شكلت هجمات تنظيم "الدولة الإسلامية" داخل المملكة العربية السعودية هزة إقليمية ومحلية كبرى. فبعد سلسلة من العمليات المحدودة التي استهدفت رجال أمن ومقيمين أجانب من جنسيات غربية، صعد تنظيم الدولة عملياته، ليستهدف بأول هجوم انتحاري مسجداً في قرية القديح بمحافظة القطيف ذات الأغلبية الشيعية، وليُتبعها مباشرة بعد أسبوع واحد بمحاولة تفجير مسجد آخر في حي العنود في مدينة الدمام.
انعكست التفجيرات فاجعة لم تكن بالحسبان، وأدت إلى موجة غضب عارمة على المستوى الاجتماعي الشيعي، المُستقطَب طائفيا بشكل حاد بفعل أزمات المنطقة، والمشحون بالأصل تجاه هذا التنظيم إقليمياً، خصوصاً أنه يشكل التصور النموذجي للطرف المُضْطَهِد في السردية التاريخية للمظلومية الشيعية. 
لم تسْلم هذه الحوادث الإجرامية من عملية الاستغلال التي تمارسها بعض الأطراف والتيارات داخل الوسط الشيعي، فرغم انعدام المجال السياسي في المملكة، الا ان بعض التيارات الإسلامية الشيعية المحلية، خصوصاً تلك التي تشكلت إثر مصالحة الراحل الملك فهد مع المعارضة الشيعية في الخارج عام 1993، حاولت توظيف هذه العمليات وما نتج عنها من شحن اجتماعي وحالة غضب واسعة، عبر رفع الصوت لتحصيل حقوق "الطائفة"، والمطالبة بإنهاء حالة التمييز الطائفي، ووقف خطاب الكراهية المصوب تجاه الشيعة في الأوساط السلفية.
عملت هذه الجهات على

نشر معادلة ركيكة مفادها أن هذه العمليات (وظاهرة داعش برمتها)، هي نتيجة مباشرة لخطاب الكراهية التي تبثه الأوساط السلفية ضد الطائفة الشيعية، طارحة حلاً خلاصياً يتمثل بوقف ضخ هذا الخطاب ومعاقبة أربابه.
صحيح أن أموراً مثل بث خطاب كراهية ضد الآخر المختلف مذهبياً، وشيطنته، هي من أبرز العوامل التي تزيد اشتعال الصراع الطائفي المحتدِم، وأن الدور الذي يلعبه للخطاب السلفي الطائفي، سواء على المستوى الإعلامي، أو في المناهج الدينية التعليمية، دور مؤجِّج للفتنة الطائفية، لكن هذه الأمور ليست حتماً هي المؤسِّس الذي صنع ظاهرة معقدة مثل تنظيم الدولة، إذ إن تصوير خطاب الكراهية كصانع للظاهرة ينطوي على تبسيط مخل، ومحاولةٍ لاستغلال عواطف الناس لبيعهم الوهم. فحالة الاستنفار الهوياتي، والتفكك في النسيج الاجتماعي في المشرق العربي، أكبر وأعقد من التراث والتعاليم الدينية السلفية التي تؤثر فقط في الدوائر المتدينة، بينما تشمل حالة الاستنفار الهوياتي جميع الدوائر، حتى غير المتدينة منها، والتي لم تتأثر ولا علاقة لها بالخطاب السلفي، بل ودرست مناهج من الممكن وصفها "بالعلمانية"، كما هو الحال في تونس، التي خرجت منها مجموعة كبيرة من الجهاديين للقتال مع تنظيم الدولة في سوريا والعراق.
إن أزمات الهوية في المنطقة، والتي يشكل تنظيم داعش أبرز تمظهراتها، وليدة عملية كيميائية معقدة، يشكل الاحتلال الأمريكي للعراق (الذي أيدته بعض هذه التيارات) حجر الأساس فيها، حيث مثلت حالة الفراغ التي نتجت من تغييب الدولة العراقية وإنهاء مؤسساتها، استنفاراً حاداً للهويات الأولية، ألقى بصداه على كامل المشرق العربي، وساهمت عملية صعود القوى الشيعية الطائفية العميلة للاحتلال، في انفجار الصدع الطائفي الذي كوَّن فيما بعد بذرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق (وليس كما ادعى الكاذب توني بلير أن بداية داعش كانت في سوريا). وقد توسع التنظيم وانتشر بالصورة التي نرها كظاهرة عابرة للحدود، مستغلاً حالة التصدع والانهيار في الكثير من الدول العربية، بعد "الربيع العربي" الذي شكل امتحاناً، سرعان ما أثبت نموذج الدولة الوطنية العربية فشله فيه، حيث انهارت العديد من الدول حين طرقت أبوابها الأزمات السياسية والاقتصادية المتراكمة، وتفككت الصورة الوهمية للهويات المصطنعة التي حاولت الأنظمة العربية المختلفة رسمها.
لذا، فإنّ أي مقاربة جدية لمعالجة ظاهرة تنظيم الدولة يجب أن لا تنزع السياق الإقليمي للمشكلة، وتنحرف باتجاه "تقطير" المشكلة وتحديدها بإطار جغرافي معين، ومحاولة معالجة حدثٍ مثل هجمات تنظيم الدولة في السعودية، باعتباره مشكلة داخلية بحتة، واستثماره في إطار مناكفة سياسية، أو محاولة لتحصيل مكاسب سياسية. لأن المشكلة أوسع من اختزالها في خطب دينية أو تغريدات على "تويتر" تبث خطاب الكراهية المذهبية. 
إن ما تُحتِّمه المسؤولية الوطنية والقومية يوجب على هذه التيارات وغيرها الترفع عن أي استغلال طائفي أو مناطقي لمثل هذه الأحداث، التي تتخذ الطابع المصيري وتهدد مجتمعاتنا بأكملها، لا فئة بعينها وحسب. فالهجمة الإبادية التي يقودها تنظيم الدولة لا تستثني أحداً، ولا يمكن فهم رفع شعارات الاندماج الوطني في أوقات معينة، والإصرار في أوقات الأزمات على التحرك من موقع طائفي في مواجهة داعش، والانغماس في التقسيم الطائفي، بدلاً من رفض محاولة تقسيم المجتمع إلى معسكرات طائفية، كما يرغب تنظيم الدولة. إذا كانت الغاية الحقيقية لهذه التيارات هي العمل على إنهاء ظاهرة داعش، وإيقاف سيل الدماء واستنزاف مجتمعاتنا، فإن عليها المساهمة في مقاربة تقضي بإيجاد حل سياسي يوقف الاحتراب الأهلي في الهلال الخصيب، ولا ينجر للخطاب الطائفي في مقاربة الحدث، فهو لا يؤدي إلا إلى تعميق المشكلة.