حلّاقة نسائيّة في أربيل أطلقت مبادرة مبتكَرَة: افتتاح مقهى خاص بالنساء. سمعتُ بها بينما كنت أقوم بعملي الميداني بين المجموعات والمنظمات النسائية في العراق، كجزء من بحثي الذي يتناول النشاط السياسي للمرأة العراقية المعاصرة. سألتُ عنها عدداً من ناشطات المنظمات الرسمية لحقوق النساء، وأحسستُ بعدم ارتياحهنّ. بدا أنها لا تروق لكثيرات منهن. حصلتُ على عنوان صالونها بكلّ سهولة من أشخاص قابلتهم عشوائياً في شوارع أربيل وقررتُ الذهاب للقائها. رحّبت بي أشد الترحيب، واقترحَتْ أن نتحدث عن مبادرتها ونحن نحتسي كوباً من الشاي. عَمِلَتْ خانم حلّاقة منذ كانت في الثالثة عشرة من عمرها، وهي اليوم في الثالثة والأربعين. علّمتها والدتها التي كانت حلّاقة أيضاً. وخانم من السليمانية في الأصل، لكنها تنقلت وعائلتها مرّات عدّة بسبب النشاط السياسي لوالدها، وأهلها في بغداد منذ أكثر من خمس سنوات. وبسبب هذا التنقل المتواصل، لم تبلغ خانم التعليم الثانوي قطّ. وحكتْ لي أنّ أهلها لم يوافقوا على زواجها من رجلٍ أحبته لأنَّ أحداً من أسرته كان بعثياً. في العشرين من عمرها، تعرضت خانم لضغوط كي تتزوج ابن جيرانهم الذين ينتمون إلى عائلة كردية بارزة. وعلى الرغم من خياناته المتعددة التي شهدتها خلال فترة خطبتهما، لم يُسمح لها بفسخ الخطبة وانتهى بها الأمر في عصمته. ولم يحلْ أطفالهما الثلاثة بينها وبين وصف زواجها من هذا

الرجل بأنّه أحلك فترة في حياتها.
دفع الوضع السياسي في المنطقة خانم وأسرتها إلى التنقل مرّات عدّة، كان من بينها المكوث في تركيا وإيران لسنوات. حكت عن التشريد الجماعي للكرد في عام 1991، حين فرّت باتجاه الحدود الإيرانية. وقد أنجبت إحدى بناتها بين سيارتين بمساعدة والدتها. تذكّرت خانم هذه التجربة بوصفها صدمة جسدية ونفسية عميقة. ولأنَّ زوجها كان يرفض أي عمل لا يتناسب مع تعليمه، فإنَّ خانم هي التي كانت تتحمّل أعباء البيت المالية، فكانت تعمل عملين أو ثلاثة في آن. وكادت تجنّ من شدّة الفقر، وعدم الاستقرار، والتنقّل المتواصل الناجم عن الاشتباكات العسكرية، وغياب الدعم من طرف عائلتها، والعيش مع زوجها المستقيل وأهله. وبكت وهي تخبرني أنها بلغت درجة من التعب والألم دفعتها إلى محاولة الانتحار، في الرابعة والعشرين من عمرها. بقيت في المستشفى أسبوعاً بعد هذه الحادثة، بدعم مالي من بعض أفراد الأسرة.
على الرغم من نشأتها غير الدينية، تحولت خانم إلى الدين في أواخر عشرينياتها. وكانت ممارستها الشعائر الدينية مصدر استياء أسرتها، خصوصاً زوجها:
"في عام 1998، عندما عدنا من تركيا، ارتديت الحجاب. جُنَّ زوجي. نزعه عن رأسي وصرخ قائلاً إنه سيطلقني ثلاثاً إذا ما عدت إلى ارتدائه. وكان يهزأ بي عندما أصلي. تؤمن أسرتي بالله طبعاً، لكن ممارسة الشعائر الدينية لا تروق لهم".
بعد انفصالها عن زوجها في عام 2010، راحت خانم تصلي وترتدي الحجاب. وتجسّد اهتمامها بممارسة الشعائر الدينية في انتقالها إلى حياة جديدة، خصوصاً بعد حصولها على الطلاق في عام 2011:
"قررت ارتداء الحجاب في رمضان. كنت أنظر إلى نفسي في المرآة بعد قراءة القرآن والحجاب على رأسي، فأرى أنني جميلة جداً به. وأنا أخاف الله، وأحب القرآن الكريم. صرتُ الآن مستقلة مالياً، وأطفالي كبروا، ويمكنني أن أتّخذ خياراتي باستقلال عن زوجي وعن عائلتي وعن أي رجل. كنت أرغب في ارتداء الحجاب منذ زمن بعيد، لكن الجميع كانوا ينهون عن ذلك. أخيراً، بات بمقدوري أن أفعل. لا أحب الأحزاب الدينية، أو أيّ أحزاب سياسية، إسلامي يختلف عنهم كلّهم. ولا أشاركهم أي شيء".

