مطلع تموز/ يوليو الجاري، اندلعت اشتباكات في بلدات عدة في وادي المزاب الواقع في ولاية غرداية الصحراوية، على بعد 700 كيلومتر جنوبي العاصمة الجزائرية. تسبب شبان مجهزّون بأسلحة بيضاء، وكذلك بقنابل المولوتوف والأسلحة النارية، باشتباكات عنيفة بين المزابيين (أو بني مزاب) والشعانبة (أو الشعامبة). وفي حصيلة أيام العنف الثلاثة، سُجل سقوط 23 قتيلاً وعشرات الجرحى واحتراق العديد من المحال والمنازل.
في الرواية التي روّجتها وسائل الإعلام للأحداث، يظهر الصراع على أسس طائفية وإثنية بين الأمازيغ الذين يتكلمون البربرية والإباضيين والعرب والمتحدثين باللغة العربية وهم من المالكيين. أما وسائل التواصل الاجتماعي فكانت شاهدة على توسع دائرة الحقد التي تتجاوز القدرة على احتوائها.
يبدو مهماً تفكيك هذه الصورة كي لا يتم استخدامها كأساس لاعتداءات عنصرية تجاه مكون معين عادةً ما تكون مبنية على وصمه بسمات محددة. تختزل وسائل الإعلام "المستقلة" الصراع بمواجهة ثنائية بين المزابيين والشعانبة، متجاهلة العديد من الحقائق التاريخية والاجتماعية والسياسية، التي يؤدي غيابها إلى استمرار العنف المتفجر، والتي لو أُظهرت لسمحت بفك بعض خصائص هذا العنف.
 

وادي المزاب: منطقة بثقافات مختلفة


كان وادي المزاب ملاذاً لأتباع المذهب الإباضي، السابق

للمدارس الأربع الأساسية لدى أهل السنة والجماعة، الذين هربوا من البصرة في العراق ليستقروا في جبل نفوسة في ليبيا ومن ثَم في الجزائر، حيث أسسوا في العام 761 مملكة تيهرت.
وقد ترك الإباضيون مرغمين هذا المكان في العام 909، وانتقلوا جنوباً باتجاه وادي المزاب، بعدما أمضوا فترة في منطقة ورقلة، حيث نشروا ثقافتهم المدينية. هذه البقعة التي اختاروا الإقامة فيها لم تكن خالية تماماً، إذ كانت ممراً للقبائل الرحل التي احتك بعضها بالإباضيين فتبنوا مذهبهم واستقروا بدورهم في المنطقة. نشأت في وادي المزاب سبع مدن مُسيّجة (تدعى القصور) هي: العطف في العام 1012، وبنورة في 1065، وغرداية 1085، ومن ثَمّ بني يزقن 1321 ومليكة 1355، وفي وقت لاحق بريان 1631، وأخيراً القرارة 1691.
في ما يخص الشعانبة، فالمعلومات الموثقة عنهم قليلة. تشير مصادر إلى أنه عند وصول الإباضيين، كانت في المنطقة قبائل رحل متحدرة من قبيلة زيناتة (بربر) وبني هلال (عرب)، بينما تشير مصادر أخرى إلى أن هذه القبائل وصلت لاحقاً. الشعانبة، وهم من المالكيين والناطقين باللغة العربية، وهم بالتأكيد من البربر، لكن يعتبرون أنفسهم عرباً.
اختلط الشعانبة بالإباضيين، ونشأت بينهم علاقات تجارية، استقروا في مدنهم حتى القرن الثاني عشر حيث أسسوا في الوادي المجاور مقرهم (قصرهم) الخاص تحت اسم متليلي، إلا أنهم كانوا يعودون بقوافلهم بانتظام. لا بدّ من الإضافة إلى أن هناك مجموعات عُرفت بـ "العرب" استقرت منذ قرون في منطقة ( بني مرزوق والمدابيح وأولاد نايل..). هذه المجموعات، المتخاصمة أحياناً والمتحالفة أحياناً أخرى، شهدت تغييرات متبادلة، فقد اعتنق بعض الإباضيين المذهب المالكي والعكس.
في العام 1317، ولوضع حدّ للخصومات الموجودة بين الطرفين، تمّ توقيع معاهدة بينهما حصل بموجبها استقرار عائلات إباضية في متليلي فيما انتقل شعانبة إلى مدن (قصور) الإباضيين. وفي القرن الرابع عشر جرى توقيع اتفاقية ثانية. وعلى مرّ العقود، شهدت القصور تدفق المالكيين وكذلك اليهود والمسيحيين، مع استمرار التبادل التجاري وكذلك الثقافي مع الجماعات الرحل وشبه الرحل. هذه القدرة على احتواء المزابيين المتجذرين بعمق في وادي المزاب هي ثمرة تنظيم قائم مبني على مؤسسات سياسية ودينية متينة، وعلى مبادئ تضامن موروثة وروح مساواة تكفل نوعاً من الانسجام الاجتماعي والوضع الاقتصادي المستقر.
 

