في 3 تشرين أول/أكتوبر، قتل في التدافع  100 شخص خلال فض السلطات الأثيوبية لاحتفال تقليدي بنهاية موسم الأمطار عند أثنية الأورومو، استخدم فيه  الغاز المسيل للدموع. وقد عادت الاحتجاجات الى الاشتعال وسط إقليم الاومورو وامتدت من جديد الى الأمهرة، الاثنية الأكبر في البلاد. هذا مقال عن الموضوع نشرناه في السفير العربي ويعالج جذور المسألة
 
صدر منذ أيام تحذيرٌ رسمي أميركي بتجنّب السفر إلى جمهورية إثيوبيا الفيدرالية، وتحديداً إلى مناطق معينة، مع بروز مخاوف من امتداد الاحتجاجات إلى العاصمة أديس أبابا، وذلك بعد سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى في البلاد على يد الشرطة أثناء قمعها للمتظاهرين (في 7 آب/ أغسطس). تتركز الاضطرابات في المناطق الرئيسية لقوميتي "أورومو" (وأغلبهم من المسلمين) و"الأمْهرة" (وهم الأرستقراطية الإثيوبية، وأغلبهم من المسيحيين). وثمّة تقارير تتحدث عن انتقال عائلات من قومية "تغري" من العاصمة إلى مناطقهم التقليدية في إقليم "تغري"، تحسباً لحدوث عنف إثني انتقامي من قبل القوميّتين المحتجّتين، رداً على التعسف الذي يمارسه جهاز الأمن الذي يمسك بزمامه عناصر من قومية "تغري".

المشكل الأورومي

التوسع الحبشي في العهد الملكي مطلع القرن العشرين، على حساب القوميات الكوشية والنيلية والأوموتية، أوجد حالة فسيفسائية إثنية في ظلّ حكم واحد، لِما أصبح فيما بعد مملكة إثيوبيا، وما تلاها من قيام الجمهورية في منتصف السبعينات من القرن الماضي. وفي بلد عماده النشاط الزراعي، فقد بقيت نظم الحكم المتتالية قائمة على تحقيق الثروة من خلال استغلال أبناء قومية "أورومو" في الأعمال الزراعية الشاقة، حارمة إياهم من فرص الحصول على التعليم، أو ارتقاء المتعلمين منهم لمناصب تتلاءم مع مؤهّلاتهم. وقد حدثت تغييرات طفيفة في هذا المجال بعد تخصيص منصب رئاسة الجمهورية الشرَفي لقومية "أورومو" في ظل مشروع "إثيوبيا الجديدة" على يد "ملس زيناوي" ورفاقه، إثر سقوط نظام منغيستو هيلا مريام. إلّا أن المحاصصة الإثنية في البرلمان الإثيوبي، وما استجدّ من منح مزيد من الصلاحيات لمناطق القوميات، ومنها منطقة "أورومو"، والخلاف على المناطق الحدودية، واستهداف المناطق الزراعية الأخصب في البلاد بمشاريع متعددة الجنسيات، (وهي تقع ضمن أراضي "أورومو").. كل تلك التراكمات أدّت إلى شعور عام لديهم بضرورة تعويض الفرصة التي فاتتهم أثناء ترتيبات البيت الداخلي بداية تسعينات القرن الماضي، ساعِين لشغل كامل حصتهم من السلطة والثروة بالبلاد التي يشكّلون ما يقرب من نصف سكّانها.
[Media:4465]
الوضع الأمهري

