تنافس قرابة عشرين حزباً في الانتخابات التشريعية في المغرب يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وهي ثاني انتخابات تعرفها البلاد بعد تبني الدستور الجديد لسنة 2011 الذي جاء على إثر حراك اجتماعي واسع في سياق ما سُمي بـ"الربيع العربي" في نسخته المغربية التي أطلق عليها "حركة 20 فبراير".
حظيت هذه الانتخابات بأهمية كبيرة لدى مختلف الفاعلين والمتتبعين للشأن المغربي، لكونها نوعاً من التقييم لحصيلة حكومة ترأسها لأول مرة في تاريخ المغرب حزب إسلامي (العدالة والتنمية). وعلى ذلك، لتقاطب الصراع بين هذا الأخير وغريمه، حزب "الأصالة والمعاصرة"، الذي يعتبر قريباً إلى السلطة، ما يضع سؤال الديمقراطية واحترام صناديق الاقتراع في قلب الرهانات السياسية المطروحة اليوم في المغرب.
وإذا كانت الإشكالات الكبرى اليوم مرتبطة أساساً بالبعد السياسي وأهمية الإصلاح بما يساعد على التقدم في فصل السلطات وتقوية دور الحكومة والبرلمان، وكذلك بالبعد الاقتصادي والخيارات التي من شأنها أن تساعد في الرفع من وتيرة النمو وتحسين الناتج الوطني الخام والتصدّي لمعضلة الفقر والبطالة وفتح آفاق التشغيل، خصوصاً بالنسبة للشباب.. وهي القضايا التي تطرقت إليها برامج الأحزاب، فهناك إشكالات/ رهانات أخرى لا تقلّ أهمية ومن بينها قضية المرأة:
• كونها قضية كثفت لوحدها وبشكل كبير ولمدة زمنية غير يسيرة طبيعة الخلاف بل وحتى الصراع بين تيارين فكريين وسياسيين أساسيَين في المغرب، ويتعلق الأمر بالتيار الأصولي المحافظ والتيار التحديثي.
• وهي شكلت معبراً لنقاش عمومي واسع تجاوز حدود القضية لينفتح على قضية الدين ومكانته في البنية الثقافية للمجتمع والعلاقة بين الدين والسياسة، وكذلك قضية الكونية والخصوصية، ما بين المدافع على الانفتاح على التجارب الإنسانية بما تحمله من عناصر كونية والمتشبث بالخصوصية مع الميل إلى حصرها فيما هو محلي أو إقليمي ومع التركيز أساسا على المرتكز الديني ضمن مرتكزاتها.
• وقضية المرأة أصبحت مؤشراً على ما يحصل من تحوّلات تمس هذا التيار أو ذاك، ويمكن عبرها قياس وتقدير ما يعرفه المجتمع المغربي من تغيّرات، سواء منها الذهنية أو السلوكية أو تلك المرتبطة عموماً بالقيم.
وبالنظر في البرامج الانتخابية لثلاثة أحزاب وهي "حزب العدالة والتنمية" (إسلامي)، الحزب الرئيسي في الحكومة الحالية، و"الأصالة والمعاصرة" (ليبرالي)، أهم حزب في المعارضة وتأسس من طرف مستشار الملك فؤاد عالي الهمة، ثم "فيدرالية اليسار الديمقراطي" المكونة من أحزاب "الاشتراكي الموحد"، "الطليعة الديمقراطي الاشتراكي" و" المؤتمر الوطني الاتحادي".

حزب العدالة والتنمية

جاءت الفقرة المتعلقة بموضوع المرأة ضمن الإجراءات المقترحة لتحقيق الهدف الثالث من بين الخمس أهداف الإستراتيجية لبرنامج الحزب والمعنونة" تعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية"، الفقرة المتعلقة بـ"محاربة الإقصاء الاجتماعي ودعم الفئات ذات الاحتياجات الخاصة"، حيث اقترح أربع نقاط:
• إطلاق مبادرة "كرامتي" للمرأة في الوسط القروي، للرفع من مستوى المرأة القروية في مجالات عدة، كمحاربة الأمّية والصحة وتربية الأبناء والحقوق والواجبات الأسرية والمجتمعية والبيئية، الخ..
• تعزيز سياسة مناهضة العنف ضد النساء، وذلك أساساً من خلال تفعيل القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، وتطوير المعرفة بالظاهرة، ومأسسة الآليات الحمائية وتوسيع مجال التحسيس بها، وتطوير الشراكة مع منظمات المجتمع المدني ومع المؤسسات المهتمة.
• حماية حقوق المرأة الشغيلة ومن ضمنها الحق في عطلة الأمومة والحق في عطلة الرضاعة ( 6 أشهر عوض 3 أشهر).
• وضع سياسة تشاركية مع القطاع الخاص والمجتمع المدني من أجل التمكين للمرأة في الحقل التنموي، بتوفير الفضاءات السوسيو - اقتصادية الملائمة للمرأة وتعزيز قدرتها على الولوج التنموي للموارد كفاعلة اقتصادية تساهم في إنتاج الثروة الوطنية.

