"الدولة اليهودية" لا يمكنها تعريفاً أن تكون دولة كل الإسرائيليين، ما يضع غير اليهود خارج نطاق مواطَنتها الفعلية. وهو حال الفلسطينيين من كلّ المذاهب، وعلى رأسهم الدروز والبدو الذين جرى التبجح بوجودهم في مناصب عسكرية وسياسية ومدنية في إسرائيل، وذلك مهما علا شأن مسؤوليّاتهم تلك في هذه الدولة. وأما التركيز على النضال من أجل "الحقوق المدنية"، فقد يتستر على تخلٍ عن الحقوق الأصليّة، الوطنية التحررية.
 



"هُنا فلسطين". هكذا حرفياً عنونت صحيفة "كول بو" الإسرائيلية التي تصدر في مدينة حيفا صورة من الحيّ العربيّ الحيفاوي "وادي النسناس" يوم الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2000، أي عقب التحاق الفلسطينيين داخل أراضي 48 بانتفاضة أبناء شعبهم في الضفة الغربيّة وقطاع غزة. وكأنّ هذه الصّورة التي نشرتها الصحيفة لم تترك للمحرّر الإسرائيليّ الجالس في مكتبه مكاناً للتفكير أو السؤال عن مكانة الفلسطينيين حمَلة الجواز الإسرائيلي، القانونيّة أو السياسيّة. لم تترك له خياراً. فرَض المشهد عنواناً لا لبس فيه: شرطيّ إسرائيلي يختبئ خلف سيّارة مُشهراً مسدسه وعصاه وجاهزاً لإطلاق النار. وأمام السيّارة شبّان يتراكضون وإسفلت

مغطى بالحجارة وإطارات مشتعلة، وعائلة تنظر إلى المشهد.
في هذه الصّورة واللّحظة تحديداً، وعلى الرّغم من عدم وجود العلم الفلسطيني، أو أيّ لافتة أو شعار، ظهرت فلسطين في مدينة حيفا أوضح من أي وقت آخر. ظهرت الهويّة بوضوح أكثر من أي خطاب يلبس فيه زعيم كوفيّة على منصّة، أو يلقي فيه زعيم آخر بعض أشعار محمود درويش. بات جوهر الهويّة الفلسطينيّة حاضراً في تحدّيه للمشروع الاستعماريّ، حيث لا مكان للاستهلاك والرمزيّات. باقتضاب: تُصبح الهويّة واقعاً يُفرض على المُستعمر عندما تستوفي شرط وجودها: تحدّيه.