بُنِيت المنظومة السياسية في إثيوبيا بعد سقوط نظام منغيستو هيلا مريام، على الحد من نفوذ قومية "أمهرا" التي شغلت لقرون طويلة مكانة عالية ضمن المكوِّن الحبشي والخريطة الاجتماعية الإثيوبية عامة. وقد كانت مساعي النظام الاشتراكي للقضاء على المؤسسة الإقطاعية تنفذ عبر توجيه ضرباته غالباً للإقطاعيين الأمهرا ومن يدور في فلكهم ويقدم لهم الولاء. إلّا ان ذلك النظام عجز عن الاستغناء التام عن العنصر الأمهري، لكونه عماد المؤسسة الإدارية في الدولة، وهو ما نجح فيه "ملس زيناوي" بالتعاون مع "أسياس أفورقي" قبيل خلافهم وانفصال "إرتريا"، متيحاً بذلك المجال لبقية القوميات لتنمية "أمل" بأخذ مكانتها في اقتسام السلطة والثروة المتناسبة مع حجمها.
العزلة الطويلة للأمهرة، الذين بقيت لغتهم هي اللسان الرسمي لحكم وإدارة البلاد، وانقلاب الآية عليهم لصالح منافسيهم الـ "تغري"، والشعور العام بالظلم وعدم الثقة، واستمرار الأمهرا في خسارة مراكز قوتهم الاقتصادية والسياسية لصالح القوميات الأخرى برعاية الـ "تغري".. أدّى لتعزيز مخاوفهم من تحوّلهم إلى "قومية مهمشة"، ولاسيما بعد وضع مناطق تاريخية للأمهرا تحت حكم إقليم "تغري"، وتراجع المكانة العالية لثقافتهم وانتعاش ثقافات القوميات الأخرى. كلّ ذلك قاد إلى حالة من الإحباط واليأس بينهم، وقناعة لدى فئات كبيرة منهم بضرورة تثبيت الموقف المتذمر والرافض لحالة التدهور التي تم إدخالهم فيها منذ بداية تسعينيات القرن العشرين.

التوتّر الديني

تمارس الحكومة الضغط على المسلمين في إثيوبيا (وهم من الطائفة السنية الشافعية التقليدية)، المستمرين بالاحتجاجات السلميّة منذ سنة 2011، وقامت باعتقال العديد من قادتهم، وإصدار أحكام طويلة بالسجن عليهم (بلغت حتى 22 سنة في ظلّ قانون الإرهاب) بهدف قمع مقاومتهم لمساعي الدولة في فرض سيطرة طائفة دينية جديدة قادمة من الشرق الأوسط، والمسمّاة بـ "الأحباش"، وتمكينها من الهيئات الإسلامية المرتبطة بالدولة، والمتحكمة في الإفتاء والأوقاف والشعائر، بما خلق حالة من الانفصام التام بين المجتمع المسلم الذي يشكّل ثلث السكان حسب التقدير الرسمي، ونصفه حسب تقديرات جهات تنفي دقّة التقدير الحكومي (معتبرة إياه مسيّساً وسائرا ضمن سياسة التهميش القديمة الموروثة من زمن الإقطاع والملكية).
وقد يكون نزوح عشرات الآلاف من الإثيوبيين المسلمين، في كل اتجاه سواءً إلى السودان غرباً أو كينيا جنوباً وحتى الصومال شرقاً، ونشاط الهجرة غير الشرعية باتجاه شبه الجزيرة العربية وأوروبا.. قد يكون كل ذلك دليلًا على تلك المخاوف وليس فحسب على عدم الرضا عن الوضع الاقتصادي المبني على المساعدات الغربية، وواقع الغلاء المعيشي المتصاعد، وقلّة مصادر الدخل التي تضمن حياة كريمة، في ظل نظام ضريبي وجمركي يحدُّ من نشاط الحركة الاقتصادية في البلاد.

إثيوبيا، الاستثناء الإفريقي؟

من الشائع القول أن إثيوبيا تشكّل استثناءً في نظر القوى الغربية، ليس فقط على المستوى الإقليمي، بل على مستوى دول القارة الإفريقية والمحيط الجغرافي القريب من القارة، نظراً لخصوصيتها الدينية والثقافية، وموقعها الجغرافي المتحكم في تدفق النيل، إضافة إلى دورها الحالي في الصومال، وكونها مقر منظمة الوحدة الإفريقية. كل تلك المميزات التي اجتمعت في الدولة الإثيوبية، تجعل من المستبعد أن تنجح المظاهرات والاحتجاجات في تحقيق أهدافها، مع عدم وجود أفق لنجاح أي تمرّد مسلّح ضد النظام الحالي الذي يرأسه "هيلا ماريام ديسالينغ"، ما لم يرتكب أخطاء جسيمة قد تهدد مصالح الأطراف الداعمة له اقتصادياً وسياسياً.