بين مدينتين لكل منهما حكاية، وُلدت حكاية أخرى: «كفر عقب» القرية التي تبعد عن القدس 11 كيلومتراً، وحوالي 4 كيلومترات عن رام الله. تحوّلت القرية من مجلس قرويّ إلى بلدية مع مطلع عام 2016، بعد أن وصل عدد سكانها إلى ما يعادل 60 ألف نسمة. الحكاية تسرد كيف تحوّلت القرية إلى مخيّم، وتحوّل المخيّم إلى نشاط مستمر يُعاد إنتاجه مع إعادة إنتاج المُسبّب الرئيس له: الاستعمار. فالمخيّم، هو الناتج الأكثر دلالة على نكبة فلسطين بداية، وعلى استمراريتها.
في فلسطين يُقال «المخيّم أصل الحكاية». ووجود «الخيمة» (بالمعنى الماديّ) لم يعد شرطًا لوجود المخيّم. فبعد مرور 69 عاماً، غدت عمليّة التهجير تتم بطرق أكثر ذكاءً وخبثاً. وفي المقابل، غدت غزارة وكثافة العمران متعدّد الطوابق والمتلاصق ببعضه، شكلاً آخر من أشكال المخيّم الحديث في فلسطين. المخيم ناتج ظرف سياسي وممارسات استعمارية مهما تغيّر شكل العمران فيه، ويبقى السبب والنتيجة واضحين وكامنين في جوهر الصهيونية: الاحتلال.

 

حصار القرية

 

المخيّم هو الصورة المادّية المحسوسة الوحيدة القادرة على التعبير عن حجم مأساة التهجير، والجسد الاجتماعيّ الوحيد الذي تكْمُن فيه صورة الوطن المهجّر المؤقّت.

حتى عام 1967، كانت كفر عقب قرية مزدهرة من قرى شمال القدس. ومع احتلال الضفّة الغربية، أقامت سلطات الاحتلال قاعدة عسكريّة شمال القرية وألحقتها بتطوير المطار الذي كان موجوداً قبل النكبة وتحويله إلى مطار عسكريّ بعد مصادرة الأراضي. وفي عام 1982، أقامت القوّة المستعمِرة قاعدة عسكرية أخرى جنوب القرية، و بعدها بثلاث سنوات أقامت مستوطنة «كوخاف يعقوب» في المنطقة ذاتها، فأصبحت القرية محدودة من الشمال والجنوب بقاعدتين عسكريتين، ومستوطنة بدأت تلتهم أراضي القرية لتتوسّع، مبتلعة المزيد في «طوقها الأمني». فلكل مستوطنة مساحة أمنيّة تفصلها عن القرية الفلسطينيّة القريبة منها، ومساحة أخرى تفصلها عن الطرقات الرئيسية.. وفي بعض الأحيان يتم تطويق جبل كامل لحماية بعض منازل المستعمِرين في قمّة الجبل، كمستوطنة «بساغوت» المقامة على أراضي مدينة البيرة مثلا. وبحسب دراسة أجراها الباحثان جميل هلال وأباهر السقّا، فإن إجماليّ ما قامت سلطات الاحتلال بمصادرته من أراضي كفر عقب لإقامة المستوطنة فقط، وصل إلى 30 في المئة من مساحة القرية البالغة 6665 دونما.
في اعام 2000، قامت الآلة الاستعماريّة ببناء جدار الفصل العنصريّ، الذي نتج عنه فصل القدس عن الضفّة الغربية وعزلها. وبقيت كفر عقب خارج الجدار، أي إنها أصبحت معزولة عن القدس، ولكنها أبقتها رسمياً وقانونياً ضمن منطقة نفوذ بلديّة الاحتلال في القدس، ولم يتم تقسيمها إلى مناطق (أ، ب، ج) في اتفاقية «أوسلو» كما تمّ تقسيم الضفة الغربية، بل بقيت القرية في التصنيف الذي كانت عليه ما قبل الاتفاقية. وبالتالي، بقيت تحت سلطة بلدية الاحتلال رسمياً وقانونياً، ولكن دون سلطة على الأرض عليها. وذلك بسبب عدم قدرة أجهزة أمن السلطة الفلسطينيّة على تطبيق القانون فيها بحكم اتفاقيات «أوسلو» التي تمنعها من أي سلطة على مناطق القدس ومناطق ج (63 في المئة من أراضي الضفّة الغربية). وهي أيضاً على صعيد مستوى المعيشة والاقتصاد مرتبطة بالضفة الغربية وخارجها في آن واحد.

