مقابلة لإذاعة الوضع مع الباحث فارع المسلمي، الكاتب في السفير العربي، وأحد مؤسسي "مركز صنعاء للدراسات الاستراتجية".
أجرت المقابلة: نهلة الشهال

 

ماذا بعد الموقف المبدئي؟

 

رفض تأييد هذا السوء أو ذاك، ورفض التخندق في حروب أهلية هي نقطة ابتداء. نجدها في سوريا المدماة، وجدناها وما زلنا نجدها اليوم في العراق بعد كل الكوارث. الخطوة الأولى أن ترفض الخضوع لسياق الواقع كما يقدم نفسه. لكن وحتى يتأسس شيء فعال فالامر يتطلب الارتقاء ــ طبعاً ضمن عمل جماعي وطويل وقد يحتاج إلى سنوات ــ نحو تصوّر عن كيفية الخروج من المأزق الكبير وكيفية التوافق على عقد اجتماعي جديد في اليمن وتحقيقه.. هل لديكم - أنت شخصياً أو في مركز صنعاء - بداية تصوّر عن السيرورة التي تؤدي إلى تكامل هذا التصوّر؟

 

الرفض هو المبتدأ

لكنه ليس الخبر: صحيح. لكن هناك شيء الآن أساسي نعتقد أنّ العمل عليه سيحقّق التقدم خطوة، هو إعادة الاعتبار للسياسة في اليمن. سلطتنا أو قدرتنا في العمل على إحداث أيّ فارق (سواء ككاتب أو كفرد) هو بوجود السياسة. والسياسة الآن معطّلة لصالح السلاح، ويتمّ سحب المجتمع إلى هذا المعسكر وهذا التسليح. أول شيء نعمله هو أن نعيد الاعتبار للسياسة.. هذا السياق كفيل بخلق معادلات، وفي الأخير اليمن أكبر من الحياد وأكبر من كونها مجرد طرف بل هي بلد واسع بالمعنى الهائل، وبلد واسع بالمعنى العام للكلمة ثقافياً وجغرافياً وهويات سياسية.. لكن إعادة الاعتبار للسياسة يحتاج خطوتين مهمتين واضحتين.. أولاً القرار 2116 قرار مجلس الأمن الدولي والذي يجبر الحوثيين وصالح على إنهاء الانقلاب وإعادة المسار السياسي - ولو المختل، للمبتدأ الأول وتنفيذ القرارات الدولية، وثانياً إعادة الاعتبار لمسببات هذه الحرب والذي نعتقد أنّ جزء منها هو سوء الإدارة من قبل الحكومة والتحاصص وغنائم السياسة الفاسدة التي تمت بين 2011 و2014 وهي ما أدّى الى الحرب.
فأولاً القرارات الدولية واضحة في تصوراتها، إذا وجدت الرغبة في تنفيذها.. بحيث يعود حوار وطني يمني وإعادة الجدل والحديث السياسي حول كافة القضايا، وثانيا لا بد من التزام إقليمي بالتوقف عن استخدام اليمن كوقود منخفضة الثمن. منذ تأسس مجلس التعاون الخليجي واليمن يحاول أن ينضمّ إليه والخليج يرفض نهائياً، وفجأة قال الخليجيون لماذا اليمن سقطت في يد إيران؟ حسناً، انت زعلان؟ طيب افتح بلدك.. لا يمكن أن يكون التزامكم (كدول مجلس التعاون الخليجي) في اليمن حصرياً فقط بقصف اليمن. مثل ما يقال You Break it, You Own it، أنت كسرت هذا البلد ولا بدّ من التزام معيّن أولاَ، ولا بدّ من الوفاء بالالتزامات التاريخية المسبقة، من اتفاقية الطائف عام 1934 إلى اليوم. ثالثاً، لا بدّ من التوقف عن النظر إلى اليمن كحديقة خلفية فيها ورود وفيها أشواك. هذان المساران، وهما إقليمي وفني سياسي، كفيلان بتحقيق إعادة معنى الحياة إلى البلد.
الحوثي وداعش والقاعدة كلّها تظهر على السطح، وهي قضايا تافهة مقارنة بالقضايا الحقيقية التي يواجهها اليمن. هذه أول عاصمة في العالم سينضب منها الماء، هذا بلد لديه مشاكل وجودية حقيقية، وهذه القضايا التي يتمّ الاقتتال حولها اليوم هي قضايا تافهة، وفعلاً هي لا تستحقّ كلّ هذا القتال. نحن نرجع إلى هذه الأساسيات، فالحلم الذي أعلن عنه اليمنيون في 2011 ورفضه العالم والإقليم بإعطاء حصانة غير مشروطة لرجل كعلي عبد الله صالح، تحوّل من زعيم دولة وزعيم مافيا إلى زعيم مافيا فقط، ويدمّر الدولة بكل الأشكال وبرعاية خليجية وإقليمية ودولية.. وهذا هو المسار السياسي الذي سمح له بذلك. شي أخير، لا يزال حتى الآن الإقليم والمجتمع الدولي عندهم  نفوذهم ولهم تواصلهم مع الحوثي وصالح، واذا أرادوا الضغط لإنهاء هذه الحرب فهم قادرون، فلماذا ما زالوا يستخدمون اليمن؟ إذا كنتم قادرين على إنهاء هذه الحرب، وهذه ليست سوريا وليست العراق بتعقيداتهما وليست حتى ليبيا.. بل حتى في سوريا، لا تزال العلاقات الأمريكية - الروسية في التنسيق الصاروخي في شرقي أوروبا وفي كثير من الدول في أعلى مستوياتها، بل تكثفت في السنوات الماضية ولم تنخفض، لا بسبب أزمة اليمن ولا بسب أزمة سوريا.. هذا معناه أننا كمنطقة وليس كبلد نُستخدم كوقود، وأن هذا العالم يحافظ على إدارة العنف في منطقتنا ولا يري حلّه. ونحن نرفض أن نكون جزءاً من إدارة العنف، هذا مستقبل أوطاننا.. وصفقات الأسلحة التي يقومون بها في الغرب اليوم من الحروب في اليمن وحدها هي أرقام فلكية ولا يمكن أن تحدث حتى في الأحلام.

