إذا كان المغرب قد سجل تطوراً لا يستهان به في مجال الإقرار بمبدأ المساواة بين المرأة والرجل، وإذا كان الدستور الأخير لسنة 2011 قد أقر صراحة، في عدد من مقتضياته بمبدأ المناصفة بين الجنسين وعدم التمييز في كافة الحقوق الأساسية: السياسية والمدنية منها، وكذلك الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وإذا كانت الترسانة القانونية قد عرفت إصلاحات متعددة تنحو جميعها في اتجاه القضاء على أشكال التمييز القانوني في مختلف المجالات، وإذا كان المغرب يتوفر على إطار قانوني يكرس مبدأ المساواة بين الجنسين في عالم التشغيل ويمنع كل أشكال التمييز وفقا للمعايير الدولية، كمدونة الشغل.. فلا بد اليوم من ملاحظة أن الانتقال إلى ترجمة كل هذه القوانين إلى واقع فعلي لا زالت تعترض سبيله الكثير من العراقيل.

 

واقع الحال: أرقام ومعطيات إحصائية

 

يحتل المغرب المرتبة 133 في التصنيف الدولي مـن أصـل 142 بلـداً فيما يتعلق بالتفاوت بين الجنسين بالنسبة لسـنة 2014، بينمـا كان يحتـل المرتبـة 129 فـي 2013، والمرتبـة 127 فـي 2010. الشيء الذي يدل على أن هناك تراجع ملحوظ، وهو نفس التراجع في ما يخص عموم الترتيب في سلم التنمية البشرية (126 بالنسبة لسنة 2014).
أمّا على صعيد المشاركة الاقتصادية

للمرأة، فالمغرب يحتل عالميا المرتبة 135 في سنة 2014، كما يحتل المرتبة 24 من أصل 30، في ما يتعلق بسياسات وآليات دعم ومواكبة المقاولات النسائية ذات الإمكانيات القوية.
النشاط الاقتصادي للنساء المغربيات هو من بين المجالات التي شهدت قصوراً كبيراً بل تراجعاً بشكل مقلق، كما تمّ تسجيل ذلك في عدد من التقارير، نخص من بينها على سبيل الذكر لا الحصر، تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان الصادر سنة 2015، وكذلك الرأي الذي أدلى به المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في موضوع المساواة بين الجنسين في أيّار/ مايو 2016، وهي التقارير ذاتها التي اعتمدت على معطيات المندوبية السامية للتخطيط الواردة من مختلف الوزارات.
ويسجل أنّ معدل النشاط الاقتصادي للنساء على المستوى الوطني انخفض خلال العقد الأخير (من 25 في المئة العام 2000 إلى 22.6 في المئة العام 2014)، وهو المعدل الذي وصل إلى أقل من 18 في المئة في الوسط الحضري. وهذا معناه أنّ 82 في المئة من النساء في المدن، اللواتي هن في سن العمل، لا تساهمن في النشاط الاقتصادي، وبالتالي ليس لهن دخل مادي ولا أي وضع اجتماعي مرتبط بدور اقتصادي معترف به، وما يربو على ثلاثة أرباع النساء العاملات تشتغلن عاملات أو مستخدمات، ومعظمهن مساعِدات منزليات (73.6 في المئة). أمّا البطالة طويلة الأمد، والتي تطال أساسا الشباب خريجي التعليم العالي فهي تمس 26.8 في المئة  من النساء، مقابل 14.8 في المئة من الرجال (سنة 2013).

 

يحتل المغرب المرتبة 133 في التصنيف الدولي مـن أصـل 142 بلـداً فيما يتعلق بالتفاوت بين الجنسين بالنسبة لسـنة 2014، بينمـا كان يحتـل المرتبـة 129 فـي 2013، والمرتبـة 127 فـي 2010

 

من جهة أخرى، تمثل النساء حوالي ثلث (34.9 في المئة) الأطر العليا، وأكثر من نصف (52.8 في المائة) العمّال المستخدمين. وتظل النساء حاضرات بقوة في القطاعات التي تتميز بالهشاشة من حيث التشغيل وظروف العمل الصعبة للغاية، كالفلاحة والعمل المنزلي والاقتصاد غير المهيكل بصفة عامة، هذا ناهيك عن الصعوبة التي تواجههن في الوصول إلى التمويل من أجل خلق المقاولة النسائية، حيث تقل نسبة الشمول البنكي للنساء عن 30 في المئة، وتشكل فرقاً يتعدى 25 في المئة بالمقارنة مع نسبة الرجال. وإذا كانت القروض الصغرى قد شكلت مصدراً هاماً من مصادر التمويلات البديلة والتي حققت مناصفة كبيرة لفائدة المرأة (55 في المئة من المستفيدين سنة 2013 كن نساء)، فإن السقف القانوني المنخفض للقروض الصغرى المحدد بـ50 ألف درهم، وعدم وجود قروض بديلة على مستوى البنوك، يحدّان من إمكانية مواكبة النساء المقاولات عن طريق هذا النوع من التمويل، ولاسيما في الانتقال من التشغيل الذاتي إلى خلق مقاولة مهيكلة.
يضاف إلى هذا أنّ انخراط النساء في النّشاط النقابي تواجهه عراقيل، حيث تمارَس عليهن أشكالٌ من الضغط، خصوصا في قطاعات الفلاحة والصناعة التقليدية وقطاع الصناعة، ناهيك عن أنّ التدابير الكفيلة بفرض الاحترام الفعلي للحدود الدنيا المشروعة في ما يتعلق بالأجور لفائدة النساء لا يتم احترامها دائماً، والشيء نفسه يصدق على حماية الصحة والسلامة في مجال الشغل.