 

طريق الهروب

 

تحوّلت كفر عقب إلى ملجأ لثلاث فئات من الفلسطينيين: الأولى، هي المقدسيون الذين لا يستطيعون شراء شقّة في مدينة القدس نفسها بسبب الغلاء وأزمة السكن، إذ تشير الإحصائيات إلى أن النمو السكانيّ في صفوف الفلسطينيين بالقدس يتطلّب بناء 1500 وحدة سكنيّة في العام، بينما بلدية الاحتلال تصادق على بناء نحو 400 وحدة فقط ، ما ينتج فجوة بقدر 1000 وحدة سكنية سنوياً، بحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة. هذه الفجوة التي لا تغلق أمام المقدسيّ إمكانية البناء القانونيّ رسمياً، تفتح في المقابل نافذة في كفر عقب للبناء غير القانوني حيث لا رقابة ولا قانون. وبما أنّ مستوى المعيشة وأسعار البيوت يتبعان لمستوى معيشة الضفّة الغربيّة بحكم التواصل الجغرافي المفتوح معها والمغلق مع القدس، فإنّ التوجه إلى كفر عقب صار حلاً، خاصة أن سكان القدس الفلسطينيين يملكون إقامة إسرائيلية دائمة لا جنسيّة، وهو ما يتطلب منهم إثبات سكنهم في القدس، وإلّا يفقدوا الإقامة ويُهجّروا إلى الضفّة الغربيّة. وهم في كفر عقب أمام إمكانية السكن في الضفة الغربية اقتصادياً وفي القدس قانونياً. والاستعمار يوجههم إلى هذا «الحل»، كما في الحرب، حيث دائماً ما يترك القويّ طريقاً للضحيّة للهروب.
الفئة الثانية من الفلسطينيين الذين يتوجهون إلى كفر عقب، تتألف من الأزواج الشابة الذين يحمل أحدهما هوية فلسطينية والآخر هوية إسرائيلية، ويريدون لمّ شملهم، إذ بحسب القانون الإسرائيلي، يجب على كل من يتقدّم بطلب لمّ شمل أن يثبت مكان إقامته في القدس. والسكن في كفر عقب يمنح الفلسطينيّ منهما إمكانيّة الوصول والسكن قانونياً في القدس دون المرور بحواجز الاحتلال العسكرية التي تحتاج إلى تصاريح عبور.
وأما الفئة الثالثة، فهي الفلسطينيون من سكان القدس والضفّة الغربية المطلوبون إلى القانون الإسرائيلي أو الفلسطيني، حيث يستطيعون السكن في هذه المنطقة التي لا تستطيع الشرطة الفلسطينية الدخول إليها بموجب اتفاقيات «أوسلو»، ولا تدخلها القوات الإسرائيلية إلّا لتنفيذ الاعتقالات السياسية بالعتاد والآلات العسكرية المصفّحة.

 

مجتمع يتكوّن من جديد

 

