انتشر خبر إعدام الشيخ "محمد كُريّم" كالنار في الهشيم. فقد حملت رياح الإسكندرية النبأ الحزين إلى أجواء القاهرة التي ارتدت مسوح الحزن وتلحّفَت نيران الغضب.. القادر على العصف بجيوش تخفي قرص الشمس خلف جحافلها القادمة من بلاد الفرنسيس القابعة خلف بحر لا نهاية له. صاح أحدهم "إنها الحرب، وإن هؤلاء الغزاة قد أمنوا الجزاء واستهانوا بغضبة المصريين فأطاحوا رؤوس رموزنا وقادتنا. وغداً يأتي أوان رقابنا". فصاحت الحناجر، لتهتزّ معها أعمدة الجامع الأزهر الذي قاد الثورة منذ اندلاعها في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 1798، حيث بدأت المقاومة.

الرواية

لم يكتفِ بونابرت، قائد الحملة، بإعدام كُريّم بعد الهزيمة في موقعة أبي قير أمام الأسطول الإنكليزي، بل بدأ في التكشير عن أنيابه وتعجّل خطته الاستعماريّة نازعاً عن وجهه قناع الودّ، ليبدأ في فرض الضرائب الباهظة على جموع المصريين حتى يمدّ بها جيشه بالعدّة والعتاد والمأكل، مخالفاً وعوده السابقة للمصريين حينما قدّم نفسه قائداً لحملة تحرير لا يهدف منها إلى نهب ثروات وأموال البلاد. وامتدّت يد العدوان أكثر حتى قامت القوات الفرنسية بهدم أبواب الحارات والمباني المتصدّرة لمداخلها وكذلك تسوية المساجد بالأرض بحجة تحصين مداخل ومخارج القاهرة. ولم ينتهِ الأمر على ذلك النحو، بل عبثت أيادي الغزاة بالبيوت والدكاكين ناهبة ما فيها من بضائع وغلال وأموال. وبذلك، وبما سبقه من عدوان مباشر على قادة ورموز الشعب آنذاك، اكتملت أسباب الثورة والتمرّد لدى جموع الشعب. وبين ليلة وضحاها أصبح الفرنسيون يواجهون شعب القاهرة بكامله. خرج المصريون بكل ما يمتلكون من سلاح وقوّة وعدد وغضب تحت قيادة الأزهر ومشايخه، وبتمويل التجّار الذين ضخّوا أموالهم في تسليح وتحصين المقاومة الشعبية بدلاً من الضرائب التي يجنيها المُحتلّ.
كان أول ما قامت به الجموع تحصين المدن والمناطق المختلفة من المخارج والمداخل بكمائن وحواجز لصدّ الاعتداء وتدبير المكائد في الطرق التي يحتمل الهجوم عليهم منها. ومع بداية الاشتباك استطاعوا اختطاف الحاكم العسكري الفرنسي للقاهرة "ديبوي" فذبحوه، وبدأوا في احتلال الحارات والشوارع الكُبرى طاردين منها من العسكر الفرنسي من ولّى الفرار وخاطفين من لحقت به أياديهم وذابحين من حاول مقاومة الجموع الهادرة. وهنا بلغت الخسائر في صفوف الغزاة خمسة عشر جندياً وحاكماً عسكرياً، وبذلك مالت كفّة الميزان لمصلحة المصريين.
وفي لحظة فاصلة، امتزجت بها نشوة النصر المبكّر بحماسة جموع المقهورين وقلّة الخبرة في أصول الكَرّ والفَرّ، بدأ الهاربون من العسكر الفرنسي بلمّ شتاتهم، فشرعوا في احتلال قمم الحارات ورؤوس الشوارع الكُبرى التي خلت من المصريين. أصبح الآن شعب القاهرة محاصراً من كافّة الجهات، الشوارع موصدة والأهداف مكشوفة أمام العدوّ. وامتدّت القوّات لتحتل مآذن الجوامع التي كان يفترض أن تكون أبراج مراقبة للمقاومة الشعبية التي ألهاها نصرٌ مبكّر عن التفكير في المقبل، فصارت مرمى نيران المدفعية الفرنسية التي لم تدّخر جهداً في نسف وحرق وتدمير كل ما أمامها من بشر ومبان. فسقط من المصريين المحتفلين قبل الأوان نحو ألفين وخمسمئة مواطن، وأعدم ستّة مشايخ من الأزهر من قيادات الحركة أمام الجميع حيث دقّت أعناقهم على الملأ وتم التنكيل بجثثهم ثم إلقاؤها في أماكن مجهولة. وفرضت أضعاف الضرائب والغرامات السابقة على سائر المواطنين، وانتهى الأمر باقتحام الجنود الفرنسيين الجامع الأزهر بالخيول وعسكرتهم بداخله، ضاربين عرض الحائط بمقدسات المصريين، ما أثار السخط والهزيمة في نفوس الشعب. فانحسرت الثورة وأعلنت هزيمتها في الخامس من كانون الثاني/ ديسمبر 1798، وانكسرت القلوب الحالمة بالنصر السريع.