بين المطلبيّ المدنيّ والقوميّ التحرّري

يتأثّر الفلسطينيّون في الدّاخل، كأي تجمّع فلسطينيّ آخر، بأي تطوّر أو تحوّل في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي عامّة. وتختلف حدّة التأثّر والاستجابة للتغيّرات العامّة التي تطرأ على الصراع، ويعود سبب ذلك أساساً إلى موقع التجمّع ومكانته واشتباكه وارتباطه الرمزيّ والماديّ بمؤسسات السلطة المركزيّة الحاكمة التي تشكّل طرفاً في إحداث أي تغيير. واتفاقيّة أوسلو التي لا يفصلها من حيث الذكرى عن الانتفاضة الثانيّة سوى أيّام عديدة، وإن كان لها تأثير جذريّ على التجمّعات الفلسطينيّة كافة... تأثيرٌ كان، كالاتفاقيّة، في اتجاه سلبيّ. بات هناك شعور عامّ، داخل أراضي 48 خصوصاً، بأنّ القضيّة الفلسطينيّة في طريقها إلى الحل، وأنّ دولة فلسطينيّة ستُبنى على حدود العام 1967، ويتوجّب الآن على الفلسطينيّين في الدّاخل وبالموازاة، قبول واقع جديد انفصالي، وبات الحديث عن المآلات المختلفة للتجمّعات الفلسطينيّة أمراً واقعاً. وباتت مقولة أنّهم "شأن داخلي إسرائيلي" واقعاً بحكم الاتفاقيّة الجديدة.
يدّعي البعض أن انفتاحاً متبادلاً طرأ على العلاقة ما بين الفلسطينيّين في الدّاخل والمؤسسة الإسرائيلية في أعقاب توقيع اتّفاق أوسلو. الانفتاح الإسرائيلي الذي أخذ عملياً بعد أوسلو شكل زيادة في الميزانيّات لسلطات الحكم المحلي في البلدات العربية داخل أراضي 48، بقي في إطار انفتاح تحت "شرط" الصهيونيّة، انفتاحاً شكليّاً لم يمس جوهر الصراع الأساسي: الأرض والهوية.
مراجعة الأحداث ما قبل الانتفاض داخل أراضي 48، هي اشتباك فكريّ وسياسيّ ليس فقط مع من يتبنّى الموقف القائل بأنّه كان هناك "انفتاح"، بل أيضاً مع من رأى انتفاضة الداخل "صدمة"! فقبل يوم واحد فقط من انتفاض الدّاخل، دهمت السّلطات الإسرائيلية خيمة الاعتصام التي أقامها أهالي المثلّث تصدّياً لمخطّط إقامة أوتوستراد "عابر لإسرائيل"، واعتقلت كل القائمين عليها بعد نضال عنيد خاضه أهالي المنطقة ضدّ الطّريق الذي أرادت إسرائيل إقامته من خلال سلب أراضيهم. في المقابل، كانت هناك بؤرة مواجهة مع السلطات الإسرائيلية في مدينة شفا عمرو الواقعة شمال فلسطين المحتلة، بعد إقدام السلطات على هدم بيوت حيّ "أم السحاليّ" كاملة بذريعة عدم وجود تراخيص بناء. أعاد الفلسطينيون بناءها بعمل شعبي تطوّعي أدّى إلى اشتباك مع الشرطة الإسرائيلية، وعُرفت القضيّة باسم "قضيّة أم السحاليّ"، بالإضافة إلى قيام السلطات بمصادرة أراضي قرية عين ماهل الواقعة بالقرب من مدينة النّاصرة لأجل بناء حيٍّ جديد في مستوطنة "النّاصرة العليا".
على صعيد الهويّة، واجهت الحركة الطلابيّة الفلسطينية محاولات قمع عدّة من قبل المؤسسة الإسرائيلية، ما أدّى بالموازاة إلى تشكّل حراك طلّابي نابض تحدّى القمع الإسرائيلي برفع الأعلام الفلسطينية داخل الجامعات الإسرائيلية التي كانت تحاول منعه. عملياً، كان الانفتاح في اتّجاه واحد فقط قبل الأول من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2000. واتّجاه واحد لا تعني بالضرورة انفتاح أحد الطّرفين على الآخر: في هذا السياق هو انفتاح باتجاه المدني، وصراع على القومي.
مراجعة انتفاضة الفلسطينيين في الداخل ليست مجرّد تمرينٍ ذهني لتحليل الأسباب. فالماضي يفقد معناه إن لم يكن دليلاً لبناء مستقبل أفضل. وفي الوضع الفلسطيني، فإنّ إعادة ارتكاب أخطاء الماضي له ثمن على قضيّة وأرض وإنسان ووعيّ تشكّل بالنسبة للفلسطيني شرطاً وجودياً. لم تتغيّر إسرائيل، فجوهرها كدولة قوميّة يهوديّة استعماريّة بقي حاضراً في محاصرتها للفلسطينيّين في الدّاخل، كما هو في الضّفّة الغربيّة وقطاع غزّة. فالدّاخل الفلسطيني ما زال طيلة الأعوام السّتة عشر الماضية مستهدفاً على الصعيد القومي.

[Media:4789]

ويبرز الاستهداف في المناطق كافة، بدءاً من مخطّط "برافر" الاقتلاعي للاستيلاء على أراضي النقب، وصولاً إلى قرية "رميّة" التي تريد المؤسسة الإسرائيلية مصادرة أراضيها لأجل توسيع المدينة اليهوديّة كرميئيل في الجليل الأعلى، مروراً بهدم المنازل في المثلّث وحصار الفلسطينيين في كانتونات داخل المدن المختلطة تحت ذريعة "التخطيط"، وسط تشرذم واضح في الرؤية الفلسطينيّة العامّة وانهيار للمشروع الوطني.

