"الولد للفراش" مصطلح اعتُمد في فقه الأسرة، للدلالة على أن أيّ امرأة حملت بطفل وهي متزوّجة، حتى مع وجود شبهة خيانة زوجية، يُحسب الولد على فراش الزوجية، حتى لو كان الزوج مسافراً لمدة تفوق سنة، ولا مجال لأن يكون هو أب الطفل، إلّا أنه يحسب عليه، وذلك وفقا للحديث النبوي"الولد للفراش وللعاهر الحجر"، وكما يذهب إلى ذلك أئمة فقه الأسرة.
هذا المصطلح الفقهي أدقّ ما يصف الواقع المغربي الآني، والحمل الطويل الأمد الذي يعرفه النسق السياسي، الحمل الذي احتار معه الفقه القانوني، ولم نجد خيراً من فقه الأسرة، لتحليله.
هذا النسق الذي يجاهد - ظاهرياً - بأسنانه وأقدامه لإنجاب حكومة مصابة بتشوّهات خلقية دون جدوى. حكومة حسب المنطق غير شرعية، لأسباب عديدة. منها أنّها تذهب إلى عقد تحالفات مع أطراف خاسرة في الصناديق ورابحة في ميزان القوى، أطراف كانت وفيّة لدورها في خدمة ما تسمى الدولة العميقة بوجوه مختلفة. ولأنّها تضرب عرض الحائط بنتائج الانتخابات، فالأب هنا "في عملية الإخصاب السياسي" لإنجاب الحكومة، ليس الأب الشّرعي الذي أفرزته الانتخابات الأخيرة.
لكن هذه الحكومة مع ذلك، تحسب شرعاً وفقهاً "قانونياً" على حزب العدالة والتنمية، لأنها تُعقد بزعامة الأمين العام للحزب، رغم أن عرّابها الحقيقي، وأباها الفيزيولوجي هو عزيز أخنوش، رجل المرحلة

الحالية في الدولة العميقة. هذا الأخير سرق الأدوار من بنكيران وأصبح الصانع الحقيقي للشرارات المؤدية إلى تلاقحٍ حزبي هجين، يُنتظر منه إنجاب حكومة عرجاء.
فمع تعدّد الآباء الحقيقيين والمزيفين، تنعدم الضمانات لسيرٍ سليم لها. ولا فائدة من إجراء تحليل DNA، لأن الأب الحقيقي معروف رغم عدم شرعيته، ويتصرف على راحته أمام الأب المزعوم، الذي يعبّر عن عجزه علانية وعدم قدرته على إنجابِ حكومة للبلاد، ويشكو من أن هناك من يعرقل جهوده النبيلة.
الملياردير من أبرز رجال الأعمال في المغرب، يرأس المجموعة الاقتصادية "أكوا" المتخصّصة في مجالات الطاقة (النفط والغاز والمواد الكيماوية)، وتضم نحو 50 شركة، وتمتد للمجال الإعلامي، والتطوير العقاري، والفنادق. وبعد توسّعه الاقتصادي امتد طموح أخنوش للمجال السياسي، ليصل المال بالسلطة، عبر تسلّقه رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، أحد حلفاء بنكيران في حكومتيه السّابقتين.
وبما أن الاستعصاء في عمليّة مخاض الحكومة، قد تسبّب في حالة تذمر عام حتى من الأطراف التي دعت للمقاطعة، فليس هناك أسوأ من حكومة ضعيفة إلّا وضعية اللاحكومة.. وأي حلّ سيكون موضع ترحيب. والواقع أن هذا الاستعصاء مقصود، والحديث السائد عن إجراء انتخابات أخرى هو مجرد تحضير للأسوأ.
هكذا مع الحديث عن إعادة الانتخابات، الأمر الذي يرفضه الجميع، تصبح أي حكومة مرحباً بها.
ولا بأس إن دخلنا في مرحلة طويلة من التجاذبات بين بنكيران الذي سيكون عاجزاً أكثر من أي وقت مضى عن التحكم في الوضع الذي يفترض أنه يسيّره، وستكون هذه التجربة عاملاً إضافياً ومقصوداً للقضاء على شعبية حزبه، وبين العراب أخنوش الأمين العام لأحد أعرق الأحزاب الإدارية، وأكثرها قدرة على الاستمرار وتغيير المعطف وفق متطلبّات المراحل السياسية التي تخدم في ظلها.
في الحكومات السابقة المؤلفة وفق نتائج الانتخابات التشريعية (وهنّ ثلاث، حكومة التناوب لعبد الرحمن اليوسفي 1998، وحكومة عباس الفاسي 2007، وحكومة بنكيران الأولى 2012 ) كان التجمع وبقية الأحزاب الإدارية حاضرة بقوّة وهي التي يُفترض أن يُحْدِث معها المغرب قطيعةً نهائية إذا كان يرغب في الانتقال إلى بيئة شبه ديموقراطية.
ورغم الاتهامات التي أطلقها بنكيران ضد الأمين العام السابق للتجمع، عقد تحالفاً مفاجئاً معه، وأصبح "اللّص" السابق بنظر بنكيران، وزيراً لخارجيته رغماً عنه.
وسيناريو 2002 يبدو غير ممكن، حين انتهت تجربة التناوب التوافقي بقرار الملك محمد السادس تعيين إدريس جطو وزيراً أولاً من خارج الأحزاب السياسية بعد عدم إفراز انتخابات 2002 لأغلبية واضحة، وعدم قدرة الأحزاب الممتلكة لنسب كبيرة من المقاعد من تكوين أغلبية. وبما أنّ دستور 1996 لم يكن يفرض على الملك تعيين الوزير الأول من الحزب الفائز خلاف ما بات منصوصاً عليه في دستور 2011.. بل كانت الأسماء في الحكومات تُقترح من القصر على الوزير الأول المكلّف تشكيل الحكومة. فمثلا في حكومة الفاسي، حمل أحد مستشاري الملك ورقة تضم لائحة الوزراء الذين "يقترحهم" المستشار الملكي على الفاسي كي "يقترحهم" بدوره على الملك!
..إذاً، وبالنظر إلى عدم إمكانية ذلك، ولا منطقية الخيارات الأخرى من قبيل التحكيم الملكي الذي طالب به البعض، بما أن التحكيم سيؤدي إلى إعفاء بنكيران من تشكيل الحكومة وهو أمر غير ممكن لأنه يتعارض مع الدستور الذي يطرح خياراً واحداً لتشكيل الحكومة وهو تكليف الأمين العام للحزب الفائز بالانتخابات.. كما لا يمكن حلّ البرلمان وإجراء انتخابات أخرى مكلفة مادياً، وقد لا تحمل خيارات أخرى غير تلك المطروحة الآن.. ما يعني أنّه لن تكون هناك حكومة من دون بنكيران. والبديل سيكون في التركيبة الحكومية التي لن تخدمه كثيراً، وستضرب عصفورين بحجر واحد: ضرب صدقية بنكيران وحزبه بنحو لن يسمح بتكرار فوزه في مرات قادمة، وتشكّل خيار ثانٍ للدولة العميقة، بعد فشل الخطة "ألف" التي كانت تتمثل في حزب الأصالة والمعاصرة..