تستعدّ الطفلة للهو مع زميلات وزملاء اللحظة، لحظة اللعب المقدّسة لدى طفلة لم تصل إلى السن الرسمي للالتحاق بالمدرسة. تمسك "بهيّة" بيد إحدى البنات بيمينها وأحد الأولاد بيدها الأخرى لتبدأ الدوران يميناً ويساراً منتزعة ضحكات الأطفال الذين دارت بهم الدنيا، ليسقط هذا ضاحكاً وهذه في نشوة لا يعرفها إلا قلب طفل لا يرى في السقوط أرضاً أي عار أو مأساة، بل يجد دائماً ما يدعو للضحك والعودة لتشبيك اليد باليد مرّة أخرى. تتشبّث أعين كُل الأطفال ببعضهم البعض، بينما تدور أعين "بهيّة" يميناً ويساراً، ربما بحثاً عن شخص بعينه أو عن شيء محبب لديها، وربما لشعور لم تسعفها مهاراتها في إيجاد أدوات البحث عنه. تستمر في البحث حتّى تغادر الحديقة برفقة والدتها التي أسعفتها مهاراتها المكتسبة من خبرتها بالحياة في معرفة أدوات البحث. فبينما تسير بأعين ثابتة، يدور قلبها بين أضلعها بسرعة.
يدور "مالك" داخل رفيقة زنزانته الوحيدة: البطّانية، متأمّلاً أن يستيقظ ليجد بيته ويرى "بهيّة" الابنة و"أسماء" الأم والحبيبة، ويرتدي ملابسه مسرعاً. يتناول كسرة خبز ويهرع راكضاً على السلّم، متناولاً قرص الضغط ليتجه إلى المحكمة جالباً السعادة لهذا البريء أو لصاحب حق مسلوب من أحدهم... يدور حتّى يستيقظ من شبه نوم ساده البحث والأمل والذكرى.
أخبرته الجهات الرسميّة

بأنه متهم بمحاولة قلب نظام الحكم وحيازة منشورات، وبعض التهم الأخرى التي لا يوجد عليها دليل واحد. لكن الجميع يعلم بتهمته الحقيقية والتي ربما يمكن تسميتها "إزعاج الحكومة المصرية" أو "التمسك بأرض الوطن"، وربما أيضاً يكون متهماً بالإفراط في الحلم أو امتهان المحاماة، فليس هناك نهاية لاحتمالات الاتهام. ولكنّ المؤكد أنّ الرجل لا يفكّر في تهمته الآن بقدر تفكيره في المسار الذي ألقى به إلى تلك الزنزانة الانفراديّة دون كتاب أو دواء أو رعاية صحّية أو تريّض يتعرّض خلاله إلى أشعة الشمس التي قد تطرد الرطوبة التي ملأت عظامه ومفاصله، الرطوبة التي أصبحت رفيقة الحبس الإجباري الذي لا يملك "مالك" أن يغيّره: "لم نتلق أمراً بإدخال سرير إلى الزنزانة"، قالها الضابط لأسماء، وأضاف بانعدام أمر بالسماح بدخول الكتب والجرائد والحصول على ساعتَي التريّض اليوميّة.
"المستشار أحمد فتحي سرور قام بتأليف أضخم كتبه على الإطلاق داخل السجن، بعد أن ألقت به ثورة يناير إلى حيث يستحقّ؟" قال مالك في جلسة بين الأصدقاء. وما زالت تتردد تلك العبارة بداخلهم. فكيف لمتهم بالفساد وقتل الحياة السياسية وتدمير الدولة أن يحصل على كل هذه المراجع والأدوات داخل زنزانته، لدرجة تأليفه لكتاب (هام جداً فعلاً) عن السياقات القانونية الدولية المتعلقة بالإرهاب الدولي ومكافحته وكيفية تنظيم الأمر على نحو قانوني. استفاض مالك في شرح أمر هذا الكتاب في تلك الليلة من الشتاء السابق على حبسه.
يخرجونه من زنزانته التي أصبحت مسكنه، بعد أن خرج على وسائل الإعلام المختلفة معلناً رأيه في مصريّة جزيرتيّ "تيران وصنافير" بمحافظة جنوب سيناء، مضيفاً أنه يمتلك الأدلة والوثائق التي تثبت هذا الأمر، وأنه "ليس من حق رئيس الجمهورية إدخال أي اتفاقية حيز النفاذ، كما لا يحق للبرلمان مجرد مناقشة ترسيم الحدود والتفريط في أرض الوطن". أخرجوه من الزنزانة لاستقبال زيارة "أسماء" و"بهيّة" التي أسماها باسم مصر كما تغنّى بها الشيخ إمام ودعاها يوسف شاهين. وبينما يسير في الطريق بين الزنزانة ومكان الزيارة، يفكّر بما ستخبره به زوجته وكيف تسير الأمور بالخارج. يقوم بتحضير استفساراته وترتيبها بما يتناسب ومدة الزيارة. سيسألها عما آلت إليه القضية التي رفع دعواها قبل أن يُلقى به إلى الحبس الانفرادي، والتي اختصم فيها الحكومة وشارك في تقديم أدلة بطلان اتفاقية تسليم الجزر من الوطن إلى المملكة. سيستفسر منها عن صحة ابنته وصحتها، وينظر إلى عينيها باحثاً عن شيء ما تخفيه عنه، سيخبرها بحبه واشتياقه لها، وقد يتذكّرا سوياً بعض اللحظات القديمة التي جمعتهما، وقد لا يجدا متسعاً من الوقت فيكتفيا بلحظات من تبادل النظرات الصامتة.
تستعدّ أسماء لإخباره بأن القضية قد حُكم فيها لصالح مصر، لصالح بطلان اتفاقية تسليم الجزر للمملكة، والوصول عبر الأدلة والوثائق إلى مصرية الأرض كما قال هو من قبل، ونال عقابه على ذلك القول. تقوم بترتيب العبارات كي تسرق من عينيه لمعة النصر بين أسوار الهزيمة ورطوبة جدران الوحدة والبعاد.
يصل صوت خطواته إلى أُذنيها فتقفز بهيّة واقفة وتتعلّق أعين أسماء بالأبواب. يصل صوت بهيّة إلى أذنيه فتتسارع الخطوات وتقفز الاستفسارات المرتبة من رأسه لتعود لعشوائيتها، ويُفتح الباب ليتوقف عقل مالك وقلب أسماء وأعين بهيّة عن الدوران، حراً باسماً منتظراً للشمس التي لا زالت تنتظره خارج الأسوار، مع أطفال الحديقة في دورانهم بحثاً عن الحياة والأمل.