استضافت الخرطوم يوم 23 آذار/مارس الفائت قمة رئاسية ثلاثية، حضرها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والسوداني عمر البشير ورئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين، ووقع فيها اتفاق لإنهاء الأزمة الحادة بين القاهرة وأديس أبابا حول سد النهضة الإثيوبي. أتت هذه القمة الأولى لرؤساء الدول المعنية بسد النهضة بعد وساطة قامت بها الخرطوم لوقف اندفاع الأزمة بين مصر وإثيوبيا إلى حافة الحرب، والبحث عن طريق للاتفاق يضمن لإثيوبيا بناء سدها لتوليد وبيع الكهرباء، ويضمن لمصر والسودان عدم الإضرار بحصتيهما البالغة 84 مليار متر مكعب من المياه سنويا. وعلى الرغم من تصاعد الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا الى حد التهديد بنسف السد بالصواريخ، إلا ان كلاً من وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا أعلنوا الاتفاق على تقاسم مياه نهر النيل ومشروع سد النهضة الإثيوبي عقب اجتماع وزاري ثلاثي ضم لأول مرة وزراء الخارجية إلى جانب وزراء الموارد المائية بالعاصمة السودانية الخرطوم.


التعاون


قال معتز موسى، وزير الموارد المائية والكهرباء السوداني، إن وثيقة إعلان المبادئ للتعاون بين الدول الثلاث حول سد النهضة تشكل مدخلا للتعاون ولتنفيذ مشروعات مشتركة للتنمية المستدامة في ما بينها. وكان خبراء مصريون وسودانيون قد تخوفوا من أن يلغي توقيع اتفاق جديد الصفة الدولية لاتفاقات المياه الموقعة بين دول حوض النيل في1902 و1929 و1958 والتي تمنح مصر، آخر دول مصب نهر النيل، حق الفيتو على أي مشروع تنفذه دول حوض النيل، وذلك وفقا لمبدأ الإخطار المسبق، خاصة أن غياب الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية عن القمة الأخيرة يعطل المظلة الدولية التي تحمي الاتفاق. كما أن الخلافات بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة كانت عميقة، حيث رفضت مصر بالأصل بناء السد لأنه سيكون بديلا من سدها العالي في أسوان، وسوف ينهي تدفق المياه إليها باعتبارها آخر دول مصب النيل، بينما أصرت اثيوبيا على توسعة خزانات السد من 11 مليار الى 74 مليار متر مكعب من المياه، كما رفضت وقف إنشاء السد وقت التفاوض أو مشاركة خبراء مصريين وسودانيين في الإشراف على الإنشاء. وتحصل مصر على 85 في المئة من مواردها المائية من الهضبة الاثيوبية عن طريق النيل الازرق وتمدها جميع دول الحوض الأخرى بـ15 في المئة فقط عن طريق النيل الابيض، حيث يلتقي النيلان بالمقرن في الخرطوم في طريقهما الى مصر. وسد النهضة من بين 33 مشروع سد قدمتها وزارة استصلاح الأراضي الأميركية لإثيوبيا عام 1962 ردا على بناء مصر للسد العالي. ونجحت الوساطة السودانية في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، بعد إصرار الجانب الرسمي السوداني للمرة الاولى على مساندة الموقف الاثيوبي في مواجهة مصر، باعتبار أن السودان يعاني من الفيضانات التي تضرب مدنه بما فيها الخرطوم سنويا.


مخاوف مصر


حذر خبير المياه الدكتور نادر نور الدين من ان إثيوبيا تخطط لإنشاء أربعة سدود بجوار سد النهضة بسعة 200 مليار متر مكعب، وهو ما يؤدي إلى وقف ضخ المياه إلى مصر تماما. ويعتمد المصريون على 55 مليار متر مكعب من نهر النيل سنويا تمثل 95 في المئة من مواردهم المائية. ويرى الخبراء المصريون أن خسائر مصر من السد ستشكل كارثة على بلدهم، فإلى جانب حرمانهم من المصدر الرئيسي لمياه الشرب، فإنه سيحول البلاد الى صحراء لأنه سيودي الى بوار 3 ملايين فدان من 4 ملايين تتم زراعتها بانتظام، ما سيزيد الفجوة الغذائية في البلاد، وفقدان مزارعين لأراضيهم وعملهم ومساكنهم حول تلك الأراضي، في الوقت الذي طرحت فيه اثيويبا 15 مليون فدان للاستصلاح الزراعي الخارجي. كما ان نقص ورود المياه الى بحيرة ناصر خلف السد العالي سيؤدي إلى انخفاض معدلات توليد الكهرباء بالسد العالي إلى 40 في المئة من الطاقة، علما ان البلاد تعاني من أزمة طاقة طاحنة في الوقت الحالي. ومع احتمالات انهيار سد النهضة، بسبب وجوده في منطقة صخرية هشة وقريبة من مواقع زلزالية، تتخوف كل من مصر والسودان من غرق الخرطوم بارتفاع مياه يصل الى 9 أمتار، وتتخذ السلطات المصرية مخططات لإجلاء سكان محافظة أسوان في جنوب مصر عند اللزوم، كما ستكثر من كل القناطر والكباري.


.. والسودان


على الرغم من تبني السودان الموقف الإثيوبي في بداية الأمر، ما أدى إلى غضب مصري، إلا ان وزير الموارد المائية السوداني السابق كمال علي، أبدى قلقه من تأثير سد النهضة على بلاده، مؤكدا ضرورة ان تتضمن الوثيقة تخفيض سعة التخزين إلى 11 مليار متر مكعب، التي حددتها أكبر مؤسسة للسدود في العالم، وهي هيئة الاستصلاح الأميركي التي قامت بالدراسة لمصلحة إثيوبيا في أوائل الستينيات، لأن تخزين 74 مليار متر مكعب يسبب ستة أضرار للسودان أهمها تدمير الكفاءة التصميمية للقنوات بالمشاريع المروية، وحرمان المشاريع من السماد الطبيعي، وأن تمرير 133 مليون متر مكعب في اليوم بصفة ثابتة سيؤدي إلى عدم ملء خزان سنار وعدم توليد الكهرباء من خزاني الروصيرص وسنار في فترة ملء الخزانين التي تستغرق 46 يوماً، وعدم وجود مياه لري مشاريع النيل الأزرق بما فيها مشروع الجزيرة والرهد والسوكي والطلمبات في فترة الملء.
لقاء رؤساء مصر والسودان واثيوبيا في الخرطوم شكل حدثا تاريخيا لأنه اتفاق بين الدول الثلاث على التوافق وتقسيم مياه النهر لمصلحة 250 مليون مواطن من شعوبهم. وبديل ذلك هو الدخول إلى ميادين حرب طويلة.
......................................................................................................................................................
يقع سد النهضة الإثيوبي على النيل الأزرق، على بعد حوالي 20 كيلومترا من الحدود السودانية، وكان يسمى في إثيوبيا بسد الألفية، ثم تمّ تعديل اسمه إلى "سد نهضة إثيوبيا العظيم". والسعة التخزينية للسد تبلغ 74 مليارا مترا مكعبا، تخزَّن في بحيرة السد التي تبلغ مساحتها حوالي 1800 كيلومتر مربع ويبلغ طولها 246 كيلومترا. ويصل أقصى ارتفاع لسد النهضة إلى 145 مترا. وتقول إثيوبيا ان السد سيكون طريقها الوحيد للتنمية عبر توليد وتصدير الطاقة الكهربائية لأفريقيا.