إلى ذكرى المجاهدة الجزائرية زينة حرّايق 1926-2016

موضوع "تحرير المرأة الجزائرية" ما زال يثير إلهام الدوائر الفكرية الفرنسية، التي تتوزعها كالعادة الأبوية والمرارة والندم الأبدي. وقد نشر أخيراً نصّ في مجلة فرنسية ("أورينت 21"، جان بيار سريني، "نزع حجاب النساء المسلمات في الجزائر هوس كولونيالي").
المقال مكتوب بنيّة حسنة لا شك، وقصَد كشف الأصل الكولونيالي للهوس الفرنسي الحالي بنزع حجاب النساء المسلمات (باسم "اللائيكية" و"الاستيعاب" إلخ...). لكن الموضوع فيه رجوع يعاني التقريبية إلى الأزمنة المشوّهة للكولونيالية وحرب الاستقلال. وبسبب جهله بالوقائع التاريخية التي يوردها، وبسبب أخطاء الإدراك التي يسوقها، فهو يسهم في حجب العناصر الفعلية للصراع الحالي للنساء "المنتميات للثقافة الإسلامية" من أجل تحررهنّ، سواء في الجزائر أو في فرنسا.
تنتهي هذه الصيغة الأخيرة المعذَّبة عن الموضوع بملاحظة عن جبهة التحرير الوطني الجزائرية (FLN) المذنبة برأي الكاتب لعرقلتها "تحرير المرأة"، وبالتحديد برجوع "مدونة الأسرة" (قانون الأحوال الشخصية) المقَرّة في 1984 (لا في 1986 كما يقول النص) عن خطوات متقدمة للمقررات الكولونيالية لعام 1959، التي يضفي عليها الكاتب أهمية مبالغاً بها... لأنه ليس بين الجزائريين في ذلك الوقت من يلتفت أدنى التفات إلى مرسوم أو قانون تصدره السلطات الكولونيالية.
باختيار الكاتب عدم التطرق لطبيعة النظام الذي أرسي بعد الاستقلال، وبتقديمه جبهة التحرير في الثمانينيات، حين كانت حزباً أوحدَ وفقاعة، كمركز لقرارات شرعية، يشوّه الكاتب بصورة كبيرة الواقع المعيش من الجزائريات والجزائريين في الفترة التي أعقبت الاستقلال. واعتبار النص أن هناك غياباً لموضوع تحرر النساء عن الساحة السياسية الجزائرية، يكشف جهلاً بالنضالات الحالية الجارية من أجل دولة القانون وإنهاء الديكتاتورية، وهي نضالات يقودها رجال ونساء من تيارات سياسية متنوعة.
لا يكترث الكاتب بالنظام السياسي، ما يعني أنه يفترض أنّ تحرر المرأة الجزائرية يمكنه أن يتحقق من دون إعادة نظر في النظام المستبد والقاتل للحريات. ووفق هذا المنطق، يكفي أن يقرر النظام الاستبدادي تحرر المرأة ليحصل. يفكر أنّه كان بإمكان نظراء بورقيبة من الجزائريين أن يفعلوا ما فعل، وهو ما يقدم المجتمعات المغربية مجتمعاتٍ خاضعة، بلا تمايزات بينها تخص التاريخ والشروط. ولكن ليس كل هذا هو بيت القصيد.

فرص كولونيالية مفوَّتة

نوستالجيا النظام الكولونيالي تظهر من خلال اختصارات متعددة. تبدو الفرصة التي فُوِّتت زمن الاستعمار هي ما يهم الكاتب، فيعيد المصير السيئ للجزائريات إلى فشل سياسات نزع الحجاب الاستعراضية عام 1958. وهكذا، فهو يعدّ القانون الإسلامي بالياً، موفراً على نفسه تحليل التشويه الذي ألحقته به الإدارة الكولونيالية. كذلك قُلّصت مساهمة النساء في المعركة المعادية للكولونيالية بتعابير غريبة، كالقول إنّ جزائريات من "الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري" (حزب أسسه فرحات عباس) كتبن عامي 1953 ـ 1954 أنّ فرنسا والإسلام متساويان، وأنهما إمبريالية مزدوجة، وأنّ ذلك مثال معبّر عن حالة قائمة، بينما هو يمثل قلة قليلة. كما أن تقديم "اتحاد المرأة الجزائرية" المقرب من الحزب الشيوعي كحركة جماهيرية فيه مبالغة مستهجنة، ولا يطابق أي حقيقة تاريخية. ويعتبر الكاتب أنّ هناك تطابقاً بين علماء الدين من جبهة التحرير ومن حزب الشعب الجزائري (الذي أسسه مصالي الحاج)، وأنهما متفقان على إبقاء المرأة معزولة في المنزل وخلف حجاب.
نقد المبالغات التقديسية لسيرة حرب التحرير التي جرى تعظيمها، هو بلا شك ضروري. لكن اختصار مساهمة النساء بالوجود في المنطقة المحررة وببعض الممرضات في الجبال مع "الطفّار" ("الماكيزار") مخالف للواقع. ومن المؤكد أنّ كاتب المقال لم يشاهد "10949 امرأة"، الفيلم الوثائقي المميز (2014) لنسيمة قصوم الذي يتناول سيرة المجاهدة نسيمة حبلال. فلو فعل، لرأى كيف أنّ عدداً من الجزائريات من حزب الشعب دخلن النضال منذ عام 1940، وسط ظروف قاسية. كذلك لا يمكن إنكار أنّ المشايخ المحافظين الدائرين في فلك الشيخ بن باديس شجعوا العائلات الجزائرية على إرسال بناتهم إلى المدارس الفرنسية منذ ثلاثينيات القرن الفائت.