اختلالات متصاعدة


لم يعرف سكان القصور الاضطرابات الاجتماعية الناتجة من السياسة الاستعمارية، كما تمكنوا من مقاومة انعكاسات الحداثة العنيفة. ولكن يبدو أن هذا المجتمع المحافظ والمحمي استطاع بصعوبة مقاومة الضربات التي تعرض لها في العقود الأخيرة.
شهد وادي المزاب تنامياً ملحوظاً في عدد سكانه منذ الاستقلال، من دون أن تتوفر لديه الموارد لمواجهة الموجات الأخيرة من النزوح لسكان مناطق الشمال المضطربة في التسعينيات، الطامعين بالازدهار النسبي لهذه المنطقة. وهكذا ازداد عدد سكان وادي المزاب من 50 ألفاً بعد الاستقلال إلى حوالي 200 ألف (تحصي الولاية أكثر من 350 ألفا من السكان).
اليوم، يعتبر الإباضيون ديموغرافياً من الأقليات في موطنهم الأصلي. وقد حصلت تغيرات مفاجئة من حيث الشكل المدني وإمكانية الوصول إلى المياه والزراعة، أثرت جميعها على شكل المجتمع التقليدي الذي أُفرغت بنيته السياسية من مكوناتها الأساسية من خلال المؤسسات العامة المستحدثة، من ضمنها المجالس البلدية.
عمّت حال من الاستياء غذّتها نسب البطالة المرتفعة في صفوف الشبان، ولكنها لم تكن مقتصرة على هذه المنطقة. فالاحتجاجات هزت مدناً أخرى دورياً، إلا أن حال التمرّد في ولاية غرداية، حيث لا يتمتع السكان الوافدون حديثاً ببنى اجتماعية منظمة كما في مناطق أخرى، أخذت شكل المواجهات الطائفية ـ الأهلية.


في الماضي القريب، جرى احتواء الصراعات الناشئة بين المذاهب على نحو فعال. ولكن منذ سبع سنوات تقريباً، خيمت حال من التوتر الدائم. فقد عرفت مدينة بريان منذ العام 2008 اهتزازاً أمنياً ومواجهات عنيفة في الأحياء المختلطة، أسفرت عن سقوط خمسة قتلى وعدد من الجرحى وتدمير مئات المنازل، فيما أجبرت عائلات بأكملها على ترك منازلها وأملاكها، واضطر أطفال كثر إلى ترك مدارسهم والانتقال إلى أخرى. وتحولت الطريق الوطنية رقم واحد إلى خط تماس يفصل بين المجموعتين المتنازعتين.
الهدوء الحذر الذي دام لأقل من أربع سنوات في المنطقة توقف في ربيع العام 2013 عندما تحولت مدينة غرداية من جديد مسرحاً للمواجهات. ومنذ ذلك الحين، عاشت مدن عدة أحداثاً عنيفة، ازدادت حدتها مع كل جولة عنف. وفي فترة تقارب الـ15 شهراً، أحصي أكثر من 10 قتلى بينما غادرت مئات العائلات منازلها المتضررة أو المدمرة، كما دُنست القبور والأضرحة.
يبدو الوضع ميئوساً منه، خاصة أن السلطات لا تقدم أية حلول سياسية جدية. هذه السلطات اختارت إدارة أمنية للأوضاع الخارجة عن سيطرتها. هكذا لم يعد لدى السكان أي ثقة بالقوى الأمنية المتهمة بالتراخي، وبالتحيز لطرف دون آخر. وفي نهاية المطاف، فإن رجال الامن الذين تم نشرهم في المنطقة منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، ما لبثوا أن تمردوا في تشرين الأول/ أكتوبر 2014، حيث جرى استدعاء الجيش ونشره للمرة الأولى على الارض.
وافتتح العام 2015 في المزاب بموجة من الاعتداءات والحرائق وتدخل عنيف للشرطة التي استعملت الغاز المسيل للدموع متسببة بوفاة العديد. وهكذا، بعد فترة قصيرة من زيارة وزير الداخلية، في 2 تموز/ يوليو، بغرض إنشاء لجنة وزارية مشتركة مولجة البحث في احتمالات التهدئة في مزاب، تفجرت مجدداً ليل الرابع والخامس من تموز/ يوليو موجة العنف، أولاً في بريان ومن ثم في بنورة، لتطال لاحقاً الوادي بأكمله.
 

