يبدو الزعيم السياسي مشغولاً بهاتفه الذكي كثيراً، لا تنقطع الإشعارات عن الوصول له ولا يستطيع هو الآخر تجاهلها. يتحدث هذا السياسي بملل عن المجموعات الخاصة للدردشة في تطبيق المراسلة الشهير "واتسآب". تجعله هذه النقاشات المكثفة قريباً من هموم الناس على حدّ زعمه. يشير من ناحية أخرى إلى أنها تجعله متاحاً للجميع، وهو أمر مقلِق بالنسبة له. يقول هذا الزعيم أن السياسة أكلت نصف عمره وأن مجموعات الدردشة النخبوية ستأتي على ما تبقى. في الحقيقة، الشخصيات الكبرى في السياسة العراقية لا تتحدث كثيراً في نقاشات الواتسآب إذا كانت تضمّ خليطاً من صغار السياسيين والصحافيين. ويُقال أنهم يتحدثون كثيراً في مجموعات أقل تنوعا وأكثر سرية. آنذاك تتحول المجموعات إلى مكان للأوامر والتوجيهات.


مجموعات دردشة أم مؤسسات

بدأت مجموعات الدردشة عالية المستوى هذه بالظهور قبيل الانتخابات النيابية الأخيرة 2014، وقتها بدأ شبّان مقربون من أحزاب سياسية كبرى أو ينتمون إليها بتكوينها وإدارة النقاش فيها. تأتي الشخصيات السياسية رفيعة المستوى بأرقام هواتفها لتمنح هذه المجموعة أو تلك أهميتها المنشودة. وهم، على الرغم من أنهم لا يشاركون كثيراً في الحوار، إلا أنهم يراقبون ويتابعون ويتدخلون عند الحاجة.

"مركز الرافدين" و"واجهة الأخبار" و"غداً" هي أسماء لمجموعات دردشة تحولت خلال عامين إلى مؤسسات تتوزع فيها المهام. بعض هذه المجموعات قام بتنظيم لقاءات واقعية بناء على نقاشات الكترونية، ولم تخرج هذه اللقاءات عن الطابع السياسي أبداً.

وهناك مجموعات دردشة على الواتسآب تؤدي مهاماً تنسيقية بين موظفين كبار بحضور مرؤوسيهم. رئيس مجلس الوزراء عضو في مجموعات كثيرة، منها ما هو خاص بالوزراء ومنها ما هو خاص بالقيادات العسكرية. ومن المرويات من داخل هذه الحلقات الضيقة والسرية أن الأحاديث ليست بمستوى عال من التهذيب والكياسة، فهي في النهاية ليست رسمية ولا يمكن الاحتجاج بها حينما تسوء الأمور. وربما غادر وزير مُقال أو قائد عسكري تمت تنحيته مجموعات الدردشة هذه عند خروجه من منصبه. أما المفتشون العامون في كل العراق فلهم مجموعاتهم الخاصة، وكذلك غالبية الدوائر المدنية في الدولة التي أصبح حضور مسؤوليها في هذه المجموعات أكثر وضوحاً منه في المؤسسة التي يديرونها.

.. وحصة في معركة الموصل

مع بدء معركة الموصل، تشكّلت مجموعتا دردشة كتحالفين إعلاميين من تجمّع قنوات فضائية ومؤسسات إعلامية تزعمت إحداها "شبكة الإعلام العراقية" المموَّلة من المال العام وأسمت تحالفها بالوطني، فيما تحالفت قنوات إسلامية شيعية وأسمت ما يجمعها بالإسلامي.. ولم تكن هذه التحالفات في بدايتها سوى مجموعات دردشة في الواتسآب .


تطبيق المراسلة الأخضر يمتلئ يوميا بتحركات عسكرية وأخبار عن التقدم أو التراجع في الجبهات، ويشارك في ذلك مراسلون وصحافيون ومحللون مع قادة عسكريين يكتبون من الخطوط الأمامية ومن خلف السواتر.
 

