهم الفنية في وقت كان لا يزال التعليم في مصر يُؤخَذ على محمل الجد. ومؤخراً أعلنت اليونسكو رسمياً أن مصر خارج التصنيف العالمي لجودة التعليم. وأمّا رئيسها فيسأل ساخراً: "يعمل إيه التعليم لوطن ضايع؟"، وأما كُتّابه وإعلاميوه فيلعنون يومياً الديمقراطية علناً في البرامج والصحف، ولا يكفّون عن استحضار "القبضة الحديدية" التي يرغبون بالضرب بها فوق  كل من يتطاول على الدولة باسم الديمقراطية أو حرية الرأي أو حتى الفن. وتعتبر السُلطة الحديث عن أزمات "واقعية" مثل الفساد والانهيار الاقتصادي وتجاوزات الأمن وانتهاك حقوق الإنسان.. خيانة للوطن. لذا تصبح أفلام الواقعية مغامرة خطيرة على كلّ أصحابها، ويصبح المستعدون للإقدام عليها "فدائيون" وليس أقل..