حزب الأصالة والمعاصرة

أما الأصالة والمعاصرة، فقد أدرج قضية المرأة في المحور المعنون بـ" تعاقد اجتماعي بمرجعية الأصالة والمعاصرة"، وتناولها عبر النقاط التالية :
- الترسانة القانونية
• مراجعة مدونة الأسرة في اتجاه تحقيق المناصفة والعدالة بين الجنسين.
• مراجعة قانون الجنسية ليتيح حصول زوج المرأة المغربية (الأجنبي) على الجنسية المغربية.
• إلزام الإدارة العمومية والمؤسسات العمومية والمقاولات العمومية بنشر تقرير سنوي حول تفعيل مبدأ السعي نحو المناصفة.
- الارتقاء الاجتماعي
• الاعتراف بحق النساء في أراضي الجموع والأراضي السلالية بالمساواة مع الرجال.
• إلغاء جميع مظاهر التمييز بين الجنسين في كل ما يتعلّق بنظام الضمان الاجتماعي.

فيدرالية اليسار الديمقراطي

بعد وقوفها على المؤشرات التي ترتب المغرب ضمن العشر دول الأخيرة فيما يتعلق بالمساواة بين الجنسين، انطلقت في تأطير الموضوع من منطلق حقوقي عبر التأكيد على ضرورة احترام المغرب لالتزاماته الدولية والدعوة إلى رفع التحفظات على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، كما ربطتها بالنضال من أجل الديمقراطية والكرامة والمساواة .
وجاء البرنامج مؤكِّدا على 18 نقطة، نوجزها كما يلي :
• العمل على تفعيل مقتضيات الفصل 19من دستور2011 الداعية إلى المساواة في الحقوق المدنية إلى جانب الحقوق السياسية والاجتماعية وإقرار المناصفة.
• تفعيل مقتضيات المادة 49 من قانون الأسرة الخاصة باقتسام الممتلكات والتي اعترفت بالعمل البيتي كمكوّن من مكونات الثروة الأسرية.
• إصدار قانون إطار لمحاربة العنف ضد النساء.
• إرساء ثقافة المساواة ونبذ كل أشكال التمييز المبني على الجنس واللغة.
• العمل على تقليص البطالـة في صفوف النساء عبر التكوين المهني، ومنحهن قروضاً بفوائد منخفضة وكذا مرافقتهن لإنجاح المشاريع بالتوجيه وتقديم المساعدة لتسويق المنتوجات ومحاربة الفقر وسطهن بالعمل على إدماج المهن النسائية الأساسية في قانون الشغل، وإعطاء الأولوية لتشغيل النساء معيلات الأسر وخلق دور حضانة لرعاية أطفال النساء العاملات.
• تعميـم الحق فـي التغطيـة الاجتماعيــة والصحيــة والضمان الفعلي للحق في التعليم وتعميمه ومراجعة مناهجه وتخصيص منح مدرسية لتشجيع تمدرس الفتيات والحد من الهدر المدرسي.
• تعميم الاستفادة من خدمات الصحة الإنجابية وتعميــم تجـربـة دور الــولادة فــي المناطـق القـرويـة.
• إقرار قانون خاص بالنساء السلاليات (أي القبليات، وللسلالات تشريع خاص في المغرب) .
• تعزيز مقاربة النوع عبر إصدار تقارير سنوية حول حصيلة العمل الحكومي في مجال المناصفة وتتبع مدى إدماجها في السياسات الحكومية والجهوية والمحلية ووضعها رهن إشارة منظمات المجتمع المدني المهتمة وعلى رأسها الجمعيات النسائية.