هو واقع جديد فرضته التقسيمات الاستعمارية بشقّيها، المادّي المتمثل بجدار الفصل العنصريّ والحواجز العسكرية، والقانوني المتمثل ببطاقة الهوية والمكانة القانونية للبلدة والسكان داخل المنظومة الاستعمارية. فالقرية التي حوصرت مادياً أصبحت في الوقت ذاته ملجأً للهروب من الواقع المعيشي الذي يفرضه الاستعمار على الفلسطينيين، أي إننا أمام حيّز ضيّق غير قابل للتوسّع بفعل الاستيطان والجدار، مقابل ارتفاع الطلب عليه. وهذا ما أنتج عملياً طفرة معمارية واجتماعية وتكوناً جديداً للحيّزين الاجتماعي والعمراني مـن دون أي رقابة. ومن المهم الإشارة إلى أن بلدية الاحتلال في القدس لا تقوم بإجراء أي رقابة، ولا تقدّم أي خدمات للسكان، وذلك بذريعة أن موظفيها لا يستطيعون الدخول إلى كفر عقب بسبب الوضع الأمنيّ في المنطقة، وهي أصبحت فعلياً خارج المشهد الاجتماعي، السياسي والثقافي الفلسطيني. في هذا الظرف الاستعماري، أخذ المجتمع يتشكل دون أي ضوابط اجتماعية وقانونية.. في الوضع الطبيعي، فالمجتمع يمتثل إلى واحد من اثنين: إما العُرف الاجتماعي الذي تضبطه القيم والمثل الاجتماعية المتفق عليها، وإما الدولة بقيامها باحتكار السلطة والعنف وتطبيق القوانين المجتمعية المتفق عليها دستورياً أو المفروضة منها. وفي الشرط الفلسطيني الطبيعي، تأخذ الحركة الوطنية المتمثلة بالكيان السياسي دور الدولة، ويتنظم المجتمع على أساس مجتمع مُقاوِم متكاتف.
في كفر عقب، نحن أمام إطار مختلف كلياً. فالدولة هي منظومة استعمارية تستهدف الأرض والإنسان وتُسبب الأزمة. أمّا المجتمع فهو تكوّن حديثاً كمجتمع «لجوء خاص» يفتقر إلى المُثل الموحّدة، وإلى «المخاتير» الذين يحدّدون ويضبطون المعايير الموحّدة التي هُدمت كبنى اجتماعيّة بالموازاة مع هدم القرية وتحوّلها إلى مخيّم. بالمقابل، وبالإضافة إلى انهيار المشروع الوطني المُقاوم، فقد تحوّلت الحركة الوطنية الفلسطينية هي الأخرى من حركة تحرّر وطنيّ إلى مؤسسات دولة دون دولة، تتصرف كدولة دون سلطة فعلية. وأنتج هذا النسيج من العوامل في المحصّلة مجتمعاً تنخره الجريمة ويتفشّى فيه العنف.. مجتمع يُعيد إنتاج العنف كضابط وحيد في ظل حالة من اللاضوابط المجتمعية والسياسية والاقتصادية، أي إن المحدِّد الوحيد لمعنى الضابط المجــتـمـعي يبقى الخوف من ارتكاب الجريمة، وهو في هذه الحالة، خوف من قوّة الفرد الآخر أو العائلة الأخرى. وهذا عملياً ما يُفسّر قيام بعض الشبّان بإنشاء «مكتب أمن» داخل المخيّم، بقوّة السلاح والترهيب، وتحصيلهم حق السكان مقابل مردود مادي يتحدّد بحسب الخدمة التي يقدمونها!

 

بين الخيمة والمخيّم

 

يرى المُسافرون من القدس إلى رام الله كفر عقب عبر نوافذ البنايات وكثافتها وكأنها رؤوس كثيرة وكثيفة مسجونة خلف الجدار، تطلّ على المدينة المقدسة، محرومة منها ومنزوعة عنها. بين هذه البنايات والقدس يسكن مخيّم آخر هو مخيّم «قلنديا» الذي لا يراه المارّ من خلف الجدار بسبب عمرانه المحصور بطابقين أو ثلاثة. تظهر كفر عقب بقوّة وعنفوان وعشوائيّة عمرانيّة من خلف الجدار لتغطّي الماضي، وتفرض شكلًا جديداً من المخيّمات، إذ يصل عدد الطوابق في بعض بنايات كفر عقب إلى 20 طابقاً، ولا يوجد محدّد لعدد الطوابق أو قدرة تحمّل البناية إلّا ضمير المستثمر.. ضمير رأس المال.. إن شرط المخيّم الوحيد هو الموطن المؤقت. فكرة المخيّم المركزيّة هي الانتظار: الإقامة المؤقتة، والعودة المؤجّلة إلى حين نهاية مسبّبات وجوده.
ولا يمكن النظر إلى التركيبة الاجتماعية ونوعية السكان في كفر عقب إلّا من خلال كونهم سكّاناً في انتظار الفَرَج، أي تحوّلاً جذريّاً في الظرف السياسيّ. الهروب من الفقر الممنهج، وانعدام فرص السكن، ولم الشمل.. جميعها قوانين ونتائج الممارسات الاستعمارية في فلسطين، ومع أول تحوّل جذريّ جوهريّ في الحالة السياسية ستتفكك كفر عقب كما يتفكك «اليرموك» و«نهر البارد» و«صبرا وشاتيلا» و «بلاطة» و«عسكر». إذًا، لماذا ترتقي كفر عقب من مجلس قرويّ إلى بلدية؟ لا من مجلس قروي إلى مخيّم، وكما يُقال في فلسطين «سمّي الولد باسمه». والتسمية تحمل دلالتها في باطنها، حيث المخيّم حالة نشأت كما نشأت قضية فلسطين، كنتاج المشروع الاستعماري الاستيطاني. إذاً، فلماذا لا تزال كفر عقب تتنقل بين «منطقة» و «مجلس قرويّ» و «بلديّة»؟