والحاضر

مَرّ الزمان وتعاقبت العقود فصارت قروناً. تحرّر الوطن من محتلّ فآخر فثالث، وخاض حروباً فانتصر وانهزم وثأر ولاذ بالطمأنينة. جاء حاكم فآخر، ظالم فعادل ففاجر فخائن.. وها هو الحال قد استقرّ تحت وطأة الملل والحزن والفقر والفساد والمرض. نزل المصريون مجدداً، انطبعت ملامحهم وحامت أرواحهم ودأبت أعينهم على رؤية السماء بلا سقف ولا حدود، حاملين السلاح العصري، سلاح الوعي والكلمة والإقدام.. نزل المصريون بفكرة ليحاربوا أفكاراً، فاحتلوا الشوارع والميادين الكبرى وخلت البيوت من الناس، فتقافزوا على الأرصفة والشوارع بعد أن ملأوها بالهتاف "عيش، حريّة، عدالة اجتماعيّة"، لترتجّ أركان البلاد وتدبّ في أوصالها حياة جديدة لأول مرة منذ عقود تجمّدت فيها الأرواح في مخازن غلال السُلطة وتحوّل الإنسان إلى أداة، وتحوّلت السلطة إلى عصا تمتد فوق أجساد أفراد الشعب حينما تهتز مستنكرة، وتضرب رؤوسهم حينما ترتفع إلى الأعلى. ذهب المُستعمِر وسلاحه وبقي الفاسد وعصاه الأمنيّة فثار الشعب ذاته الثورة ذاتها، ولكن هذه المرة باعتبارات أخرى. فكرة صالحة أمام فكرة فاسدة، سلاح الكلمة أمام رصاص الأمن، شعب يمتطي جواد الحلم الجامح أمام سيارات أمن مركزي ومدرعات شرطة.. تضرب وتركض فتعود لتضرب فتركض فتتقدم فتلتحم فتنهزم فتهرب فينتصر الشعب مبكراً فيحتفل في وسط الشوارع والميادين متحصناً بما تبقى من أحجار الأرصفة وأسوار الطرق.
ومرة أخرى تهبط الجموع إلى الوادي المنخفض مبكراً، فتعود الجحافل الهاربة لتعيد تنظيم نفسها محتلة الأماكن المرتفعة بعد أن ترجّلت الجماهير عن جيادها وسارت على أرض الواقع بين الحطام.. انهزمت ثورة القاهرة الأولى وحوصرت ثورة يناير، فمتى ينكسر الحصار ويسكن الحلم قمم الجبال فضلاً عن الحارات والشوارع والميادين؟ فقط حين يفطن المغدور به إلى موطن الغدر ونقطة الخطأ.