وزير الخارجية الأميركي جون كيري يسابق الزمن ليحقق نجاحاً سياسياً دبلوماسياً في أسابيعه الأخيرة، وليس أمامه سوى الملف اليمني، حيث بالإمكان النجاح بسبب تعذّر الحل في سوريا. فأطراف الحرب في اليمن منهَكة ومنذ وقت ليس قصير يراوح الميدان العسكري مكانه منذ أكثر من عام بدون أي انتصار عسكري فارق. وعلى المستوى السياسي، فقد تشكّلت ملامح الاتفاق وقبلت خطوطه العامة من جميع الأطراف عبر وكلائهم الإقليميين.
زيارة كيري لسلطنة عُمان تندرج في هذا الإطار، حيث أصبحت السلطنة محطة تفاوض في الحرب اليمنية، لأنها المنفذ الوحيد المُتاح للحوثيين ولصالح يمكن السفر إليه بسهولة، ولقاء كيري لوفد الحوثي يُعدّ تغيراً لافتاً في السياسة الأميركية ورسالة قوية للحكومة الشرعية وحلفائها الإقليميين. وهي وُجِّهت بعد رد الحكومة الشرعية القاطع على خريطة الطريق التي اقترحها المبعوث الأممي، فرفضت التعامل معها ورفض الرئيس هادي استقبال المبعوث الأممي. أثار هذا الرد حفيظة الدول القريبة من الملف اليمني وغضبها، كبريطانيا وأميركا، وتوالت ردودها التي بدأت باجتماع اللجنة الرباعية المشكَّلة من الإمارات والسعودية وأميركا وبريطانيا في لندن لتعلن دعمها للخريطة.

"الشرعية".. ردّ حاسم وقوّة مفقودة

أعطى ردّ

الحكومة الشرعية الرافض للخريطة دون قراءتها، والمطالب بتعديلها، الانطباع بأنها غير جادة في التعامل مع محاولات وقف الحرب. ففي بيانها الذي أصدرته لم تقدِّم أي بديل عنها ولم توضح ما هي المشكلة في بنودها عدا إشارات عامة وغائمة حول مساواتها بين الشرعية والانقلابيين دون توضيح الحل، أو تصوّراتها الممكنة للحلّ. كما أنّ التقرير تجاهل كلياً معاناة الناس أو الإشارة إليها حتى من باب تحميل المسؤولية للحوثيين، بغض النظر عن مأزق نقل البنك المركزي من العاصمة إلى عدن، وبالتالي انقطاع المرتّبات عن الناس للشهر الثالث، وهي كارثة اقتصادية - إنسانية تتحمل مسؤوليتها الحكومة بشكل كبير.
ثم أن عدم عودة الحكومة للمناطق المحرّرة، وتحديداً مدينة عدن، العاصمة الانتقالية، واستمرار تدهور الأوضاع المعيشية والأمنية في تلك المناطق، وكذلك تسرّعها في خطوة خطيرة مثل نقل البنك وعدم تحملها لمسؤولية استحقاقات هذا النقل مثل دفع مرتبات مليون وثلث المليون موظّف يعيلون ما لا يقلّ عن ستة ملايين إنسان، إضافة للتغييرات التي أُجريت في قيادة هذه الحكومة، مثل عزل نائب الرئيس ورئيس الحكومة بدون توافق سياسي للقوى السياسية المنضوية تحت راية الشرعية، علاوة على أن هذا العزل غير دستوري بشكل واضح.. كل هذه تصرفات وإجراءات أدت لتآكل شرعية الحكومة داخلياً وخارجياً وصارت دلائل واضحة على ضعف أدائها الذي يتّسم بالفساد والاستهتار بمصالح الناس.
هذا الضعف الداخلي للحكومة المقيمة في الخارج والأداء السياسي الهزيل يجعل تبعيتها للسعودية شبه كلية وبالتالي رفضها أو قبولها ليس إلا تحصيل حاصل، لأنها لا تمتلك أي أدوات ضغط في الداخل أو الخارج، ولا يثير ردها القلق لكونها لا تعلم شيئاً عن الاتفاق الذي أُعلن عنه من أبوظبي والذي يدعو لوقف إطلاق النار يوم 17 تشرين الثاني / نوفمبر ثم تشكيل حكومة وحدة وطنية في آخر السنة بعد إتمام إجراءات الانسحاب وتسليم الأسلحة إثر مفاوضات تبدأ نهاية الشهر الحالي.
لا تمتلك الحكومة عناصر الصمود بموقف الرفض لأنها لا تستند على حضور داخلي متماسك، باستثناء كراهية الناس للحوثي، كما أنها أخطأت في ربط الشرعية بشخص هادي، وهو يتناسب مع المصلحة الشخصية الأنانية للرئيس وبعض الأفراد المحيطين به، لكنه يضرّ كثيراً بالموقف السياسي والشرعي في المعركة ضدّ الحوثي. فالشرعية هي شرعية وجود الدولة اليمنية بنظامها الجمهوري وأطرها السياسية والدستورية التي كان يعمل بها، والتي تمّ التوافق على بعض خطوطها العامة قبل اجتياح الحوثي للعاصمة.
واضح أن إطالة أمد المعركة لن يؤدي لتحقيق أي اختراقات عسكرية، لكن الحكومة تلعب بعامل الزمن وإضاعة الوقت لأنها تعوّل على أمرين: داخلي، يتعلّق بنضوب الموارد المالية للحوثي وصالح، وقد أدّى شحوب هذه الموارد لتصاعد الخلافات بين الطرفين بشكل قابل للانفجار داخل العاصمة صنعاء، وهو غير ممكن حالياً لأن وجود عدوّ مشترك متمثل بالتحالف يدفع لاستمرار تحالف الضرورة بينهما. كذلك فهناك تعويل على انفجار شعبي ضدّ الحوثي داخل صنعاء، وهو أمرٌ له شواهد عديدة، لكنه يظل غير ممكن في ظل طغيان التدخل الخارجي وبالأخص العسكري، على الرغم من حضور عامل الجوع، لأن وجود طرف خارجي يؤدي لإضعاف قدرة الناس على المقاومة وإحكام سيطرة أي سلطة حاكمة.
الأمر الثاني الذي تعوّل عليه الحكومة هو إطالة الوقت حتى تنتهي فترة أوباما مما يعني سنة أخرى حتى يُعاد فتح الملف اليمني من قبل الإدارة الأميركية الجديدة. لكن هذا يتجاهل المأساة الإنسانية التي لا تقدّم الحكومة لها أية حلول، كما أن حليفتها، السعودية، لديها حسابات مختلفة. هذا في وقت تعدّ بريطانيا لطرح مشروع قرار لمجلس الأمن بخصوص اليمن يدعم الخارطة ويعاقب أي معرقل لها، مما قد يضع الحكومة اليمنية في موقف حرج.

