على الرغم من كل الأسواق والطرق التي تزال الحواجز أمامها، وبعض التنبيهات الشفهية عن ضرورة تجنب زوايا قد تحوي عبوات مفخخة، فليس من السهولة الوصول إلى أي مكان رابض في جوف الأحياء العتيقة، كما لم يعد بالإمكان الاتكاء على اختبارات قديمة لشوارع عبروها وهم يتبادلون الكلام، ويرفعون أذرعهم إلى الأعلى لاستبيان مسار أسراب الحمام وانحناء المشربيات على بعضها كأنما تتهامس بكلام لا ينتهي.. حين كانت الروائح دليلا كافيا لقيادتهم من زقاق إلى زقاق، رائحة فلز النحاس المصهور، روح زيت الغار تتصاعد من جوف المراجل الملتهبة، وحشود التوابل التي تترفق بطعامهم المتقشف، ورقائق العجين الآتية من بيادر قمح الزارعين، وتداخل الكلام في الساحات، والتوجس من هزيم أبواق السيارات المسرعة.
وحين تحل العتمة، يلتمسون الحجر، لا ليمتحنوا مهارة الحجارين والبنائين، بل ليجسوا نبضه، ويتبينوا حرارة أشواقه لقوم رحلوا بغتة إلى آخر الأرض، ولم يعودوا.

 

***

 

من غير الجائز ديمومة الكلام عن ثورة، قُطِّع أهلها بالسواطير، ورُمي بهم في غياهب السجون، ونجا من نكوصها المروّع من أتقن الركض والزحف والسباحة، ومن التزم الانزواء والصمت.. هؤلاء غير الذين خالوها مطية فأسرجوها وامتطوها، مغرورين برغبة الصعود إلى السماوات، فأنزلوها إلى أسفل

السافلين، وأرهقوا أهلها بإسفاف خليع حسبوه كلاماً منمقاً.
ومن غير الجائز الكلام عن محافظة مثل حلب بتمامية الكلام عنها قبل بضع سنوات، بعدما توزعت السيطرة عليها خمس "دول": الدولة السورية، الدولة الإسلامية في العراق والشام، دولة قوات سوريا الديموقراطية، دولة درع الفرات، دولة جبهة فتح الشام المنتسبة لتنظيم القاعدة حيناً، والمتنكرة له حيناً آخر. دول تعلن عن أسمائها وراياتها وجيوشها وسجونها، ولها برامج أيضا تنتمي بعمومها لمناهج "صف الحكي، وطق الحنك" نحو ما يرونه مستقبلاً. فضلاً عن دويلات فائضة عن حاجة الدول، تتبعثر في المكان، وتخجل أن تتسمى بأسماء أمراء الحرب واللصوص وقطاع الطرق.
ويبقى التساؤل من لوازم الضرورة التوثيقية على الأقل. من الذي "أقنع" الجماعات الإسلامية المقاتلة بنقل معركتها من الأرياف إلى المدينة في منتصف تموز/ يوليو 2012، وقام بالتخطيط لها وتدريبها وتسليحها، مبقياً خلفها كل المواقع العسكرية من مطارات وقواعد صاروخية وثكنات وكليات التأهيل العسكري. دخلت لتحامي عن أهل المدينة فاحتمت بهم لأسابيع، قبل أن تسهِّل عمليات هجرتهم إلى شطرها الغربي وأرياف المحافظة التي ينحدر منها أغلب سكان الأحياء الشرقية التي أمست تحت سيطرتها.
تحولت المدينة، بعد بضعة أشهر من عملية "تحريرها" إلى واحدة من أضيق الجغرافيات لأوسع تمركزات السياسات الدولية وجيوشها ومخابراتها، أعوانها وإعلامها، ولواحقهم من تجار آثار وأعضاء بشرية ومحرضين على القتل ومتطفلين على آلام الشعوب. لم يبق أحد لم يدخلها وتجوّل فيها، إلا أهلها الذين أربكتهم الجغرافيا الجديدة وميليشياتها.
من ضباط أطلسيين ورجال مخابراتهم، ومرتزقة اعتاشوا على تبادل الكلام الإلهي المرفق بالصواريخ والمتفجرات، إلى ميليشيات طائفية تحقن أوردة التاريخ المعاصر المريضة بمصول سموم الأفاعي والعقارب التي استحضرتها من نواويس أجدادها، وتبرمت من كل ما تحمله الحركات الثورية من رغبة للكلام وتحديد المشكلات وسبل معالجتها والخروج الآمن منها.

 

[Media:5100]

 

ما الذي سيبقى بعد كل ذلك، والذي يُنتظر رؤيته.. من المساجد، الخانات التجارية، الحمامات، الأسواق التاريخية والمباني الحكومية، قصور الأعيان وبيوت العامة.. بعد أربعين تفجيرا تحت الأرض، حشدت له عشرات أطنان الديناميت. ما الذي سيبقى بعد مئات البراميل المتفجرة والصواريخ وقذائف المدفعية، ومئات من معارك الكر والفر. حتى الحجر الأصم الأبكم له طاقة على التحمل، عاد مكرهاً إلى طفولة رمله وحصاه وغباره. من حق العمارات ألا تترفق بدموع العابرين إليها، وأن تدفع الحجر للبكاء على أحواله، على عرق الحجارين والنحاتين والبنائين، على أضلاع الخشابين والزجاجين والنحاسين، وعظام الحمالين، وحشود العبيد المسخرين لإعلاء شأن من يستعبدهم.
وصلت الى الكتائب الإسلامية من الأسلحة ما تفوق الحاجة لاستكمال معركة تحرير الشطر الغربي، وبقي تناقض مستعص لا حل له، بين أصنام أكداس الأسلحة والتابعية العسكرية والمخابراتية لمن أرسلها، والتي حالت دون استخدامها إلا وفق شروط صاحبها الأصلي ذاك. وأنتجت جيوشاً مدججة بالمقاتلين والمتطوعين والخبراء العسكريين من البلدان العربية والأجنبية، وفاضت مستودعاتها بالسلاح والذخائر والأغذية والأدوية.. لكنها خسرت ما لا يجب أن تخسره الجيوش: السيطرة على قرارها، وقدرتها على انتزاع استقلاليته في الحرب والسلم، وهو ما خسره الإسلام السياسي السني من زمن تشكله في أوائل القرن الماضي. وبهذا يمكن اعتبار الهزيمة العسكرية أهون الهزائم، مقارنة مع ما سبقها ورافقها من هزائم سياسية وأخلاقية.
وقد بانت مقدماتها قبل الوصول إلى خواتمها، وهي تساق وفق حتمية صراع حربي يخضع القول الفصل فيه، لتفاوت القوة النارية والمقدرة على تحشيد الجماعات المقاتلة بتخطيط عسكري حاذق، ومهارة إدارتها.. والقناعة الحقيقية للحلفاء، لا الخفايا التي لا يفصح عنها إلا في غرفهم المغلقة.
في طريق عودتهم إلى بيوتهم، مسحوا بأطراف أكمام قمصانهم، الغبار عن صور من عهد الصبا، حين كانت الأراجيح هي المكان المتفلت بين الأرض والسماء. ضاع كل ما يجب ألا يضيع، أصواتهم، وهي وسيلتهم الوحيدة التي بإمكانها حمل باقات آمالهم، بعدما هزمها أزيز الرصاص ورعود المدافع.. وبيوتهم، أوطانهم الصغرى، بعدما تهيأت كسور أضلاعها وأشلائها للأسنان الفولاذية للجرافات.