في مطلع شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، خرج ستيفن أوبراين منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مخيفاً الحاضرين في مداخلة أمام مجلس الأمن الدولي قائلا إن اليمن على بعد خطوة واحدة من المجاعة. وتداولت الخبر المحطات الإخبارية كنوع من السبق: 80 في المئة من الشعب اليمني يحتاجون عاجلا إلى المساعدات الغذائية. وزيادة في الترهيب، ذكر الرقم كما يلي: 21 مليون يمني يحتاجون عاجلا إلى المساعدات الغذائية، بينما أكثر من مليونين منهم يعانون سوء التغذية. وقبله تداولت نشرات الأخبار تقرير برنامج الأغذية العالمي الذي حذر من أن أكثر من 14 مليون يمني يعانون "انعدام الأمن الغذائي" نصفهم تقريبا يعانون "بشدة" منه، وأنه في بعض المحافظات يكافح أغلبية الناس لإطعام أنفسهم. ولكي يكون للأخبار مفعولها الصادم كان الخبر يذيل بأن هذا يُنذِر بأسوأ أزمة إنسانية ستشهدها المنطقة، لكون اليمن مهدد بالمجاعة قبل نشوب الحرب، ومستويات الجوع والجَوْعى فيه تفوق بمراحل ما في العراق وسوريا مثلاً كنموذجين مشابهين.
حين كان أوبراين يخيف الحاضرين، كانت صورة الطفل سالم قد عبرت فضاء مواقع التواصل الاجتماعي في اليمن. طفل أفرغ جسده تماما، وبقيت عيناه على اتساعهما تخبر الكاميرا بأنه حيّ، كان شعره الأصهب خفيفا ناعما على رأسه الكبير قياسا إلى جسده المختفي، حيث بدت أطرافه كالخيوط العظمية، بينما تكافح

يداه لتجد مستقراً. سالم يبلغ من العمر ستة أعوام لكنه بجسد طفل لم يتعد العام الواحد. كان سالم الصورة الأولى التي خرجت معلنة الجوع المخفي في اليمن، من قرية نائية على ساحل البحر الأحمر في مدينة الحُديدة، إحدى أفقر المحافظات في اليمن، وإحدى أغنى وخير المناطق فيه!
وبعد سالم، كشف الغطاء عن أجساد أخرى من تلك التي لخصها أوبراين على هيئة أرقام. هياكل عظمية تعيش في بيوت من قش، تفترش الرمال وتستظل بالشجيرات من قيظ شمس البحر الأحمر، مناطق كاملة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. لكن هؤلاء كانوا قد اجتازوا ذلك، جاعوا كثيراً إلى أن دفنوا أطفالهم وهم كومة عظام.
سببت الحرب الأخيرة في مآسي لم يكن يتخيّلها اليمني، وهذا الجوع الذي تعانيه مناطق مثل تهامة، قد يصبح سِمة اليمن كلها، وهو جار بالفعل بعد ثلاثة أشهر من عدم صرف الرواتب، وبعد قرابة العامين من الحرب، وبعد حصار متوحش فرضته على أكثر المدن ازدحاماً بالسكان. كان نظام علي صالح قد خلف "شبه" دولة قبل أن يسقط، ثم أسقطها معه إلى الحضيض. لكن ما أنجزته الميليشيا في ظرف عامين اثنين كان من السرعة والفتك بما لا يقاس بأي نظام آخر. فعلى الرغم من الجوع الذي ضرب اليمن بسبب الحرب وفقدان الوظائف وتوقف الحركة وانعدام الأمن وموجة الرعب التي اجتاحت الناس بسبب عدم صرف الرواتب، وعلى الرغم من المظالم والمآسي التي تسكن كل بيت يمني، سخر الحوثيون وأنصارهم من كل ذلك، واتهموا من يطالب بالرواتب بالخيانة وضعف الإيمان. واستمد مناصروهم سخريتهم من قرار نقل البنك المركزي إلى مدينة عدن بدلاً من صنعاء، فتهكموا قائلين: "تحصلون على رواتبكم من شرعية عبده ربه منصور هادي، الجرذ المختبئ في الرياض".
وقد أربكتني كذلك المقولة التي ما طفق يرددها الجانب الآخر، أي المتضررين والمعادين للحوثيين وعلي صالح، إذ حالما انتشرت صور المجاعة والجَوْعى، انتشرت أيضا مقولة تنسب لعلي بن أبي طالب كما تنسب لأبي ذر الغفاري: "عجبت لمن لا يجد قوت يومه فلا يخرج على الناس شاهراً سيفه". هذه العبارة الثورية، التي يمكن أن تكون شعاراً ألصقت مع اسم قائلها بصور جوعى تهامة الناحلين. انقسم عالمنا اليمني إلى جوعى ومجوِّعين، وكلاهما يحمل "علياً" في طياته.
النظام السابق سمح للمشايخ والجنرالات والنواب البرلمانيين، وكل من بيده سلطة وقوة وكان قريباً منه.. باقتطاع أراضي محافظة الحُديدة. هجمت فئة "فوق" على فئة "تحت" فاستقطعوا جميع أراضيهم الخصبة ونصبوا سياجهم، والأنكى أنهم أيضا استعبدوهم. والحديث هنا عن عبودية حقيقية يتحدث الجميع عنها في تهامة كما في مناطق أخرى ما زالت ترزح تحت نظام المشايخ والإقطاع، واكتفى غالبية من بسطاء الحديدة بصيد الأسماك في البحر، مع الحفاظ على معدل الفقر في أعلى درجاته. ثم جاءت ميليشيات الحوثي، فدمرت البلد، ثم جاءت السعودية فقصفت السواحل وحرمت الصيادين الفقراء الجوعى ممارسة مهنتهم التي كانت تبقيهم على قيد الحياة. والمفارقة البشعة أن القائمة التي كتبت فيها أسماء من نهبوا أراضي الحديدة ومزارعها تجدها على "غوغل" بالبساطة التي تجد بها صور الهياكل البشرية لجوعى تهامة: الناهبون وأولادهم يستطيعون رؤية الاثنين، بينما الآخرون الذين لا "غوغل" لديهم ينتظرون الله. تظل تنظر إلى صور تهامة الجائعة بغضب. الغضب قبل الشفقة.