 

أسباب وعوامل

 

إنّ تراجع وضعف النشاط الاقتصادي للنساء ليس بالضرورة اختياراً ذاتياً لهن، بقدر ما هو نتيجة لتراكم عدد من العوامل يتداخل فيها ما هو اقتصادي بما هو اجتماعي وثقافي، مما يؤدي إلى تفاوتات بينهن وبين الرجال. ويمكن الإشارة إلى العوامل التالية:
- آثار التأخر التاريخي لتمدرس الفتيات والأمية المنتشرة وسط النساء والهدر المدرسي الذي يتسع لدى الفتيات خصوصا في العالم القروي،
- تزايد نسب زواج القاصرات بالرغم من مراجعة سن الزواج في مدونة الأسرة،
- التقسيم التقليدي للأدوار بين الجنسين،
- اختزال أدوار النساء في الأشغال المنزلية واعتبارها امتداداً طبيعيا للدور الإنجابي في غياب تام لتثمينها واحتسابها، مع ضعف البنى المساعدة على رعاية الأطفال،
- الخوف من أشكال التحرش الجنسي في أماكن العمل وغياب تعريف واضح له في مدونة الشغل والقانون الجنائي،
- إقصاء غالبية العاملات من الحماية الاجتماعية انطلاقاً من فكرة /مسلَّمة مفادها أن لجميع النساء أزواجاً يعولهن،
- القيود العائلية التمييزية بالنسبة للشابات.
يضاف إلى ما ذكر، عوامل عامة أخرى لا تقتصر على النساء فقط بل تمس الرجال كذلك، وهي:
- عدم التطابق الهيكلي بين التكوين والمؤهلات وبين سوق الشغل، فضلا عن عدم كفاية خلق فرص الشغل،
- الطابع غير الشفاف لسوق الشغل وتبخيس قيمة العمل المأجور.

 

معدل النشاط الاقتصادي للنساء على المستوى الوطني انخفض خلال العقد الأخير، من 25 في المئة العام 2000 إلى 22.6 في المئة العام 2014، وهو المعدل الذي وصل إلى أقل من 18 في المئة في الوسط الحضري. وهذا معناه أنّ 82 في المئة من النساء في المدن، اللواتي هن في سن العمل، لا تساهمن في النشاط الاقتصادي

 

فإذا كانت غالبية المغاربة تميل إلى تأييد عمل النساء خارج البيت في حال توفرهن على المؤهلات اللازمة، غير أن هذا لا يعني بتاتاً إعادة النظر في الأدوار الاجتماعية التي تَسْند إلى النساء الأشغال المنزلية وتربية الأطفال بينما تسند إلى الرجال مهام العمل خارج البيت وإنتاج الدخل العائلي. وبصفة أعم، يبدو أن وضعية النشاط الاقتصادي للنساء وتمثله عرفت حركة تراجع مثيرة للقلق. فبينما كان عمل النساء، في الماضي، مقبولاً بكيفية إيجابية باعتباره يساعد على تحقيق نوع من التحرر الشخصي، ظهر خلال السنوات الأخيرة نوعٌ من اللامبالاة إزاءه.

 

تحليل وخلاصات

 

إدماج النساء في النشاط الاقتصادي ــ كما هو الحال بالنسبة للرجال ــ يتطلب التصدي للإصلاحات الكفيلة بتعزيز التحول الهيكلي للاقتصاد وتشجيع الاستثمارات والرفع من وتيرة النمو، إذ يعتبر هذا شرطاً ضروريا لتيسير وصول النساء لمناصب شغل في قطاعات مجدِّدة وذات إنتاجية عالية. كما يتطلب تبني مقاربة عرضانية تأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الخاصة للنساء والإكراهات المرتبطة بهن داخل سوق الشغل.
والتراجعات التي يعرفها المغرب في مجال النمو الاقتصادي عامة، وترتيبه في سلم التنمية البشرية، يحيل إلى تراجع ومحدودية المساهمة النسائية في النشاط الاقتصادي. وفي غياب الوعي بأهمية مساهمة أكثر من نصف سكان المغرب في النشاط الاقتصادي، يستحيل النهوض بالاقتصاد الوطني. فقد أثبتت العديد من التجارب للبلدان النامية، أن الاستثمار في المورد البشري، نساء ورجالا، كان شرطاً ضرورياً لتحقيق التقدم على كل المستويات. وهذا بغض النظر عن أهمية التأكيد على أن الحق في العمل هو أحد الحقوق الإنسانية الأساسية المفروض ضمانها للمواطنين والمواطنات على قدم المساواة. وبالطبع فإن تيسير دخول النساء في الحياة الاقتصادية وإلى مختلف أشكال العمل اللائق عبر التكوين والتأهيل، يشكل شرطاً وفي الوقت نفسه مؤشراً في مسار النهوض بالمجتمع برمته. فقد شكل خروج النساء للعمل المأجور ومساهمتهن في مختلف مناحي الحياة الاقتصادية حجر الزاوية في خلخلة بنية الفكر الذكوري ونظام التراتبية بين الجنسين، وسمح للنساء بإثبات قدراتهن ومواهبهن، مساهماً بفضل ذلك في تغيير الصور النمطية والتمثلات السلبية حول مكانتهن وأدوارهن في المجتمع. من هنا، فتسهيل انخراط النساء في الحياة الاقتصادية، بقدر ما له من آثار إيجابية عليهن، فهو يسمح بتطوير العقليات وتجنب اختزال دورهن فيما هو طبيعي (الإنجابي)، واعتبارهن مواطنات على قدم المساواة مع الرجال.