بمجرد أن نتحدث عن الإبداع يتبادر العائق الأول في أذهاننا وهو المناهج الدراسية. إنه أمر لا خلاف عليه، فإن المناهج الدراسية باعتراف الجميع شرقا وغربا تقتل الإبداع. فالطالب الصغير بمجرد التحاقه بالمدرسة يتحول من طفل مبدع ومبتكر إلى طالب مقلد لما يشاهده ويسمعه في المدرسة. وهناك عدد من الإحصائيات التي تدل على أن الطالب حينما يصل إلى الصف الرابع الإبتدائي فإنه يفقد قدراته الإبداعية لسنوات حتى يدخل المرحلة المتوسّطة التي يبدأ حينها باستعادة بعض مما فقد. لكن السؤال المطروح هو: لماذا مستوى الإبداع في العالم الغربي أعلى منه في العالم العربي، على الرغم أن معاناته من المناهج الدراسية قد تكون بقدر معاناتنا؟
المناهج الدراسية ليست السبب الوحيد والأساس في هذه المعاناة. فالطالب في المراحل الدراسية العليا يرتفع لديه منسوب الإبداع، فيبدأ يتحرر من القيود والمعوقات بسبب الحالة البيولوجية التي يمر بها من ناحية، ومن ناحية أخرى بسبب تفاعله الكبير مع المجتمع والبيئة التي من حوله. فالعامل الأكبر في قتل الإبداع في العالم العربي يكمن في الأنظمة السياسية والإدارية. فالإبداع لا يتحقق في جو من الكبت وانعدام الحرية، كما أن الإبداع لا ينمو ويترعرع حينما تكون الأرض قاحلة ومصابة بالجدب بسبب الأنظمة الإدارية المتخلفة والمحظورات الأمنية المعيقة.
حينما تولد الفكرة في ذهن المخترع في عالمنا

العربي فإنها تتعرض لكم هائل من اللاءات غير الملموسة. واللاءات غير الملموسة تتجلى في عدد من الصور والأشكال تبدأ من الأمور الإدارية التي تعيق سيرها في عملية التسجيل كاسم تجاري أو لنيل ترخيص تجاري. ثم يحاربه الوسط الاجتماعي الذي يعيش عقدة الأجنبي والبضاعة الخارجية. وهكذا تتوالى عليه اللاءات التي قد تصل إلى الشخص نفسه في همه للربح السريع بالبضاعة التي يعلو سعرها عن سعر السوق فتكسد. والموظف في أنظمتنا العربية مقيد بكم هائل من اللاءات التي تظهر في أهمية الانصياع المطلق لمديره حماية لترقياته من أن تتعرقل، أو مجاملة المسؤول الأكبر منه كي لا يتأثر وضعه الإداري، ومعظمنا لديه تجارب مريرة في هذا المضمار.
أما الإبداع في شكله الإنساني المتجلي في ريشة فنان أو قصيدة شاعر أو مقال كاتب أو أسلوب معلم، فقد يتم قتله في مرحلة الحبو في مياديننا الثقافية والعلمية. الكاتب المبدع يعيش الغربة في حياتنا العملية، فالكثير من الصحف لا تعير للإبداع اهتماماً ما لم يكن الكاتب مواكباً لتوجهات الصحيفة ومصلحتها. كما أن دور النشر الباحثة عن مواد تواكب السوق وتدر الربح تنشر ما يناسب ذلك وإن كانت ما تنشره بعيداً عن الإبداع ومضعفاً للذوق العام.
وحينما نأتي إلى حرية التعبير فحدث ولا حرج،  فهي غير متاحة للشاعر لينظم قصيدة يعبر بها عن مكونانته بحرية، وللمعلم إذا شاء طرح أمور خارج المناهج الدراسية من قبيل قضية سياسية أو مناقشة شؤون هامة. كما أن الوسط الثقافي يفتقد إلى التآزر والتكاتف اللذان يكادان يكونان معدومين إلّا في نطاق ضيق جدا من دوائر "شللية" واصطفافات مصلحية، وهذا الحال هو نفسه في الوسط الفني، فالشللية تستبعد كل من هو خارجها. هذه اللاءات تكبل المبدع وتجعل إبداعاته محاطة بقضبان حديدية تمنعه من الانطلاق.
كما أنّ القوى الأمنية في بعض الدول هي التي تقرر من هو المبدع ومن هو الذي يستحق الفوز بالجوائز الرسمية ومن الذي يستحق تمثيل الدولة خارجياً أو المشاركة في الفعاليات الممولة من قبل الدولة داخلياً. وهي التي تقرر من تتاح له فرصة النشر أو يتم دعمه. القوى الأمنية هي التي تصنف فئة المثقفين والمبدعين وفق معايير يتم وضعها من قِبلها. فالمبدع الذي يستحق الدعم والمواصلة هو ذاك الذي يظهر التسليم المطلق للقوى الأمنية، أما غيره فيتعرض للتضييق والإقصاء على أقل تقدير. وبعد ذلك، هل يحق لنا أن نسأل لماذا لا يوجد لدينا مبدعون؟
الإبداع حالة تتكاثر عندما تعيش الأوطان ربيعاً فياضاً بالعطاء، بدلا من الضيق والخناق والمعوقات. وهذه تشغل المفكر المبدع فيصرف جهده الذهني في البحث عن حلول لتجاوز تلك المعوقات بدلا من السير في خلق أفكار جديدة ورؤى قيمة وإنجازات تسهم في الحياة البشرية. فمن أجل شعوب خلاقة ومبدعة، لا بد من إعادة النظر!