نزع الحجاب ليس "هلوسة" بل "عملية سيكولوجية" كولونيالية

قياس تحرر الجزائريات من زاوية وحيدة هي الحجاب يؤدي إلى التعمية على الشروط الموضوعية والمادّية لتحررهنّ الفعلي. الأمية العامّة التي نظّمتها الإدارة الكولونيالية، علاوة على نزع المِلكيات وعلى النهب، أدت كلها إلى بؤس بشع عانته الأكثرية الساحقة من الشعب الجزائري رجالاً ونساءً. وما كان بإمكان "مخطط القسنطينة" لعام 1959، وهو محاولة جرت في ربع الساعة الأخير، تصحيح الاختلالات المهولة الناجمة عن 130 سنة من الاستعمار. عام 1962 عند الاستقلال، كانت الأغلبية الساحقة من الجزائريين أميين وفقراء، ذوي صحة معتلة وسكن بائس. وكان اتساع حجم الفقر كبيراً إلى حد أنّ علماء الاجتماع في تلك الفترة استخدموا مفهوم "التشرد/ التسول العام" في وصفهم. ولا يمكن في هذا الوضع التشديد (كما يفعل نص سيريني) على أن الموروثات البالية استمرت وعلى أنه جرى رفض كل تأثير غربي.
وبسبب تمسك حركة التحرر الوطني الجزائرية بانتزاع المناطق وضمّها إلى نفوذها، تنبه خبراء "محاربة الانتفاضات" (وهو "علم" أسسه أصلاً الضباط الفرنسيون لمجابهة حركة التحرر الوطني الجزائرية) إلى أن النساء هنّ قلب المقاومة الجزائرية، وأنهنّ كنّ يوفّرن نقل القيم الأصلية لشعبهنّ: رفض السيطرة الكولونيالية والخضوع لنظام غير عادل، ما يسميه الكاتب "الهوية" الجزائرية. ولكسر المقاومة، كان يجب إذاً كسب معركة النساء بواسطة "فعل سيكولوجي"، يقوم على محو الذاكرة، وإشاعة الإحباط ونزع الشخصية. جرى استخدام كل وسائل الحرب الدعائية لهذه الغاية، وعلى كل مستويات السلطة الكولونيالية، من فرق الريف إلى القيادة العامة والأجهزة المختصّة، في الجيش وفي الحقل السياسي. وليس صدفة أن أول امرأة في تاريخ الحكومات الفرنسية كانت "من أبناء البلد" ولكنها تنتمي إلى عائلة "متقدِّمة" (وهي نفيسة سيد كارا، وزيرة دولة في حكومة ميشيل دوبريه 1959-1962، وكُلفت المسائل الاجتماعية للجزائر وتطوير "مدونة الأحوال الشخصية" في القانون الإسلامي).
وفي قلب هذا النص سنصادف رجالاً مثل الجنرالات سالان (من مؤسسي "الجيش السرّي الفرنسي" الذي قاد انقلاباً فاشلاً على ديغول في 1961) أو ماسو (الوحدة المظلية العاشرة التي تميزت بوحشية خاصّة) كنشطاء في تطوير وضع النساء، بينما قادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية في تونس متسلطون ذكوريون قروسطيون، وإن كانت تلك ليست بالتأكيد نية الكاتب. وهذا يشبه "تقاسم الثقافة" التي كان يدعو إليها رئيس الوزراء الفرنسي السابق فرنسوا فيلون.
إن التخطيط للحملة "النفسية/ السياسية" لعام 1958 لا يسمح بأي شك في طبيعتها. في إطار عقيدة "الحرب المضادّة للثورة" التي نظّر لها وطبقها الضباط الفرنسيون وقتها، لم يكن نزع حجاب النساء المسلمات "استيهاماً كولونيالياً" بمعنى الهوس كما يقول عنوان المقال، بل استراتيجية مفتكَرة. وهي برغم أنها فشلت فشلاً ذريعاً، فقد وُضعت في التطبيق بطريقة منهجية.

"تقاسم الثقافة" والمقاومة

كيف يمكن إقناع الكتاب الفرنسيين بأن اعوجاجات الاستقلال لا يمكن مقارنتها ولا قياسها بما كانته الكولونيالية؟ وأن النضال الصعب للنسويات المسلمات، في الجزائر كما في فرنسا وكل مكان، يجري خوضه منذ زمن طويل ضدّ الاضطهاد البطريركي والأشكال الجديدة من الاضطهاد اللاديموقراطي؟ وأما مرارة مبعوثي الحداثة الجدد، فتجد حلها في "المراجعة"، حيث إعادة كتابة التاريخ تخدم بالدرجة الأولى أغراضاً من الحاضر، بقصد أو من دونه. وإلا فكيف نفهم جملة من قبيل "السياسة الكولونيالية كانت رهيبة، ولكن ومع الأسف، فإن الجزائريات فوّتن فرصة تحررهن عام 1959، وهن يدفعن الثمن حتى اليوم".
لكن لا! فكما كل نساء المعمورة، ليست الجزائريات بحاجة لأوصياء، لمحررين حسني النية ولحريات ممنوحة. الجزائريات لسن كائنات خاضعة، ولا مواطنات راكدات سلبيات. ونضالهن اليوم من أجل العدالة وسيادة القانون ينهل من روح المقاومة التي صيغت خلال الليل الكولونيالي، ويندرج في الحركة العامّة من أجل الديموقراطية والحريات في هذا البلد.