انهيار ممنهج؟


كما في السابق، توافق سكان مزاب على مختلف مشاربهم على فضح موقف الحكومة التي اكتفت بخطوات رمزية وبمفاوضات بين ممثلين وهميين عن المذاهب، مع استبعاد الفاعلين الحقيقيين في المجالات الاجتماعية والسياسية. كما فضح السكان أيضاً غياب أي برنامج اقتصادي في ظلّ وجود مصانع مهترئة عفّى عليها الزمن. أضف إلى ما سبق، عدم جدوى برامج الدمج المهني في حين أن حقل حاسي رميل للغاز الطبيعي الذي يعد الأكبر في الجزائر لا يبعد سوى بضعة كيلومترات عن مدينة بريان التي شهدت فورة عمرانية سريعة وعشوائية إلى حدّ كبير. علاوة على ذلك، قدمت الوعود من أجل التعويضات وإعادة الإعمار من دون أن تقترن بإجراءات عملية. فشل السلطات كان واضحاً، يزيده وضوحاً الحصانة التي نالها مرتكبو الأفعال الجرمية إبان الاضطرابات التي عززت الشعور بتخلي الدولة وأجهزتها الأمنية عن دورها.
كثرت التساؤلات بشأن الإرادة الفعلية لإيجاد حلّ سياسي للأزمة وحول ما إذا كان هناك استغلال للوضع المحلي الذي يزداد هشاشة. أما الفوضى وانعدام الامن اللذان تغلغلا باطراد في هذه المنطقة، التي تعتبر تقاطعاً للطرق العابرة للصحراء، فقد شكلا بيئة حاضنة لأوساط المافيا المتورطة في صفقات متعددة، من ضمنها المخدرات، وذلك بالتواطؤ مع عدد من المسؤولين.
يواجه سكان وادي المزاب أيضاً تحدياً إضافياً: ذاك المتعلق بخطاب الكراهية الذي يروجه بعض السلفيين بينما تبقى الإدارة والقضاء غائبين عن المشهد. دعوات القتل لا تصدر فقط عن الدعاة والمحرضين المحليين لكن أيضاً عن قنوات تلفزيونية سعودية ووهابية، مثل سلسلة قناة "إقرأ" التي بثت منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2013 أربع مرات برنامج "كرسي العلماء" الذي يعتبر الإباضيين من "الخوارج" ويبيح قتلهم.
عبّر العديد من الفاعلين السياسيين والمراقبين عن قلق حقيقي إزاء تصاعد العنف مطلع تموز/ يوليو 2015. وتساءل البعض عن تورط "جزء من السلطة" في ذلك، ولمّح البعض الآخر إلى تورط قوى خارجية موجودة في المزاب، كأرضية خصبة لزعزعة الأمن في الجزائر، على غرار ما يحصل في بعض دول المغرب والمشرق.
تبقى المشكلة الأساسية متمثلة في فشل النظام الاستبدادي وعجزه إلى حد كبير، فقد أضعفته الصراعات الداخلية الهادفة لخلافة الرئيس بوتفليقة. كما تبدو السلطة عاجزة في وجه الانهيار الكبير لأسعار النفط وتآكل التوازنات الداخلية الهشة. هذا التدهور في الوضع الاجتماعي - الاقتصادي يصبح مقلقاً، لا سيما مع المناخ الجيوسياسي المنتشر في المنطقة ومع الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها السلطة الجزائرية.
واقع وجود تلاعب في المزاب لا يعفي النظام من مسؤوليته في رسم مخرج سياسي يعزز في حده الأدنى الثقة بين الجزائريين. ومن الضروري والعاجل الخروج من الإدارة الحالية للأزمة، المستندة إلى حلول مؤقتة، لأنه ومن دون أدنى شك، فإن خطر مواجهة الاختلالات الكبرى لم يعد سيناريو مستبعداً.


(ترجمة: هيفاء زعيتر)