في العاشر من كانون الأول / ديسمبر الماضي وقعت قناة الدولة الرسمية ("العراقية") في مطبّ خطير إثر نشرها لخبر اغتيال نائب سني في طريقه إلى محافظة البصرة، هو النائب عبد العظيم العجمان. المعلومات اللاحقة أثبتت أنّ موت النائب حصل بسبب حادث مروري، وأنه لا شبهة جنائية فيه، مما أوقع القناة في حرج. لاحقاً تبيّن أن محافظ ديالى السابق كان هو من أدلى بمعلومة الاغتيال المزيفة.. في مجموعة خاصة على الواتسآب!

خلية الإعلام الحربي، وهي اللجنة المصغرة المعنية بإصدار البيانات الرسمية بخصوص المعارك، لا يخلو عملها من مجموعات دردشة ضاجة بالحيوية.  تطبيق المراسلة الأخضر يمتلئ يوميا بتحركات عسكرية وأخبار عن التقدم أو التراجع في الجبهات، ويشارك في ذلك مراسلون وصحافيون ومحللون مع قادة عسكريين يكتبون من الخطوط الأمامية ومن خلف السواتر.

ليل نهار!

الدردشة هذه مستمرة غالبية الأوقات. المواضيع الرائجة هي المواضيع التي تتصدر المشهد السياسي، من التسوية التاريخية إلى صراعات الكتل الداخلية. وهناك حديث عن قوانين وتشريعات أو حملات سياسية أو اجتماعية لتحريك الراكد في موضوعات النازحين أو ضحايا الحروب. من أشهر هذه المجموعات "مركز الرافدين" التي أسسها ناشط سياسي شاب يدعى زيد الطالقاني، تلك المجموعة تضم إلى جانب المالكي، رافع العيساوي وصالح المطلك وأسامة النجيفي، يتناقشون أحيانا أو يعقِّبون على بعضهم البعض بحساسية مفرطة، بالإضافة إلى قادة من الصف الأول يراقبون فحسب، وربما لا يعلَن عن وجودهم.


وعلى الرغم من أن التنوع في شخوص الدردشة يكسبها قيمة وطنية، إلا أنها في الوقت نفسه تشرع الباب للمناكفات والشتائم والتجريح..
 

أمّا في ما يخصّ الأحزاب والجماعات السياسية، فلكلّ حزب أو جماعة مجموعات دردشته الخاصة التي تفتقد للتنوع وتمتاز بالسرية، وتحتوي، بالإضافة للسياسيين والإعلاميين، زعامات دينية وقبائلية ورجال أعمال ومسئولين حكوميين سابقين.

وللمعارضين كذلك مجموعاتهم

الناشطون المعارضون للأداء الحكومي والنيابي والقضائي لهم مجموعات للدردشة هم أيضاً، وهم يخططون لتظاهراتهم هناك أولاً. تضم هذه المجموعات القوة الناعمة من صحافيين وكتّاب وفنانين ونشطاء سلام، ويكون معهم ساسة متعاطفون أو زعامات تؤيد الاحتجاجات وتدعمها. هكذا يبدو مشهد النقاش في السياسة والحياة العامة خارج الأطر الرسمية في العراق. وعلى الرغم من أن التنوع في شخوص الدردشة يكسبها قيمة وطنية، إلا أنها في الوقت نفسه تشرع الباب للمناكفات والشتائم والتجريح، وكذلك فهي تقلل من فرصة إرسال سياسي لسياسي آخر رسالة مشفرة عبر تصريح أو بيان.. فما الداعي لذلك بوجود الواتسآب في خضم حوارات عامة .

لا يبدو بعض ما يطرح في هذه المجموعات عادياً في توقيته على الأقل ومدى علاقته بالأمن والمعارك مثلاً، أو بأزمات الاقتصاد وتأثيراتها المستقبلية. وليس مستبعداً أن تكون هذه المجموعات مخترقة بشكل ما، وهو أمر خطير ومربك. وربما تكون مصدراً معلوماتياً للإرهابيين في بعض الحالات .