عودة الخطاب المدني على حساب القومي

أخذ يبرز منذ انتخابات الكنيست الأخيرة التي خاضتها الأحزاب العربية في الداخل بقائمة مشتركة واحدة، برنامج سياسي جديد. ظهر أول ملمح له من خلال خطاب إعلامي قاده رئيس القائمة المشتركة خلال فترة المنافسة الانتخابية، وهو موجّه إلى الشارع الإسرائيلي على حساب الهوية الفلسطينية، إذ توجّه فيه أكثر من مرّة إلى الفئات المهمّشة طبقياً داخل المنظومة الاستعماريّة كاليهود من أصول شرقيّة مثلاً، الذين يشكّلون هم ذاتهم مخزون الأصوات الأساسي والأكبر لليمين الإسرائيلي. واستمر بعد انتهاء الانتخابات، ليؤشّر على برنامج سياسي وليس مجرّد دعاية انتخابيّة، دون مراعاة لخصوصيّة الفلسطينيّين داخل أراضي 48 والرواية التاريخيّة التي تتناقض مع هذه المنظومة وجودياً وليس شكلياً أو ظاهرياً.
وبذريعة بث روح الوحدة وعدم تصدير الخلافات إلى الخارج، أخذ يختفي تدريجياً الخلاف داخل "المشتركة"، حتى سيطر البرنامج الجديد عليه، ولو إعلامياً وفي العلن. وبالموازاة، راحت تبرز مجموعات من الأكاديميين الفلسطينيين التي تطمح لوضع إطارٍ نظري وسياسي استراتيجي يؤسّس لهذا النهج، من خلال تقرير أصدرته المجموعة تحت عنوان "التقرير الاستراتيجي للعرب الفلسطينيين في إسرائيل". ويخلص التقرير إلى أنّه يتوجّب على الفلسطينيين في الداخل أن يشكّلوا ذاتاً مستقلة، ويلعبوا دور "الوسيط" في حل الصّراع الفلسطيني - الإسرائيلي، بالإضافة إلى فك الارتباط عن "مشاريع شموليّة ترفض اليهود وإسرائيل من حيث المبدأ"، ويُعرّف إسرائيل على أنّها "دولة تمارس نزعات كولونياليّة".

المصالح مبرّر موقف سياسي

التجربة تحذّر من عودة الخطاب السياسي إلى مربّع "اللاجدوى"، وإلى إعادة إنتاج وتجريب المجرّب، حيث المدني فوق القومي. والقومي كما يظهره التقرير ليس إلّا عائقاً أمام تحقيق الحقوق المدنيّة. لكن في إطار العودة إليه الآن، وفي المرحلة الفلسطينية الآنية، حيث لا مشروع وطنياً ولا وحدة، يُصبح الانقسام والانفصال كردّ فعل على التردّي وليس لظرف سياسيّ كاتفاقيّة أوسلو مثلًا وما ترتّب عليها من فصل بين الفلسطينيين بقرار سياسي، مجرّد عبث سياسي بالوعي والهوية.
غالباً، يحتاج التوجّه إلى المطالب المدنيّة، في حالة الفلسطينيين داخل أراضي 48، وخصوصيّة مكانتهم القانونيّة والسياسيّة، مراعاة إسقاطات هذا التوجّه على الهويّة القومية، خاصّة أنّهم يتوجّهون إلى المؤسسة ذاتها التي تستهدف وجودهم ليطالبوها بحقوق مدنيّة عادة ما تحاول المؤسّسة الحاكمة ربطها بتنازلات على الصعيد القومي، ما يجعل الحق المدنيّ أحياناً ليس إلّا أداة تأديبيّة تستعملها المؤسّسة الاستعماريّة لفرض مواقف سياسيّة جوهريّة أو المقايضة عليها.
السّعي إلى تحقيق المصلحة الخاصّة على حساب المصلحة الجمعيّة الموحّدة، والنظر إلى الخصوصية كمبرّر انفصال وليس كتحدٍّ، لا ينحصر فقط في المرحلة السّياسية الآنية. فلهذا البرنامج السياسيّ إسقاطات على الوعي الجمعي يكون الشفاء منها بحاجة إلى إعادة صياغة المفاهيم الأساسية كافة، وعودة إلى المربّع الأوّل للصّراع وتعريف الأطراف. فالاستعمار، في الحالة الصهيونيّة، ليس شكليّاً ولا ظاهريّاً ولا نزعة خارجة عن الطبيعي. ولو اعتبرنا اليهوديّة قومية كما تقول الصهيونية فهي تشكّلت على أساس استعماري عنصري، بينما "القوميّة" الفلسطينية (ليس بأي معنى إثني) تشكّلت على أساس تحرّري إنساني. والحالة بينهما هي حالة تنافر وصراع دائم. الأولى تحاول إلغاء الثانية ومحوها نهائياً أو تفريغها من مضمونها وجوهرها. وبالتالي، تحوّلها إلى مجرّد فولكلور يتم تداوله استهلاكياً، شكلياً ورمزياً. تتحوّل الهويّة إلى فولكلور تستطيع الصهيونيّة التعايش معه حين يُنزع عنها جوهرها ومضمونها: تحدّي شرعية وجود إسرائيل ذاتها كناتج نشاط استعماري.