 

نكبة القدس ما بين نكبتين

 

يجسد المخيّم الجسد المادّي المرئيّ لبشاعة عملية التهجير، ويشكّل وجوده كذات في الحيّز العام صياغة للوعي السياسي المجتمعي. فيغدو المخيم مقولة سياسية. إن ظهور ما سميناه هنا «المخيم الحديث» نابع من طرق «التهجير الحديث» التي أخذت إسرائيل تمارسها لتصفية الوجود الفلسطيني والحفاظ على أكثر كمّ ممكن من الأرض مقابل أقل عدد ممكن من السكّان الأصليين.. والأحياء المهمّشة والغيتوهات تصبح تجسيداً ناقصاً يفتقر إلى التعريف المتلائم مع الحالة والشرط الاستعماري. فبناء العمارة ذات الـ20 طابقاً يستهلك وقتاً أطول للبناء، وهو الوقت ذاته الذي يحتاج إليه الفلسطيني بالقدس حتى تُغرقه أزمة السكن وتراكم الضرائب التي تهدّد وجوده ومستقبل أبنائه. هو تهجيرٌ بطيء بوتيرة البناء ذاتها في المخيمات الحديثة. فنرى المنتج ولا نرى عملية الإنتاج، وسط زحام الدولة والمشاريع السياسية المتهالكة في فلسطين هذه الأيام.
في الحالة الطبيعية، يحمل العنف المستشري في التجمعات السكانيّة في باطنه معارضته. فالمجتمعات تولّد مبادرات ذاتية للحد من انتشار الجريمة والعنف، وتحمل بداخلها طرق تنظيمها النابعة من الحاجة إلى إنهاء الفوضى. وهذا ما لا يحصل في كفر عقب أيضاً، إذ لا نرى أيّ عمليّة بناء مقابل منظومة الهدم المجتمعي، باستثناء بعض المبادرات المحدودة جداً. والتفسير يكمن في شعور السكان بعدم الانتماء إلى المكان.. «المؤقت». وفي الوقت ذاته، تغيب فكرة «المخيّم» في المنظومة الرسمية السياسية، ما يمنع المنطقة من الحصول على مقاومة سياسية وحركة وطنية فاعلة تبني فكرة «المخيّم» داخل الوعي، وتحوّله من مجرّد معاناة اجتماعية اقتصادية إلى وعي سياسي، إلى معاناة تؤطّرها مقاومة نشطة.
المخيّم أصل الحكاية. وعندما يولد مخيّم جديد بعد 69 عاماً، فهو مؤشر على أن المنظومة الاستعمارية لا تنفك عن إعادة تدوير ذاتها: تهجير واستيطان. وهذا الاعتراف الضمني، مع الاعتراف بالمخيم حديث النشأة، يتطلب إعادة صياغة للخطاب السياسي والبرامج السياسيّة التي تآكلت على عتبة «الدولة» الموشكة أن تكون ثاني مكان يندثر الموعودون به بعد.. الهنود الحمر!