مالت الوجوه ألف مرّة ومرّة خلال سنوات قليلة، منذ قيام ثورة "يناير 2011". استدار البعض موجّهاً ظهره نحو أفكار تبنّاها منذ عقود، كما تخلّى الكثيرون عمّا اعتنقوا، ثم عادوا ثم تخلّوا.. طبقاً للظرف. ولعلّ الصراع السياسي الممتدّ خلال السنوات الأخيرة لم يترك للزيف مكاناً يستتر به، فأصبح التلوّن علنيّاً دون أن يتكبّد صاحبه ذلك العناء الإضافي عند كل موقف عمليّ مغاير لطبيعة الفكر المُعلن. ظهر "التنويريّون" الجدد وسطع نجمهم في مصر كمتصدّين لحكم الإخوان المسلمين والسلطة الدينية والحسبة ومحاكم التفتيش الجديدة، بالتزامن مع تعملق الدور السياسي للجماعات الإسلامية وتحديداً منذ عام 2012، وبموازاة الوصول الرسمي لجماعة الإخوان للحكم. وهنا بدأت حملات غير منظمة من عدد من المفكرين والكتاب والصحافيين لمهاجمة وتفنيد الفكر المحتكِر للدين والأخلاق، والمتطلّع للسيطرة على الحياة الفنّيّة والأدبية بعد الحياة السياسية، وكان من أبرز تلك الأسماء السيد حلمي النمنم، رئيس دار الوثائق السابق، ووزير الثقافة الحالي، و"الكاتب والمفكر التنويري المؤقت"، كما لقّبه عدد من المثقفين المصريين.
ففي عام 2012، صدر عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان والتي يرأسها الناشط الحقوقي "جمال عيد" كتاب "الحسبة وحرية التعبير" لمؤلفه حلمي النمنم، يستدل من خلاله على عدم

وجود تأصيل وجذر حقيقي لمسألة تغوّل الحسبة والرقابة على حقوق المؤلّف والمفكّر في التعبير عن فكره وتقديم إبداعه، لحسابات دينية وأخلاقية تصادر حريّة طرح الرؤية وعرض الإبداع. وقد تناول الكتاب الخط التاريخي لتطور منطق الرقابة من شأن تجاري خاص بسوق الأدب إلى التدخل المباشر في المحتوى، ونقد تلك الفكرة موضحاً موقفه برفض كل أشكال الرقابة على الفكر والإبداع، وهو الأمر الذي اختلف تماماً بعد وصول النمنم إلى الكرسي الوزاري بديوان عام وزارة الثقافة. فقد تمّ في عهده ما لم يحدث في ظل حكم الإخوان ذاتهم في قضيتين هما الأشهر والأبرز والأكثر مباشرة في شأن حرية الفكر والإبداع.
ففي عهد النمنم، تمت محاكمة الباحث المصري "إسلام البحيري" بتهمة ازدراء الأديان، كما تمّ تأييد الحكم نهائياً ليقضي البحيري عقوبته كاملة دون أي تدخل من الوزير الذي كان تنويرياً منذ أربع سنوات فقط، والذي اقتطع من وقته الثمين كي يؤلف كتاباً كاملاً بهذا الشأن تحديداً، ويصدره عن مؤسسة مجتمع مدني من تلك المؤسسات التي تلاحقها الحكومة التي أصبح جزءً منها الآن.

 

الصراع السياسي الممتد خلال السنوات الأخيرة لم يترك للزيف مكاناً يستتر به، فأصبح التلوّن علنيّاً..

 

 

قبل "الحسبة وحرية التعبير" بعام واحد، وحينما كان وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم هو أقوى الاحتمالات، خاصة بعد تقاربهم الكبير مع السلطة الانتقالية آنذاك، سنجد أن الإلهام الذي هبط على العقل التنويري لدى النمنم كان قد أوحى له بأن يصدر كتاباً بعنوان "حسن البنّا الذي لا يعرفه أحد". وفي هذا الكتاب، ومع التلويح بوصول الإخوان إلى الحكم بالتوافق التام مع السُلطة وقتها، قرر المؤلف أن يبرز ما أسماه بالوجه الآخر لمؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وأن يتناول سيرته من منطلق إنساني حيادي، متجاهلاً دور البنا في التكريس لفكر الجماعة المحتكرة للدين والأخلاق كما كان يردد دائماً. وهو أمر عجيب من شخص قدّم نفسه كأحد المنقِذين من سيطرة الرجعية على الشأن السياسي والاجتماعي والأدبي.
وبالمرور السريع على سيرة الرجل، سنجد أن مؤلفاته وتصريحاته السابقة مباشرة لامتطاء جواد الصفة الرسمية لإدارة الشأن الثقافي بالبلاد، كانت تحوم حول دور الأزهر في الرقابة على المجتمع وتدخله كجهة دينية في شؤون الثقافة والعلم، مع بعض التأصيل التاريخي للنماذج التنويرية كالإمام محمد عبده. الأمر الذي أهمله بعدما أصبح وزيراً للثقافة في قضايا البحيري وأحمد ناجي على سبيل المثال، حينما أصبح متواطئاً كممثل للدولة في الشأن الثقافي، مناقضاً لكافة الأفكار التي كان يقدّم نفسه وفكره من خلالها.

 

يتصوّر المرء أنه يتعامل مع شخصين منفصلين ــ وربما أكثر ــ يود كل منهما أن يتسلّق اللحظة للخروج منها بأكبر المكاسب

 

 

وحين عبّر الكاتب السعودي جمال خاشقجي مرة في برنامج تلفزيوني عن استيائه من قرار تكليف النمنم بوزارة الثقافة، بسبب هجومه المستمر على الفكر الوهابي و"تطاوله" ــ على حد تعبيره ــ على المذهب الديني للمملكة السعودية التي اتهمها بنشر الرجعية والردّة الحضارية في مصر والبلاد العربية الأخرى، أجرى الوزير مداخلة هاتفية في البرنامج ("العاشرة مساءً") معترضاً على التدخل في الشأن المصري من طرف النظام السعودي على لسان أحد المقرّبين من العائلة الحاكمة، مضيفاً أنّ صميم اعتراضه هو نيل الفكر الوهابي من الثقافة المصرية، وأنه لم يتطرق للشأن الداخلي في المملكة، ويرفض كل أشكال التدخل السعودي في الشؤون المصرية. هذا الأمر تبعه في العام التالي عليه، تأييد النمنم لضم الجزر المصرية "تيران وصنافير" إلى الحدود السعودية وإعلان عزمه على نشر كتاب يصدر عن الوزارة يُبرِز من خلاله أحقية المملكة في الأرض المصرية. الخبر نشرته جريدة الأهرام.. وكأنه شخص آخر ذاك الذي كان يتحدث عن الاستقلال الوطني والرفض التام لتدخل السعودية في شأن بلاده، بينما يرحب بسعة صدر باستيلاء المملكة تلك نفسها على جزء من تراب الوطن.
ذلك "الاضطراب" كان محيّراً وصادماً، وأثار سخرية الجميع. يتصوّر المرء أنه يتعامل مع شخصين منفصلين ــ وربما أكثر ــ يود كل منهما أن يتسلّق اللحظة للخروج منها بأكبر المكاسب.. ولا يملك من يراقب الموقف سوى الدعاء للشأن العام المصري وللقائمين عليه بالشفاء العاجل.