عادت قضية الجزر المصرية تيران وصنافير لتحتل مساحة جديدة من النقاش العام، لكن هذه المرة ليس باستمرار المنازعة الحكومية أمام القضاء المصري الذي حكم لمصلحة مصرية الجزيرتين وليس سعوديتهما، أو حتى بسبب حديث نقيب الصحافيين الأسبق الأسبوع الماضي، وهو المعروف بقربه من دوائر الحكم، الذي اعترف بوجود ضغوط سعودية على مصر وقت زيارة الملك سلمان إلى القاهرة في نيسان/ أبريل الماضي، من أجل أن توقع مصر اتفاقية تسليم الجزيرتين إلى السعودية كشرط لإتمام الزيارة، وهو ما صار.. وإنما لانتقال الأزمة إلى التعليم والمناهج التعليمية.

تغيير المناهج

اكتشف الطلاب والمعلمون في نهاية المرحلة الابتدائية اختفاء اسمي جزيرتي تيران وصنافير من دروس مادة "الدراسات الاجتماعية"، وهو الكتاب الذي يضم مادتي التاريخ والجغرافيا. وكان منهج الصف السادس الابتدائي في العام الدراسي الماضي الذي انتهى في أيار/ مايو الفائت قد ذكر اسميهما في الدرس الخاص بالجزر المصرية في البحر الأحمر، وكان هذا الكتاب المدرسي هو إحدى الوثائق التي قدمت في المنازعة أمام القضاء. ولم يقتصر الأمر على تعديل منهج العام الماضي وطبع دروس جديدة، وإنما ألغي الأطلس المدرسي الذي يوزّع على طلاب الثانوي وإعادة طبع أطلس جديد لا يضم الجزيرتين. وامتد الأمر إلى رفع اسم تيران وصنافير من الأطلس

الموجود على الموقع الرسمي لوزارة التعليم.
أثار حذف أسماء الجزر لغطا وغضبا وسط التربويين والمعلمين، وطرح قضية التداخل ما بين القضايا السياسية والقضايا التعليمية، وحدود تدخل السلطة التنفيذية في وضع المناهج التعليمية، خاصة في قضية راهنة ولم تزل محل خلاف وتنازع أمام القضاء، الذي حسمها في الدرجة الأولى من التقاضي لمصلحة مصرية الجزيرتين. بل إنّ هذه القضية أشعلت الغضب الشبابي والطلابي في تظاهرات سجن بعضهم على إثرها، واتُهم التربويون وأساتذة التاريخ الوزارة بأنّها لم تعد جهة محايدة.
ومن جانبها، برّرت وزارة التعليم على لسان متحدّثها الرسمي ما حدث في المناهج بقوله إنّ الحذف تمّ لاكتشاف أن الجزر ليست تابعة للإدارة المصرية وأن طبع أطلس جديد يتم كل عام دراسي.
وكانت قضية تيران وصنافير قد أثارت أزمة في العام الدراسي الماضي ولكنها كانت محصورة في أسئلة الامتحانات بالجامعات التي تناولت الأمر، وتم التحقيق مع الأساتذة المشرفين على وضع الأسئلة، وكان التبرير بأنها "تصرفات فردية".

وإسرائيل ..

لم تكن قضية تيران وصنافير فقط هي ما شملها تعديل مناهج مادة الدراسات الاجتماعية، وإنّما امتد التغيير ليشمل الصراع العربي الإسرائيلي الذي يتم التعرض له في مناهج طلاب الصف الثالث الإعدادي، حيث اختفت مصطلحات مثل الصراع وغيرها.. وفور اكتشاف هذا، أصدرت وزارة التعليم بيانا أكّدت فيه أنّ الكتب الحالية ومناهج الدراسات الاجتماعية تعرض الصراع العربي الإسرائيلي بشكل تربوي موجز يُبرز الحقائق التاريخية دون تبني توجه سياسي أو ديني، وأضافت أنّه تتم مراجعة المناهج الدراسية بواسطة لجان متخصصة تضم أساتذة أكاديميين وتربويين، وأنّه بالنسبة لكتاب الدراسات الاجتماعية الذي يُدَرّس لطلّاب الصف الثالث الإعدادي، فإنّه يضم وحدة كاملة عن "ثورة يوليو 1952" والصراع العربي الإسرائيلي، وأنّه ذكر بنود معاهدة السلام مع إسرائيل بما فيها الشق الذي يخص الفلسطينيين والحكم الذاتي لهم في الضفة الغربية وغزة.. وأكد البيان الوزاري أنّ المنهج الحالي قد خلا من مصطلحات مثل ثقافة الصراع، لتحل محلها ثقافة السلام، مبرراً قوله بأن مصطلح السلام أصبح مبدأ تربوياً عالمياً يعتمد على التفاهم وقبول الآخر!

مبارك ومرسي

مذبحة المناهج لم تقتصر على القضايا السابقة فقط، بل امتدت لمادة وكتاب التاريخ المقرر على الصف الثالث الثانوي، حيث تقدم محامٍ ببلاغ للنائب العام يتهم فيه وزير التعليم بتزييف التاريخ وحذف حقبة حسني مبارك من المناهج، وقصر وجود اسمه على حرب أكتوبر 1973، باعتباره قائد سلاح الطيران خلال الحرب، دون ذكر أنّه حكم مصر ثلاثين عاماً! فيما قال مدير مركز المناهج في الردّ على ذلك انّ المراجعة التي تمت لمنهج تاريخ شهادة البكالوريا أحدثت تعديلاً فقط على فترة حكم الإخوان ومرسي، وأنه شمل الجزء الأخير من المنهج الدراسي، بينما الوارد حول مبارك تمّ تعديله ووضعه عقب "ثورة 25 يناير" حيث حذف الفصل الخاصّ بمبارك، وأنّ المنهج الحالي مؤقت أدخلت عليه تعديلات بإضافة "ثورة 30 يونيو" ودور الشعب المصري والقوات المسلحة فيها.
وتطرح التعديلات الأخيرة على مناهج التاريخ والجغرافيا سؤال ما إذا كانت هذه المناهج قضية فنية وعلمية أم هي سياسية وبيد السلطة التنفيذية والحكومة التي.. تُغير كتابة التاريخ في كل حقبة بما يناسب حرفياً أهواءها، ليس تأويلاً فحسب، بل شطباً ومحواً وإزالة!