يحتفل اليمنيون بالعيد 54 لـ"ثورة 26 سبتمبر 1962" التي أطاحت بحكم الإمامة وأسست النظام الجمهوري. وكانت هذه الاحتفالات تقتصر على المستوى الرسمي لكنها أخذت طابعاً شعبياً فيه قدر من التحدّي للحوثيين منذ سقوط صنعاء بأيديهم عام 2014، حيث يعدون امتداداً للإمامة، كما تعتبر جماعة الحوثي تلك الثورة مجرد انقلاب عسكري و"مؤامرة مصرية".

مقارنة وتبرير

يبرر الكثير من خصوم الحوثي اصطفافهم مع السعودية بمقارنة التدخل العسكري السعودي ضد الحوثي بالدعم المصري للثوار اليمنيين ضد نظام الإمامة، وهو تشبيه فيه قدر كبير من التبسيط  بسبب فوارق جوهرية بين التدخلين.

وفي البداية، فمن المهم التوضيح أن السعودية كانت موجودة أيضا بالستينات من القرن الماضي، وتدخلت بدعم مالي وسياسي كبير ضد الثورة الجمهورية والى جانب الإمامة. أما الآن فهي تتدخل عسكرياً ضد الحوثيين. وفي كلا التدخلين، كانت السعودية تتحرك من منطلق الشعور بالتهديد الوجودي لأن اليمن دولة تقع في جوارها.

الدافع لدى الدولة المصرية أثناء تدخلها بالستينات كان أقل حيوية، سواء أوُضِع في إطار رغبة مصر بتعويض انفصالها عن سوريا ومواجهة السعودية، أو في إطار دعمها لثورات الحرية والاستقلال. صحيح أن هذا التدخل المصري العسكري باليمن له

سوابق تاريخية بحكم الأهمية الإستراتيجية لليمن بنظر مصر التي كانت طامحة وقتها للعب أدوار إقليمية، لكنّه في جميع الحالات ليس تدخلاً "ضرورياً" لها.

وهذا الفارق، بخلاف الظاهر، يصبّ لصالح مصر، حيث تزيد حساسية أبناء أيّ بلد تجاه الدول المجاورة مباشرة له، كما إن تاريخ العلاقات المصرية - اليمنية ليس صدامياً كما هو الحال بين اليمن والسعودية. هذا على مستوى الدوافع، أما على مستوى النتيجة، فكلا الطرفين تورط في تدخله العسكري باليمن، وغرق في مستنقع حرب يستحيل تحقيق نصر نهائي فيها ويصعب الخروج منها بنصف نصر أو هزيمة، حيث تدخّل كلا الطرفين بتقديرات خاطئة وتصورات وهمية عن امكانية الحسم العسكري السريع. سوء التقدير مفهوم لدى دولة بعيدة نسبياً كمصر، أما السعودية، ف ربما يعود إلى صعود الجيل الثاني الجاهل لوضع جارهم الصعب.

... والفوارق والتشابهات

يظل الفارق الجوهري الأهم بين الدولتين هو طبيعة أدوات التدخل الذي يعكس تبايناً في المشروع السياسي للدولة المتدخلة. التدخل العسكري المصري كان برياً حيث نال الجيش المصري دعم الجيش اليمني الموالي معظمه للجمهورية، مع مساندة قبلية، أما التدخل العسكري السعودي فهو تدخل جوي يعتمد على أسلحة متطورة وليس على قدرات الجيش السعودي، بإستثناء المعارك الحدودية.

ضعف الجيش السعودي في ستينات القرن الماضي دفعه للاعتماد على مقاتلين يمنيين، معظمهم من جماعات قبلية، كما تكرر ذلك في تسعينات القرن الماضي حيث اعتمدت السعودية مرة أخرى على بعض القبائل لكن بشكل أكبر على الميلشيات الدينية، ومع وجود مرتزقة أيضاً.

هذا الفارق له علاقة بطبيعة الدولة. فالدولة المصرية دولة مؤسسية اعتمدت على الجيش اليمني الموالي واهتمت كثيراً بتدريبه وتكبيره، ولا يمكن إنكار دور المصريين في بناء مؤسسات الدولة اليمنية الحديثة، كما أن تأثيرهم الثقافي والسياسي الأكبر جاء من بعثات المدرسين المصريين لليمن.

