كلمة السرّ في أيامنا هذه، "افتح يا سمسم" العالم الحديث، هي "الابتكار"، مصدر كلّ تقدم. وسرّها هو الإنسان. الإنسان المتعلّم والمتحرّر، المتمتع بكرامة مضمونة. يبدو أن المسؤولين في المغرب واعون تماماً لهذه المسألة. على الأقل هذا ما يعكسه الخطاب السائد. ليس هناك من مناسبة ولا اجتماع حكومي إلا ويُسهبون بالكلام عن الموارد البشرية والتدريب المناسب والتنمية البشرية وحقوق الإنسان. ولإدراكها التحديات المستقبليّة، يظهر أنّ الحكومة، التي تولي أهمية خاصة للمدرسة، تقارب الأزمة بعناية شديدة وتصرف لأجلها من دون حساب.
ولكن الحقيقة في تناقض فاقع مع الخطاب. لا نجد أي ابن مسؤول رفيع المستوى، أو حتى مسؤولين في مستويات أدنى، مسجّلاً في المدرسة الوطنية. وحتى الطبقة الوسطى العليا الواعية لثغرات التعليم الرسمي، هجرت مقاعد المدرسة الوطنية. هنا، لا أقصد أن أجادل في وجود الحسّ الوطني من عدمه لدى المجموعات المهيمنة. لا يهمني فعلاً شعورهم بهذا الصدد. المسألة الأكثر أهمية بنظري تكمن في حالة النخبة، خاصة عندما ننظر إلى دورها في ما يتعلّق بمستقبل البلاد. فعلى عاتق الأولاد المحظوظين، الذين يحوزون مستوىً مرتفعاً من التعليم، سيقع الحمل الثقيل في تولي شؤون هذه البلاد، وإدارة مؤسساتها وشركاتها. إنهم نخبة الغد. ولكن هل يكونون على مستوى المسؤولية في تنفيذ المهامّ التي ستوكل إليهم؟
في أعقاب الاستقلال، خرّجت المدرسة الموروثة عن فترة نظام المحماية ("الحماية" الفرنسية على المغرب 1912 - 1956) نخبة محنكة ومندفعة، تملؤها المثاليات وعالية الطموح بشأن المشروع السياسي. أنتجت نخبة الستينيات والسبعينيات أفضل ما لدينا في المجالات الفكرية والثقافية، وحتى اليوم لم يستطع أن يضاهي إرثها أحد. لقد حلمتْ وناضلتْ وضحّت وسُجنت ودفعت من لحمها الحيّ، وأحياناً دفعت حياتها. لم تسقط في دوامة النقد المتبجّح مما يمارس في الصالونات. وحتى في الخطأ، كانت على مستوى طروحاتها الوازنة التي قد تؤدي بأصحابها إلى الزنازين. لم تلوثها الأموال. حلمها كان أكبر من الواقع. هذه النخبة، وعلى الرغم من أن المدرسة كانت مفتوحة بالقطّارة أمام أبناء الشعب، فقد تغذت من المجتمع. أبناء المدن والقرى والأرياف أعطوا أفضل ما عندهم للأمة التي كوّنتهم وأهّلتهم.
لم تعد هذه النخبة موجودة، وغداً ستصبح أقلّ من ذلك. النخبة التي نصنعها اليوم تأتي من خلفيات اجتماعية وسياسية محظيّة. هي تلك التي يمكن تسميتها، من دون شك، "الأنواع المحميّة". طريقها مرسوم منذ الولادة، يجري تسمينها وتدليلها، وموضعتها فور نهاية المرحلة المدرسية. لا تعرف هذه النخبة ما تعنيه المنافسة، فهي قد سُحبت من بيئتها وجرى وضعها في حاضنة، وهكذا يمكن اعتبارها أحد أنواع المختبر. أفقها هو العائلة والمسار المهني والأعمال. تسبح في وسطها الضيّق. أما المغرب، بكل أبّهته وأبعاده التاريخية والثقافية، وما فيه من تحديات، فلا يعني لها شيئاً.
مع إقفال أبواب النجاح المدرسي أمام أبناء الشعب، جرى إفقار المغرب. لم يعد يُنتج، لم يعد يحلم، يغرق في سبات الفئات المتخمة. الاصطفاء الطبيعي لا يحصل. لا نكافح من أجل النجاح، بل نرثه. ابن القرية أو المدينة، الآتي من عائلة فقيرة، عليه أن يثبت نفسه. هو في حالة صراع دائم من أجل تشكيل هويته. أمّا جماعته التي تعيش ظروفاً حياتية صعبة، فلا ترفده منذ بداية انخراطه في اللعبة، بأي امتيازات.
وللمفارقة، فهذا الشخص هو عماد الحداثة في البلد. يقود ثورتها على مختلف المستويات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. بل يجب عليه القيام بذلك. هو الفرد الحديث المُلزَم بالابتكار والتخيّل. عليه أن يقلب حال الجمود، ويصنع لنفسه مكاناً تحت الشمس ليثبت شرعيّته. هذا هو الثمن الذي تولد على أساسه النماذج الجديدة، ويروّج للإبداع. ولكن بالنسبة لهذا الشخص لا شيء مكتسب بالمطلق، فهو يبقى في حالة كفاح دائم. وعليه، فإنّ تأسيس مدرسة حقيقية لأولئك الأطفال الذين لم يرثوا شيئاً هو الأرضية الخصبة لثورة تسمح للأفضل بأن يتولّوا مواقع القيادة. ومن دون أن يتوفر ذلك، ستبقى بلادنا محكومة بالركود. "النوع المحمي" الذي يجري تحضيره للقيادة مهدّد بالانغماس في عالم زواج الأقارب/ قرابة الدم التي تنتهي بإنتاج أغبياء وخراب هذه البلاد.
 
ترجمته عن الفرنسية هيفاء زعيتر