 

منظومة إدارة العنف

 

"إدارة الحروب" نقطة مهمة جداً: احتوائها في أماكنها وإدارتها. وهذه واحدة من ركائز "العالم الجديد". فمن الذي يستفيد من إدارة الحرب في اليمن ولماذا وبأي أغراض.. منذ إطلاقها وحتى اليوم؟

 

إدارة الحروب هي نقيض حلّ الحروب. ممكن إدارة العنف فتصبح استمراريّته ليست مشكلة.
هناك أولاً مجموعة معادلات تنطبق عليها مصالح مختلفة. ضمن هذا، وعلى المستوى المحلّي وهو الحلقة الأضعف، هناك تقاسم الفتات التي تأسس لاقتصاد حرب وولاءات محلّية مبنية على اقتصاد حرب. على المستوى الإقليمي، هناك الكثير من الدول التي تواجه استحقاقات سياسية وتحديات وجودية صعبة، وترى أنّ فوضى الحروب تعفيها من مواجهة الأسئلة محلياً وإقليمياً ودولياً. وعلى مستوى الغرب، هناك مقاربتان: أولاً، مقاربة جديدة تتطور الآن بعد انتهاء مقاربة 11 سبتمبر 2001 ، وهذه المقاربة (بعد مرور مئة عام على اتفاقيات سايكس بيكو) تقول بأنّ الشرق أو هذا الجزء من العالم هو سني وشيعي، أو ضمن هذه التقسيمات الطائفية، والمقاربة الطائفية للعنف وللمنطقة تقدم بالأصل تفسيرات سهلة وبسيطة للرجل الأبيض وللغرب وللإنتاج..
ثانياً، هذا ينتج فرصة لتسويق أسلحة هائلة أو فرصة لشركات ووظائف. هذه حادثة حصلت معي في 2013. كنتُ في واشنطن أدلي بمداخلة ضد الطائرات من دون طيار في الكونغرس الأمريكي. طبعا كان أيامها "الأشرار" على الأرض في اليمن هم جماعة واحدة، والبلدان التي تقصف اليمن فقط بلد واحد، وكان بلداً لديه برلمان تستطيع أن تتناقش معه عبره. التقيت حينها بواحد من كبار المسؤولين الأمريكيين، وفي معرض دفاعه عن استخدام الطائرات من دون طيار، قال أن المعيار الأهمّ هو أن "القاعدة" منذ استخدام ال"درونز" لم تشنّ هجمة واحدة على الولايات المتحدة الأمريكية، (تنظيم "القاعدة في جزيرة العرب")، مضيفاً أنه ما دام الأمر كذلك فال"درونز"  سياسة ناجحة. قلت له: هذا هو الفارق الجوهري بيني وبينك، فأنت تريد أن تدير قضية القاعدة، بينما أنا أريد أن أحلّها من جوهرها.. أنت أصبحت جزءاً من شريان هذا التنظيم بشكل ما، لأن هدفك الأقصى والأبعد هو فقط إدارته والتأكد أنه لن يصل إلى أميركا، وليس إنهائه من جذوره. وسألته سؤالاً أربكه أو فاجأه: إذا انتهى غداً تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، فهل تمتلك أنت شخصياً وظيفة؟ هذا السؤال مطروح على مستوى عالمي وليس فقط على مستوى فردي. فحالياً هناك 40 ترليون دولار ميزانية مكافحة الإرهاب لبعض الدول.. 2011 كانت تؤسس لخروج المنطقة من هذا العنف. كلّ فشل لذلك، وكل محاولة لإعادة المنطقة إلى ما قبل ذلك، يؤدي إلى مأسسة هذا العنف، ويؤدي إلى استمرار هذه الحلقة الاقتصادية، من بائع السلاح في سوق الطلح في اليمن إلى "لوكهيد مارتن" في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