عودة إلى المربّع الأول للصراع

تُشير مسيرة الفلسطينيّين داخل أراضي 48 في التعامل مع المؤسّسة الإسرائيلية، خاصّة وأنّ لهم مكانة قانونيّة داخلها، وهم مُشاركون في ديموقراطيّتها، إلى لحظات تحوّلها إلى القبيلة العسكريّة، مربّع تأسيسها الأوّل وجوهرها. وهذه اللّحظات تجلّت في نقطتين أساسيتين قامت إسرائيل خلالهما بالتعامل مع "مواطنيها" كأعداء: الأولى هي "يوم الأرض"، حيث صدّر الداخل الفعل الانتفاضيّ إلى الضفّة والقطاع. والثانية الانتفاضة الثانيّة حيث تأثّر الداخل الفلسطيني بالفعل الانتفاضي خارج حدود "الخط الأخضر". يشير الفعلان بالمضمون إلى جوهر الفكرة الصهيونية: الاستيطان، أي الاستيلاء على الأرض والإحلال الرمزي، أي هدم ثقافة وهوية وإنشاء أخرى مشوّهة.
إذاً، الصمود في حالة الفلسطينيين داخل أراضي 48، ليس صموداً بالمفهوم المادي فقط. الصمود في هذه البقعة من الأراضي الفلسطينية يمتدّ حتى الهويّة وخصوصيّتها في أدقّ التفاصيل، خاصّة أنّ التركيبة الاجتماعية الإسرائيلية متعدّدة على كل الصّعد الإثنيّة والطبقيّة والثقافيّة، التي تُطالِب جميعها بالمساواة. فالبقاء (الفلسطيني) دون تحدٍّ ممكن أن يكون إسرائيلياً، أو على هامش "إسرائيل". تمايُز الفلسطينيين في الداخل ينبع أساساً من تناقضهم الجوهري مع الرواية الإسرائيلية و "القومية" اليهودية. في العودة إلى المربّع الأوّل للصّراع، حيث تعريف الكيان الاستعماريّ على أنّه "دولة اليهود" وليست دولة الإسرائيليين، ما يستوجب القول المباشر والحاد: الأسرلة الكاملة أيضاً لن تحقّق للفلسطينيين أيّ إنجاز، فالدّولة عمليّاً لليهود، أي أنّها دولة اليهودي غير المواطِن أكثر من كونها دولة المواطِن. وهو ما يعني النّفي إلى هامش الدولة اليهودية، ما يعني بالضرورة الاندثار الثقافي والحضاري نتيجةً.
اختلف الكثيرون على تسميّة انتفاضة الداخل الفلسطيني في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2000، فبعضهم أطلق عليها اسم "هبّة أكتوبر"، وآخرون "هبّة القدس والأقصى"، وفئة أخرى أرادتها أن تكون فقط "الانتفاضة الثانيّة". لكنّها في الحقيقة مرحلة. 10 أيّام سقط فيهم 13 شهيداً قُتلوا حين تحوّلوا لأعداء في اللحظة التي خرجوا وقالوا فعلًا: نحن موجودون. قاوموا كتعبير عن رفض مشاريع المحو التي يمارسها النّظام الاستعماري. قُتلوا حين انتفضوا على جوهر المشروع لا على تعبيراته الشكليّة المختلفة. فمحمود درويش على مسرح إسرائيلي يختلف عن محمود درويش حين يُسطِّر عروبته بالفعل السياسي وامتداده القومي