اختلالات الاتّفاق

لهذا الاتفاق اختلالات عدة تجعل منه ترحيلاً الى صراعات أخرى مقبلة، أبرزها غياب الكثير من الأطراف الداخلية من مضمونه، مثل طرف صالح وهو قوة لا يُستهان بها. صحيح أن الحرب استهدفت ودمّرت أكثر ما دمّرت قوة صالح العسكرية، كما أن قوته السياسية كانت مرتبطة بمؤسسات الدولة التي تفكّكت، لكن يظلّ للرجل شعبية واسعة اكتسبها من الحرب نفسها بفضل تصاعد كراهية الناس - في بعض مناطق الشمال - للسعودية والحوثي في آن واحد، كذلك حنيناً لأيامه الأكثر استقراراً وهدوءاً مما يعيشه اليمنيون اليوم، وفي ظلّ غياب بدائل معقولة.
وعلى ذلك، يُقصي الاتفاق أطرافاً داخلية مهمة مثل "حزب الإصلاح". وهو كتلة عسكرية وبشرية لا يمكن الاستهانة بها، كذلك "الحراك الجنوبي" بكل فصائله وتشعباته، إضافة لبعض القوى المناطقية الصاعدة مثل حضرموت ومأرب، هذا غير القوى السلفية التي قاتلت بشراسة الحوثي وتُعدّ صاحبة القرار الحقيقي في كثير من المناطق.
الاختلال الثاني هو تجاهل الاتفاق لكثير من القضايا مثل الفيدرالية التي كانت أحد أسباب الصراع ولا زالت قنبلة موقوتة، خاصة مع تقسيمات الأمر الواقع في ظل صراع مستميت على موارد فقيرة ومحدودة تتمركز في بعض المناطق، وكذلك يتجاهل الدستور وغيرها من قضايا الانتقال السياسي، خاصة مع حقيقة وجود اختلال ثالث أكثر إلحاحاً، وهو صعوبة التطبيق.
فعلى الرغم من أن الاتفاق يصب ظاهرياً في صالح الحكومة الشرعية، باستثناء عزل الرئيس ونائبه الحالي، وسائر البنود تُضعف الحوثي، ظاهرياً على الأقل، مثل الانسحاب وتسليم الأسلحة، لكنّ هذه الإجراءات لا يمكن تطبيقها عملياً دون تحايل. فالحوثي يطالب بدمج عناصره بالأمن، أما تسليم الأسلحة فهو أمر صعب ضبطه ويمكن للحوثي الادّعاء بسهولة أن الأسلحة دُمرت في مخازنها أثناء الحرب، ويستحيل أن يفرط بها حيث هي قوته الحقيقية في ظلّ غياب أي قوة شعبية أو سياسية له.