على بعد بضعة أمتار من قصر باردو الذي يأوي البرلمان والمتحف الوطني التونسيين، يوجد قصر آخر يقِلُّ شهرة عن بقيّة قصور البايات في الإيالة العثمانيّة القديمة، لكنّه يُضاهيها ثراءً وعمقاً تاريخِيًّاً . إِنّهُ "القصر السَّعيد" الذي شُيِّد أوَائل القرن التَّاسع عشر بأمر من اسماعيل السني، صهر الصّادق باي وأحد وزرائه، الذي أقام به حتى إعدامه عام 1867 بتهمة الخيانة العظمى.
وقد عرف القصر تحوُّلاتٍ عديدة جعلت منه قصراً للصادق باي، الذي أطلق عليه اسم "القصر السَّعيد" قصد مَحْو صورته التي ارتبطت لدى العامة بالوزير الخائن، فمستشفى. وقد راجت خلال ستيِّنات القرن الماضي نوايا في تحويل القصر إلى متحف للفنّ المُعاصر، لكِنَّ الفكرة لم تجد طريقها للتحقُّق، لتبقى بذلك أبواب ثاني قصور البايات في تونس موصَدَة طيلة سنوات... إلى أن افتتحَ في أواخر تشرين الثاني / نوفمبر 2016 ليستقبل الزائرين. وازدانت الغرف والأروقَةُ بأعمال فنِّيّة، وقطع أثريّة، ولوحات عادت بالتاريخ قرنيْنِ إلى الوراء، وأطلق على المعرض عنوان "صحوة أمّة، الفن في فجر تونس الحديثة 1837ـ1881"، وهو يؤرخ لفترة هامة من تاريخ  البلاد خلال العهد الحسيني، اتّسمت بالعديد من الإصلاحات التي جعلت من تونس آنذاك مركزا للرّيادة والتَّفتُّح. وتنوّعت  القطع المعروضة بين ممتلكات شخصية للبايات كالأردية

والحلي والأوسمة، وقطع أخرى ترمز إلى الحكم، ككراسي العرش والأسلحة والفرمانات والمكاتب والمخطوطات ولوحات تمثل البايات والوزراء والحكام الأجانب.
لكنَّ أكثر المعروضات  قيمة هي النُسخُ الأصليَّة لما صدر في تلك الحقبة التاريخية من قوانين رائدة: "قانون إلغاء الرّق" من قبل أحمد باي عام 1846، "عهد الأمان" الذي نصَّ عام 1857 على المساواة بين الرعية على اختلاف الدين، "قانون الدولة" أو دستور 1861، علاوة على نص "معاهدة باردو" التي فتحت الباب للاستعمار الفرنسي عام 1881...