يعيش المواطن العربي، في المشرق والمغرب، رهينة أنظمة عاجزة في دول التاريخ، أو أنظمة أغنى مما يجب في الدول الطارئة التي اصطنعها النفط والغاز، وغالباً من دون شعوب.. وفي ظل حمايات دولية أساسها بريطاني ووريثها أميركي يستبطن العدو الإسرائيلي.
    اندثرت الحركة الشعبية أو تكاد، في معظم الأقطار العربية التي تعاظم الأغنى منها فكاد يتحوّل إلى إمبراطوريات بمطامع معلنة وشهية مفتوحة لابتلاع الدول العريقة ذات التاريخ (السعودية واليمن، مثالاً).. بينما توارت الدول ذات الدور التاريخي في صنع الحضارة الإنسانية وذات الحق الشرعي في قيادة الأمة، بجدارتها وقدرات أهلها وكفاءاتهم علمياً وثقافياً وخبرة وكفاءة في صنع الغد الأفضل.
    قضت "السلطة" على أحلام التغيير، وأخذت أوهام الصلح مع العدو، وهو خيانة مطلقة، بعض حكام المصادفة، إلى لعب أدوار تتجاوز حقّ الأمة وقدراتهم. تصاغر الكبار فعظّم الصغار أحجامهم بالذهب وتصدوا للقيادة فلم يستطيعوا تقزيم الأمة، وافتضحت مطامعهم وتهاوت جيوشهم مع المرتزقة الذين جاءوا بهم من الشرق وشرق الشرق والغرب، وداروا يبحثون عن "وسطاء" و"ضمانات" لما بعد الحرب الظالمة، مدمِّرة الحضارة الأولى في التاريخ العربي.
    .. وكانت الانتفاضة الشعبية العارمة التي أطلت تباشيرها من تونس وبلغت ذروتها حشداً ومجداً ووعدا هادراً بالتغيير في الميدان بقاهرة المعز.. قبل أن تتكاتف لمحاصرتها القوى المعادية للثورة الآتية من الماضي والآخذة إليه، فكانت الانتكاسة التي بررت للعسكر أن يعود لمصادرة الميدان باسم طرد الإخوان من السلطة..
    ثم ضُربت الانتفاضة السلمية في سوريا بتحويلها إلى ثورة مضاءة بالسلاح، بينما عجز النظام عن استيعاب المطالب الشرعية بضرورة التغيير والتقدم نحو الغد بالشعب لا بالارتداد إلى حكم رأس المال وأهله.
    في حين كان العراق، الخارج من دكتاتورية صدام حسين إلى الاحتلال الأميركي، يحاول استعادة وحدته والتعرف إلى طريقه نحو غده، وسط صراعات سياسيي المصادفة من الآتين من خارج تاريخ نضال شعبه الطامعين بنهب ثرواته بحماية الأجنبي، شرقياً وغربياً.
        لكن هذه حالة طارئة لا يمكن أن تستقيم أو تدوم..
    وها أنّ دول الرمل والذهب تكاد تنزف ثرواتها وهي تقاتل ضدّ حق الشعوب في التحرر وفي السيادة والاستقلال، فتقتحم اليمن ثم تتوه عن طريق الخروج، وتكاد تطلب النجدة قبل أن تخسر مع الثروة ملكها الذي قام بالسيف وقد فقد شرعيته المنقوصة أصلاً.
    إن الغد قادم، لا محالة، والشعوب هي صاحبة الحقّ في صياغته بما يتلاءم مع تطلعاتها وآمالها وقدراتها وحقها المشروع في بناء غدها.
نحن نعيش آخر ليالي الظلمة.. والفجر في الطريق.
... ونحن على الطريق.