يعرض الفيلم الإسرائيلي "صلاح شاباتي" (1964) قصة مهاجر يهودي شرقي وعائلته إلى إسرائيل، والمصاعب التي يواجهها في الاندماج في مجتمع إسرائيلي أوروبي (أشكينازي) "متقدّم بأشواط" عن المكان الذي قدم منه هو وأمثاله من اليهود الشرقيين (المزراحيم) "المتخلّفين". في بداية الفيلم، بعد وصول شاباتي برفقة عائلته إلى "الأرض الموعودة"، يدور بينه وبين مفتش إسرائيلي الحوار التالي:

- هل أنت صلاح شاباتي؟
- نعم، ليتبارك اسم الله.
- كم طفلاً لديك؟
- هممم، الكثير. ستة..
- لكن الأوراق هنا تقول سبعة.
- أرِني، سبعة؟
(يلقي صلاح شاباتي نظرة إلى الأوراق في يد المفتّش الإسرائيلي - الأشكينازي طبعاً - ثمّ يلتفت إلى عائلته ويعدّ الأطفال..)
- سبعة صحيح.. هل نستطيع أن نركب الشاحنة؟

في دقيقة، يلخّص لنا الفيلم (الذي رُشّح لأوسكار عن فئة الأفلام بلغة أجنبية) نظرة إسرائيل إلى كلّ آتٍ من الشرق، خاصة من بلاد العرب، وإن كان وافداً يهودياً. يقول لنا إن المزراحيم يلدون الكثير من الأطفال، لذلك فواحد زائد، واحد ناقص.. لا يهمّ! يأتون بأطفالهم بالدزينة (حتى أنهم لا يعرفون عددهم).. ثم نرى صلاح شاباتي لاحقاً يزعق بزوجته التي يظهر أنها حامل طبعاً: "أريده صبياً ها!".
الآن في 2016،

عادت قضية أثيرت منذ عشرين عاماً بشكل ملحٍّ لتطفو على السطح وتثير البلبلة: بين 1500 و5000 طفل صغير من اليهود الشرقيين (ثلاثة أرباعهم يمنيون) اختفوا في إسرائيل بين عامَي 1948 و1954، أي في السنوات التأسيسية الأولى للكيان. أثارت الموضوع سلسلة مقالات لهآرتس. وبعد ثالث لجنة تحقيق رسمية، تقرّر وضع أرشيف الدولة الخاص بالقضية في الحفظ السري لـ 70 عاماً بحجة "مراعاة خصوصية الأفراد". أغلب التكهنات ذهبت باتجاه أن الأطفال تمّ اختطافهم في عملية مدروسة من منظّمة صهيونية WISO كانت ترعى ملاجئ للأطفال الصغار ليتمّ "منحهم" أو بيعهم لعائلات إسرائيلية أشكينازية. لجان التحقيق الثلاث المتتابعة توصّلت إلى النتيجة نفسها: الأطفال ببساطة مرضوا وماتوا ودُفنوا، دون التمكّن من إبلاغ أهلهم، حيث كانوا يعيشون في تلك الملاجئ. التقارير بمثابة تبرئة للمنظمات الصهيونية.
مؤخراً، عادت صحيفة "هآرتس" إلى إثارة الموضوع وعنونت: "هل اختطاف أطفال يمنيين في السنوات التأسيسية للدولة شبيه بجرائم النازية؟". وفي مقال آخر تكلّمت عن تجارب طبية وإشعاعية أجريت على أطفال يهود مغاربة مصابين بالبهاق، وهو مرض جلدي. وأعادت القضية إلى ساحات الجدل.
نتنياهو الذي يرغب بلعب دور البطل الإنساني، يتحدّث عن "الجرح المفتوح النازف لكثير من العائلات الإسرائيلية التي تجهل مصير أبنائها"، داعياً إلى رفع السرية عن الوثائق الأرشيفية.
القضية بالغة الحساسية بالنسبة للمجتمع الإسرائيلي، فهي تظهر أنه حتى في تركيبه الداخلي، وبعيداً عن المأساة التي ألحقها بالشعب الفلسطيني وعن ممارساته الفظيعة تجاهه، هو كيان غير متماسك، غير متجانس، غير أصيل، رديء التركيب، تعمل مجموعات فيه على خداع مجموعات أخرى تعتبرها أدنى منها مرتبة، فتمارس عليها عنصرية من الداخل إلى الداخل، تصل لحد اعتبار أطفال هؤلاء مشاعاً يُباع ويُشترى. كما أن حالات العنصرية المتفشية في الجسم الإسرائيلي ما زالت تنتج حتى اليوم عشرات القضايا والتبعات التي يكون ضحيتها إسرائيليين سوداً مثلاً.
الآن تحاول مجموعة من أعضاء الكنيست التقدم بمشروع قانون يمكن بموجبه الكشف عن الوثائق الأرشيفية، في محاولة لإغلاق الباب على تلك المرحلة. لكنه أمر يمكن أن يحمل معه ضجة كبيرة ومطالب بالمحاسبة ستؤرق المجتمع الإسرائيلي المتناقض والهش أصلاً.

* مصدر: إيللا شوحاط، أستاذة الدراسات الثقافية في جامعة نيويورك، يهودية عراقية، تركت إسرائيل بعد مجابهة حول العنصرية التي يعاني منها المزراحيم.