إذا كان التفات خانم إلى الممارسات الدينية يكشف عن تأسلم المجتمع الكردي في سياق صعود التشدد الإسلامي في تسعينيات القرن العشرين، فإنه يكشف أيضاً كيف قادتها معارضتها لعائلتها إلى التعامل مع حياتها وجسدها على طريقتها الخاصة.
بعد لقاءات عدّة، بات تفاهمي مع خانم جيداً للغاية وقررنا أن "نقوم بشيء ما" معاً من أجل مبادرتها. حين زرتها، كان مقهى النساء مغلقاً بسبب صعوبات مالية. وأوضحتْ لي أنّ فكرة المقهى المخصص للنساء نبعت من حقيقة أن الرجال هم الذين يشْغلون المقاهي ومعظم الأماكن العامة في أربيل. وأرادتْ أن تخلق حيّزاً "آمناً" للنساء يجتمعن، يتحدثن ويلتقين خارج فضاءاتهن المنزلية، وبعيداً عن أنظار الرجال المبحلقة. وقد خططتْ لتنظيم أحاديث ومناقشات حول قضايا المرأة، ولاسيّما الجسد والجنس والزواج والطلاق. وأرادت خانم أيضاً تشكيل مجموعة لدعم المطلّقات، مثلها هي نفسها، وفتح مقهى للفتيان والفتيات لرفع وعيهم ووعيهن من خلال مجموعات نقاشية تتناول أمور الحياة الجنسية والزواج.
تحسب خانم أنَّ كثيرين هم الذين يعتبرون مبادرتها "غير لائقة"، وقد وصفتها كثيرات من ناشطات حقوق النساء اللواتي تحدثتُ إليهن بأنّها "خطأ". واشتكت خانم من أنّها لم تحصل من المنظمات النسائية في أربيل على أي قَدْر من الدعم. بل إنها لم تُقَابَل، حين طرحت مشروعها على مثل هذه المنظمات، سوى بمزيد من الانتقاد، وكان الردّ المعتاد: "إنه مشروع ضد الرجال، ما حاجتك إلى مقهى للنساء وحدهنّ؟". وبعدما عرض المركز الثقافي الفرنسي فيلماً قصيراً عن مقهاها النسائي، لمستُ عداء كثير من الناشطات تجاهها. وفي ذلك المكان الذي اجتمعتْ فيه أساساً ممثلات وممثلو المنظمات النسائية والمنظمات غير الحكومية، خاطبتْ خانم الجمهور بعد الفيلم وانتقدت تلك المنظمات على أنشطتها، لافتةً إلى أن تلك الأنشطة لا تتناول احتياجات المرأة العادية:
"تحتاج النساء الكرديات لأن يتكلّمن، ويعبرن عن قضاياهن في ما بينهن، ويتحدثن عن أجسادهن ويتناولن عدم المساواة والتمييز مباشرةً. إنَّ وجود نساء تدعمهن الأحزاب في البرلمان وفي المنظمات غير الحكومية لا يخدم قضايا النساء المباشرة. أنتم لا تتحدثون سوى عن التمثيل في الأحزاب، ولا تأتون قطّ على ذكر القضايا الفعلية. أردتُ مساحةً لنا كي نتحدث عن القضايا الحميمة، وكي نساعد النساء على اكتساب الثقة بالنفس، فلم يدعمني أحد. أردتُ أن نتحدث عن الطلاق والزواج المختلّ وقضايا ملموسة، لا عن النشاط السياسي في هذه المجموعة أو تلك أو هذه المنظمة أو ذاك الحزب فحسب".
أخذت بعض ممثلات المنظمات النسائية البارزات الميكروفون وأعربن عن غضبهن تجاه خانم، قائلات إنَّ مشروعها "فرداني" و "تجاري الغرض"، على عكس المنظمات غير الحكومية التي تهدف إلى خدمة المجتمع ككل. وتحوّل النقاش إلى حاجة النساء للمطالبة بفضاءات خاصة بهن والطريقة التي يجب أن يصغن بها هذه المطالب. ولما كنتُ قد نظّمتُ هذا الحدث مع خانم، فقد فقدتُ حظوتي لدى عديدٍ من الناشطات اللواتي كنت قد أقمت معهن علاقات حسنة. ودفعني ذلك، في الوقت نفسه، إلى أن أدرك حقائق وحدود التفاعل بين "النساء العاديات" - اللواتي رفضن، مثل خانم، الانضمام إلى أي منظمة رسمية - ونساء المنظمات غير الحكومية في كردستان العراق. وأدركتُ إلى أي مدى يشكّل الامتثال السياسي القاعدة والمعيار داخل كثير من منظمات حقوق النساء والمنظمات غير الحكومية النسائية الرسمية في العراق، كما أدركتُ أنَّ منظمات حقوق النساء لا تسمع النساء العاديات أو تدعم مطالبهن ما لم تمتثل هذه المطالب للإطار الملائم والمفردات المناسبة، مثل "التمثيل السياسي" و "الحقوق القانونية". أمّا مثيلات خانم اللواتي يحاولن إطلاق مبادرات ترتكز إلى وقائع حياتهن ويعبّرن عنها بكلماتهن وفهمهن لما هو "سياسيّ"، فكثيراً ما يُسْتَخَفّ بهنّ أو يُهمّشنَ من طرف ناشطات حقوق النساء المحترفات من الطبقة الوسطى في المنظمات غير الحكومية لخروجهنّ على أجندتهن المرسومة والمحددة.

ترجمه عن الإنجليزية: ثائر ديب