في المقابل، يعتمد التدخل السعودي على الأدوات التي تتناسب مع طبيعة الدولة السعودية، وهي القبيلة والدين. ورغم محاولاتها الحالية لتأسيس قوة نظامية مثل جيش وطني، لكنها أخفقت لعدة اسباب، أولا: مصر في الستينات كان لديها نواة متماسكة كبيرة من الجيش اليمني الموالي لها، بينما السعودية حالياً ليس لديها سوى نسبة بسيطة ممزقة من بقايا الجيش اليمني. ثانياً: طبيعة الحلفاء الذين اعتمدت عليهم السعودية في بناء هذا الجيش كانوا قادة عسكريين تغلب عليهم انتماءات قبلية أو دينية، اضافة للتحشيد الطائفي مثل القاء خطب دينية على جنود الجيش تحرضهم لقتال "الروافض". وهذا الاختلاف يتعلق أيضاً بطبيعة الفارق بين الصراع الاقليمي سابقاً حيث كان سياسياً، بينما حالياً يتخذ طابعاً مذهبيأً، وكل من إيران والسعودية تمولان ميلشيات دينية وتستخدمان التحشيد المذهبي.

هناك بعض أوجه التشابه بين التدخلين، أبرزها الرغبة في التعامل مع أتباع وليس حلفاء داخل اليمن، وهو نتيجة بديهية لأي تدخل عسكري لدولة، هذا الأمر تحقق للسعودية بسهولة، سواء الآن أو في الماضي ولسببين مختلفين. في الستينات تلك، هو مرتبط بطبيعة الحليف حينها، فالإمامة حينذاك، والحوثي اليوم، يكوِّنان حلفاً مرصوصاً ومنظماً قبلياً مرتبطاً بفكرة دينية ويدور حول زعيم ديني. ولا يوجد مساحة فعلية للاختلاف بين أفراده وتياراته، خاصة إنه فكرة تعتمد على العصبية والزعامة الفردية. والعكس صحيح لدى الصف المعادي للإمامة أو الحوثيين، الذي يتكوّن من اطياف سياسية وفئات مجتمعية مختلفة وربما متباينة. وهذا التنوع صار فوضوياً مع غياب التنظيمات السياسية حالياً.

السؤال

كيف إذاً، مع تباين الحليف اليمني للسعودية، وجدت هذه الأخيرة في كلا الحالتين التبعية ذاتها؟  

في ستينات القرن الماضي، كانت معارضة التدخل المصري من قبل الصف الجمهوري بسيطة بسبب ضعف الحساسية اليمنية والنفور تجاه المصريين. وحتى في داخل تلك المعارضة البسيطة للتدخل المصري، كان وجود مشروع سياسي واضح هو الجمهورية مع زعيم مثل عبد الناصر، وكذلك سقوط الآف الجنود المصريين بالمعركة..  كلها عوامل قللت من حدة المعارضة. هذا لا يمنع أنّ مصر واجهت الكثير من المعارضة في صف الجمهوريين، سواء بسبب بعض الممارسات المتعجرفة لبعض الضباط مع اليمنيين أو بسبب ما كان يعتبره البعض التدخل في كل صغيرة وكبيرة من شؤون البلاد. وحينها، كانت النخبة السياسية في اليمن أكثر قوة ووصل الصدام بينهما أحياناً إلى درجة إن مصر كانت تنفي وتسجن قيادات ثورية مهمة وأعضاء حكومة.

بخصوص السعودية الآن، فجزء كبير من خصوم الحوثي يرفضون تدخلها كلياً مما خلق قطيعة كاملة بينهم وبين السعودية، ولم يحاول هؤلاء التعامل مع السعودية التي لا توجد على الأرض مثل مصر. هذا له علاقة بحساسية العلاقة بين اليمنيين والسعودية، وكذلك بطبيعة المشروع نفسه، حيث يرى المعارضون للتدخل السعودي إن الرياض تستخدم أدوات الحوثي الطائفية والقبلية ذاتها، وبالتالي توقع اليمنيين في دائرة صراع مفرغة. اضافة الى أن التدخل الجوي بدون وجود على الارض والبر، مع سقوط الكثير من القتلى المدنيين اليمنيين، دون أن تتحمل السعودية أي كلفة بشرية مثلما كان حال مصر، أضعف كثيراً من شرعية هذا التدخل. لذا فإن حلفاء السعودية حالياً هم فئة محدودة من خصوم الحوثي والتي اعتمدت الرياض على شراء ولائهم بالمال، بدون مشروع سياسي واضح رغم لافتة الدفاع عن "الشرعية" التي ترفع كأساس.

في كلا الحالتين، استنزفت الساحة اليمنية الدولتين وأدى التدخل الخارجي لتعقيد مجريات الصراع اليمني وصعوبة الحل فيه. لكن الفارق بين أدوات ومشروع التدخلين ينعكس أيضاً على نتائجه. فبينما أسفر التدخل المصري بعد خمس سنوات من التواجد العسكري على أرض اليمن وثماني سنوات من حرب أهلية، إلى تشكيل نظام جمهوري ونواة دولة حديثة، فإن التدخل السعودي الحالي لن يؤدي سوى لمزيد من الفوضى والفراغ السياسي باليمن.