قراءة في المقترحات

أوّل ما يمكن الانتباه إليه، هو أن كل هذه الأحزاب خصصت حيزاً لقضية المرأة في برنامجها ولم تسمح لنفسها بالتغافل عنها. وهذا في حد ذاته مؤشر إيجابي يؤكد أن مختلف الفاعلين، وبغض النظر عن نيتهم واقتناعهم وطريقة توظيفهم ومرجعتيهم ومصداقيتهم وإيمانهم أو عدمه بقضية المرأة، لم يعدْ بإمكانهم التغاضي عنها. إنه دليل على أن حيوية النقاش حول هذه القضية طيلة عقود، وفعالية الحركة النسائية والحقوقية المغربية، أديا إلى الانتباه إليها وتخصيص الاهتمام بها.
من الواضح أن عدد الإجراءات المقترحة من طرف هذه الأحزاب غير متكافئة من الناحية الكمية، ولكن كمّ الإجراءات ليس هو المهم، خصوصاً حينما لا يسمح البرنامج بالتعرف على الطريقة التي سيتم عبرها تمويل هذه الإجراءات وتفعيلها على أرض الواقع، وبالتالي يصعب تقدير مدى جديتها.. بحيث يبدو في هذه الحالة أن الأهم هو الإمكانية الجدية في تفعيل وترجمة المقترحات عمليا حتى وإن كانت محدودة.
بالمقابل، فمن الحيوي الانتباه إلى طبيعة الإجراءات المقترحة حتى وإن كانت محدودة عددياً. من هنا، فإذا كانت فيدرالية اليسار الديمقراطي قد أطرت الموضوع ضمن إشكالية التمييز بين الجنسين ووضعته في إطار الحقوق والحريات، مؤكدة تشبثها بمبدأ المساواة والمناصفة بين الجنسين، مع الإشارة إلى ضرورة اعتماد مقاربة النوع الاجتماعي كمقاربة عرضانية في السياسات العمومية، بما يسمح بالأخذ بعين الاعتبار حقوق النساء في مختلف المجالات التي تتدخل فيها الحكومة، وحتى وإن كانت مشاركتها في الحكومة مستبعدة بالنظر إلى وزنها الانتخابي وبالتالي ليست ملزمة انتخابيا بتدقيق إجراءاتها والاكتفاء بالمقابل بالتعبير مبدئيا عما يشغلها.. فهذا بحد ذاته ذي أهمية بالنظر إلى التزامها الأخلاقي تجاه واحدة من القضايا التي تشكل مبدئياً تميزاً لها. ويمكن في هذه الحالة الرهان على أنها ستمثل صوتا للدفاع عن القضية في حالة ما سمح لها وزنها بالتواجد في صفوف المعارضة.
بالمقابل، فبرنامج" العدالة والتنمية" تجنّب تناول القضية وتأطيرها من زاوية مبدأ المساواة ومناهضة التمييز. واللحظات الوحيدة التي تم فيها استعمال كلمة "مساواة"، كانت بخصوص الفوارق المجالية بين العالم القروي والعالم الحضري، وكذلك بالمبادئ المؤطرة للسياسة الخارجية. بل وحتى حينما تمت الإشارة إلى مواصلة العمل فيما يتعلق بمناهضة العنف ضد النساء، فقد أكدت الإجراءات تفعيل القانون الذي تم تبنيه مؤخراً والذي كان موضوع نقد حاد من طرف الحركة النسائية، كما جاءت الإشارة إلى ضرورة تعميق المعرفة بانتشار الظاهرة، وهو ما يستنتج منه أن الحزب غير مطمئن (حتى لا نقول يشكك) لنتائج الدراسة التي أنجزتها المندوبية السامية للتخطيط سنة 2009 والتي أقرّت أن 6 ملايين من المغربيات يتعرضن لأحد أشكال العنف. وقد سبق لرئيس الحكومة ورئيس الحزب في إحدى تدخلاته بالبرلمان أن شكّك بصريح العبارة في الرقم الذي قدمته الدراسة سالفة الذكر.
بطبيعة الحال، إذا نُظر إلى الأمر من زاوية المواقف التي عبر عنها هذا الحزب في السابق حول قضية المرأة، يمكن تسجيل التقدم الطفيف الذي حصل في تعاطيه معها.. تقدم وتيرته بطيئة جدا وتحتاج إلى وقت طويل جدا للإقرار بأشكال التمييز التي تعانيها النساء واقعيا والتصدي لها. أمّا إذا نظر للأمر من زاوية تحقيق المساواة بعد الإقرار بغيابها، فلا شك أن برنامج الحزب وتصوره يبقى بعيداً عما يتطلبه الأمر من مجهود على كل المستويات.
أما ما جاء في برنامج حزب الأصالة والمعاصرة، فظاهرياً يقرّ بالتمييز ضد النساء. المنهجية المعتمدة وضعت القضية ضمن لائحة الإجراءات ببعد تقني واضح مع غياب الرابط المرجعي والإطار النظري المهيكل لها، فلم يتم استحضار لا تحديات البناء الديمقراطي التي تعتبر مدخلا أساسيا للتقدم في حل إشكال التمييز ضد النساء، ولا البعد الكوْني الحقوقي الذي يضعها ضمن قضايا الحريات، ولا اتّجه البرنامج إلى تأطيرها دينياً من خلال القراءة المعتمدة من طرفه.. وحينما يغيب التأطير الفلسفي والفكري وتغيب المنهجية التي يتمّ عبرها التعاطي مع واحدة من بين قضايا المجتمع الأكثر حيوية، يصعب تلمس مدى جدية المقترحات.