مهمة المثقف استشراف المستقبل والحرص على القيام بما من شأنه إعداد مجتمعه للاستفادة مما هو متوفر من أدوات، بقدر ما له من دور في مقاومة السلبيات القائمة عبر التوعية والعمل على الأرض، ليحقق مبدأ القيادة بالقدوة، متقدّماً في جهوده على ما يراه الآخرون أمراً واقعاً، ساعياً لتقريب التصوّر "الممكن" لما سيأتي لكل من حوله، وهو لا بُدَّ من أن يكون تغييراً هادئاً يتحقق بطول النّفَسْ.
مشروع "الريادة / SAHAN" الثقافي (للترجمة وللنشر وللتعارف الإبداعي..) مسعى مستمر منذ ثمانية أعوام لخدمة الثقافة العربية في الصومال، تجاوباً مع حقيقة أن اللغة العربية وثقافتها تحولتا إلى حاجة يومية لفئة كبيرة من الصوماليين، كونها أداة يومية في تعاملاتهم، ومصدرا أساسياً لقيمهم ونظرتهم الكلية للكون والحياة. وهو بُعدٌ جديد أخذته الثقافة العربية وأدوارها في المجتمع الصومالي، بما يتجاوز القيمة الدينية التقليدية للغة في هذا المجتمع المسلم.

التمكين للمستعربين الصوماليين

مئات الآلاف من الصوماليين ولدوا في البلاد العربية خلال قرن من الهجرة إلى شبه الجزيرة العربية ووادي النيل. لكن موجة من ثقافة الكره للعرب والعروبة إبّان هجرتهم المعاكسة بالعودة إلى الوطن الأم، جعلتهم ضحية للعزل

والتهميش عبر الاستخفاف بهم، والتقليل من مكانتهم وقدراتهم، وحجب فرصهم في القيام بدور يتناسب مع حجمهم في المجتمع، على المستويين الثقافي والسياسي. وقد يكون مما زاد من سلبية الوضع عليهم قلة انخراطهم في مقتضيات المفهوم الشعبي الصومالي الذي يربط بين الانتماء للثقافة العربية والانتماء الديني الذي يأتي متوجاً عادة بمظاهر الانتساب لحركات الإسلام السياسي، ما جعلهم حالة يتعسّر فهمها على الفئات الشعبية العامة، وهو ما يسهّل استهدافهم الهادئ بالعزل والتقليل من تأثيرهم حالياً، وهو أيضا ما قد يرشّحهم في المستقبل المنظور للملاحقة والاضطهاد.

مشروع ثقافي إنساني

الهدف من أعمال مشروع "الريادة / SAHAN" الثقافي، هو إتاحة مجال أوسع للعنصر الصومالي المستعرب، سواء منه هؤلاء الذين عادوا إلى وطنهم من مسقط رأسهم العربي، أو الذين تشربوا الثقافة العربية غير التقليدية في البلاد، في سياق ممارستهم للثقافة العربية، والإبداع فيها والإضافة إليها، ونقل خبراتهم منها إلى اللغة والثقافة الصومالية الأم، بحيث تكون نشاطات المشروع وفعالياته مخالفة لما ترتكبه مجموعات الإسلام السياسي في البلاد من ناحية، وأيضاً المشاريع الثقافية المدعومة من الدول الغربية من ناحية أخرى. الأُوَل يتخوفون من الإبداع، وهو متناقض مع مسلكهم التقليدي في النقل والتلقين، وغالباً ما يحصرون تركيزهم على مشاريعهم في التكسب من العمل الخيري، بينما يتعمّد الآخرون عدم السماح بمرور مُنتَج ثقافي عربي محلي ضمن فعالياتهم، ما لم يكن لتهدئة التيارات الإسلامية في حال ظهور ما تعتبره تلك التيارات "تهديداً لثوابت المجتمع"!
والحال تلك، فلا يمكن للمشروع أن يثبت ويتطور في عزلة وبلا تواصل مع المنطقة العربية ومن دون دعم من مراكز فيها، كأن يُطبع القاموس العربي ــ الصومالي مثلاً (وهو أول قاموس مصوّر وقد صدرت الطبعة الأولى منه بالصومال في آذار/ مارس 2013، وبإمكانيات متواضعة)،
أو أن تصدر عن دار نشر في المنطقة العربية القصائد الشعرية الصومالية المترجمة إلى العربية... ليست تلك جهود شاقة أو مستحيلة، ولكنها تتطلب بعض الاهتمام.

[Media:4531]