قبل أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها منتصف عام 2017، يبدو المشهد السياسي في الجزائر منقسماً بين تيار ''الموالاة '' ممثلاً في أحزاب تدعم السلطة كحزب ''حزب جبهة التحرير الوطني" و "التجمع الوطني الديموقراطي" وقلة من الأحزاب الجديدة التي اعتمدت مؤخرا رسميا، والتي تسير على المنهاج نفسه.
أما التيار السياسي الثاني الذي لم يبت بعد بالمشاركة في الاستحقاقات المقبلة، فهو تيار ''المعارضة'' الممثل في مجموعة "الانتقال الديموقراطي". والمجموعة تلك عبارة عن قطب سياسي يجمع عدة أحزاب معارضة للسلطة بعضها يصنف خطها السياسي كـ "وطني" وأخرى إسلامية.
اللافت أن هذا الانقسام الموجود في أوساط الطبقة السياسية لا يثير اهتمام الجزائريين الآن، ولا يعبر من جهة أخرى عن تنوع وثراء في المشهد السياسي الذي أصابه، فيما يبدو الروتين والجمود منذ إقرار الدستور الجديد الذي أثار نقاشاً واسعاً بين السياسيين قبل تمريره في البرلمان ليصادق عليه بالأغلبية.

السلم الاجتماعي

تأتي الانتخابات التشريعية القادمة في الجزائر في وقت وظرف خاصين، وغير مسبوقين في البلاد. فهي تعيش منذ عام 2014 حالة من الاحتقان والقلق لدى الرأي العام إزاء سياسة ''التقشف"

التي تنتهجها الحكومة بسبب تقلص مداخيل البترول وغياب أي أفق اقتصادي لتعويض الخسائر المالية التي تتحملها الخزينة العمومية، بينما لسنوات سبق ضخ مليارات الدولارات لشراء "السلم الاجتماعي"، السياسة العامة التي نفذتها حكومات متعاقبة على مدار خمسة عشر عاماً، منذ إغلاق "العشرية السوداء" في التسعينيات. خلال كل تلك الفترة، لم يتحدث أي سياسي أو مسؤول رسمي في الجزائر عن "التقشف''. ويبدو أن سنوات الرخاء والعطاء الذي كانت الدولة تمنحه بلا سقف ولا حد إلى الجبهة الاجتماعية، قد انتهت.
لم يعد السلم الاجتماعي الذي حافظت عليه الحكومات المتعاقبة في البلاد ممكناً الآن بسبب عجز الأداء الحكومي في إدارة أزمة اقتصادية خانقة يبدو أن الجزائريين البسطاء من محددوي الدخل هم من سيدفع ثمنها، بحسب ما يحمله قانون المالية الجديد من أخبار غير سارة جراء ارتفاع الضرائب.
وترى بعض الأحزاب أن الانتخابات المقبلة ستكون بمثابة مخاض حقيقي، قد يصعب التكهن بمآلاته ولا بنتائج الانتخابات نفسها، بسبب الأوضاع غير المشجعة على حشد الناس واستمالة أصوات الشباب وتقديم ضمانات للطبقة السياسية المعارضة بأنّ الانتخابات التشريعية والمحلية المقبلة ستكون الخطوة الأولى في بناء ''الدولة الجزائرية المدنية".

أحزاب تبحث عن أصوات عبر ''الفايسبوك''

وإزاء ذلك كله، واقتصار النقاش السياسي في الآونة الأخيرة على تناول الأخطاء في برامج الإصلاح التربوي، والنتائج الهزيلة للبعثة الأولمبية الرياضية الجزائرية في البرازيل.. لا يجد الجزائريون ما يفتح شهيتهم لتناول أخبار السياسة والانتخابات القريبة التي ستقابل في ما يبدو بعزوف وعدم اهتمام لدى قطاع واسع من المجتمع الجزائري، المتحول إلى متابع يومي لأنباء بورصة ''أسعار البترول'' التي تثير اهتمامه لارتباط الموضوع بأوضاعه الاجتماعية والمعيشية.
وقد تنبهت مؤخرا بعض الأحزاب إلى هذا النفور، وهي تتوقع اتساعه قبل موعد إجراء الانتخابات، فسارعت إلى توظيف ''فايسبوك'' لكسر ما يسمى بالنفور والعزوف عن المشاركة في العملية السياسية. وقد نظم "حزب التجمع الوطني الديموقراطي" الموالي، الذي يرأسه مدير ديوان رئاسة الجمهورية أحمد أويحى برنامج عمل لتكوين المكلفين بـ "النت" والتواصل الالكتروني، وجلهم من الشباب، مراهنة على وعاء انتخابي طالما عجزت الأحزاب بالجزائر عن استمالته واستقطابه، فهو متخبط أصلا في مشاكل اجتماعية لا يجد لها حلاً ولا اهتماماً، فالأحزاب لا تقدم مقترحات لحلول واقعية وتكتفي بخطاب النقد.
وفي الوقت الذي يتجه فيه هذا الحزب إلى مغازلة أصوات الناخبين عبر هذه الوسيلة، ينصبّ حزب جبهة التحرير الوطني "لجنة الاستشراف لدخول المعترك الانتخابي بقوة" على حد تعبير أمينه العام عمار سعيداني، الغائب منذ مدة عن الساحة السياسية.
وما زالت الأحزاب الأخرى، سواء تلك المتخندقة تحت قبة مجموعة الانتقال الديموقراطي أو تلك التي تحاول في ما يبدو مسك العصا من الوسط: تنتظر وتراقب عن بعد آخر تطورات الحياة السياسية بالبلاد، إذ تروج هذه الأيام شائعات عن إعادة ترتيب السلطة لأوراقها تحسبا للانتخابات المقبلة، بإحداث تغييرات في مؤسسات الدولة: تعديل وزاري قريب، وحركة واسعة في سلك ولاة الجمهورية..

شبح العزوف المؤرق

قد لا يجد المرشحون للانتخابات التشريعية القادمة ما يقولونه للناس أمام الحقائق الصادمة التي سيقابلون بها. فهؤلاء الطامحون الطامعون في أن يكونوا نواباً في البرلمان يعرفون أنه يواجه كمؤسسة تشريعية انتقادات لاذعة لدوره الهزيل في تصويب سياسات الحكومة ومتابعة أدائها، ولقلة كفاءة العديد من نوابه في ممارسة وظيفة ''النائب بالبرلمان''. أما أحزاب الموالاة التي تفيد آخر المستجدات بأنها بدأت في انتقاء مرشحيها، فهي تقول إنّها قادرة دوماً على ملء القاعات والفوز في الانتخابات المقبلة رغم كل رسائل اليأس والتشاؤم التي يحاول "البعض" (ويقصدون المعارضين) زرعها في أوساط الجزائريين.
والواقع أن الأحزاب عاجزة عن إقناع الناس بالانتخاب، لأنهم مقتنعون بأن واقعهم لا يتغير سواء انتخبوا أم لم ينتخبوا، وهم الآن يرون أنه حتى أسعار المحروقات نفسها، سواء ارتفعت أو انخفضت أو عادت إلى المعدل الذي تريده الحكومة، فلن تغير في واقعهم شيئا!