الموضوع مهم جداً ومركزي وعالمي ويخصّ البشرية بأكملها، ويخصّ خيار الوجهة التي تذهب إليها البشرية، حتى لو أنّ العنف اليوم محصورٌ ضمن مفردات جغرافية هي في الشرق الأوسط ومفردات سياسية تتعلق بالشرق الأوسط، ومنها مسألة الإسلام وما يُقال عنه التجذّر في الغرب يتحوّل إلى شبح يؤدّي أغراض معينة ليس لها علاقة بالناس. لنعدْ إلى اليمن بالذات: ما هي مصالح الأطراف الإقليمية والدولية في استخدام اليمن كساحة للصراع؟

 

المصالح هي أنها لا تمتلك مصالح حقيقية في هذا البلد، اليمن بيئة منخفضة الثمن لخوض مباريات صفرية بالمعنى المباشر. إيران مثلاً ترمي دولارين وهي تعرف أن السعودية سترمي مليون دولار، ما هو الأفضل من هذه الطريقة للاستهلاك؟ ثانياً ما تصرفه الدولة "س" أو "ص" على كلّ وكلائها في اليمن على سبيل المثال هو أقل مما تصرفه على سياسي واحد في لبنان! بلد منخفض الثمن يرى حالته السياسية خلال الـ50 سنة الماضية كبلد للبيع حسب قول البردوني العظيم "ترقّى العار من بيع / إلى بيع بلا ثمن / ومن مستعمر غاز / إلى مستعمر وطني". وهو بلد غير محمي بدولة وغير محمي بهويّة أو بنخبة محترمة، فهو لذلك مكشوف، من الطائرات من دون طيار، إلى الأيديولوجيات العابرة، إلى المقاولين... والمشكلة هي التزامهم بخراب اليمن، وهو التزام أقوى من التزام تحقيق السلام في اليمن.
ما هي أكبر دولة مانحة لليمن؟ هي ألمانيا. ألمانيا الآن تمتلك مخطوطات ووثائق يمنية قديمة وُجدت في سبعينات القرن الفائت في سقف "الجامع الكبير" بصنعاء القديمة، وهو جامع بني في عصر النبي محمد. وجدوا فيه أقدم نسخة من القرآن مكتوبة بخط الإمام علي، وهي موجودة الآن في متحف في ألمانيا ويُصرَف عليها ملايين الدولارات لدراستها في ألمانيا.
ما معنى أقدم نسخة من القرآن، كيف يمكن أن تعيد صياغة الفقه الإسلامي وتاريخ الحضارة الإسلامية؟ والأهمية التاريخية لهكذا وثيقة؟ القيمة المعنوية والتاريخية لهذه الوثيقة تساوي كل الالتزامات المادية التي قدّمتها ألمانيا كأقدم مانح للجمهورية اليمنية، ولليمن على مرّ تاريخه. يعني أخذ لحم هذا البلد وإعطائه عظامه كمساعدات، وكنوع من الالتزام المباشر. وهذا تعريف جديد للإنسانية، وتتمّ إعادة صياغة التاريخ بشكل مختلّ، وهذا ما تحدثه النزاعات.