انطلقت حقبة البحث عن الغاز الصخري (غاز الشيست) في الجزائر في العام 2008، إلا أن القضية لم تخرج إلى العلن سوى في العام 2013، عندما أعلنت الحكومة عنه على عجل من دون أن تقرنه بنقاشات أو استشارات متخصّصة. ولم يكن مفاجئاً أن يصادق البرلمان الجزائري بالأكثرية المطلقة على هذا التوجه.
ومنذ البداية، خيّم التناقض على تصريحات أعضاء الحكومة وكذلك على المعلومات المتوفرة عن المشاريع وأجندة العمل والتمويل والشركات الأجنبية المعنية. وخرج البعض ليدافع بشراسة عن هذا الخيار باعتباره مساراً ضرورياً لمواجهة التدني في منسوب الاحتياط النفطي، بينما رأى آخرون أنه غير ملحّ.
وفي آخر يوم من العام الماضي، انطلقت الاحتجاجات المناهضة لاستغلال الغاز الصّخري في الجزائر من مدينة عين صالح، الواقعة على بعد 1200 كلم من العاصمة، في الجنوب. واستمرت على الوتيرة نفسها حتى اليوم. كانت السلطات قد باشرت على بعد كيلومترات قليلة من المدينة، أول أعمال الحفر الرسمي لاستكشاف الغاز الصخري، وسط قلق السكان الذين يبلغ عددهم 50 ألفاً، من عواقب التقنيات المستخدمة في استخراج الغاز الصخري، لا سيما "التكسير الهيدروليكي" الذي يتطلب استهلاك كميات هائلة من المياه والرمال والمواد الكيميائية. وما شهدته المدينة يعدّ أول تحرك شعبي خارج إطار المطالب الاجتماعية والمهنية وحتى السياسية.
واتسعت رقعة الاحتجاجات لاحقاً وحافظت على زخمها، الأمر الذي جعلها عرضة للاستغلال السياسي من مسؤولين يدّعون رفض المشروع كما يدّعون معارضتهم للسلطة. أما الأخيرة فقد انتقلت من حال التفهم الأبوية للشعب إلى مرحلة تهديده لمجرد أنه تجرأ على المطالبة بتحويل مسألة بهذه الأهمية إلى محور نقاش وطني.
 

الغموض يلف عمل السلطات


في نهاية العام 2000، أقرت السلطات الشروط القانونية والعملية لاستغلال الغاز الصخري. حينها حصلت شركات أجنبية، ومن بينها شركة "توتال" الفرنسية، على عقد يتيح "استكشاف واستغلال" الغاز من دون أن تُعطى الإذن بمباشرة التنفيذ. لكن في العام 2012، أقر البرلمان قانون المحروقات الجديد الذي نشر في الجريدة الرسمية في 24 شباط/ فبراير العام 2013، تزامناً مع ذكرى القرار التاريخي بتأميم المحروقات في الجزائر في العام 1971. ويُعتبر القانون بمثابة الفضيحة لأنه يهدّد السيادة الوطنية. فبِنيّة جذب الشركات المتخصصة، الحذرة من القيود المالية، سمحت الحكومة الجزائرية للشركات باحتساب الضريبة على الأرباح بنفسها من دون أن تعطى للإدارة الجزائرية أي سلطة رقابية عليها.
وعلى خط مواز، خرج تقرير نشرته إدارة معلومات الطاقة الأميركية، في حزيران/ يونيو من العام 2013، ليؤكد أن الجزائر تحتل المرتبة الثالثة عالمياً في قائمة الاحتياطات الأعلى من الغاز الصخري (707 تريليونات متر مكعب)، الذي يتوزع على سبعة أحواض. لكن هذا التقرير ليس موثوقاً ويلقى اعتراضات دولية بسبب معطياته التي تبين غالباً أنها خاطئة وتم نشرها بغرض تشجيع خيار استخراج الغاز الصخري وتبريره، وتحديداً عندما يكون المخزون الاحتياطي التقليدي من النفط والغاز مهدداً بالنضوب كما هو الحال في الجزائر.
يفسّر ذلك السرعة التي خرج بها أول التصاريح الرسمية ليعبر عن الرغبة في خوض مسار استغلال الغاز الصخري، فلم يتأخر مجلس الوزراء ليعطي في 21 أيار/ مايو 2014 الضوء الأخضر للبدء به. وعليه تمّ التخطيط لحفر أربع آبار في حوضي أحنات وإليزي للعام 2014 (في إطار برنامج حفر 11 بئراً خلال 7 إلى 13 عاماً).
لا يبدو أن الآبار المخطط لها قد حفرت جميعها، لكن أعمال الاستكشاف في موقع أحنات، على بعد 20 كلم من عين صالح، بدأتها في آب/ أغسطس العام 2014 شركة "سوناطراك" المحلية وشركة "توتال"، بحضور شركتي "هاليبورتن" (هذه التي تسببت بكوارث مشهودة في العراق أثناء الاحتلال الاميركي له)، و"شلمبرغير" الأميركيتان، المولجتان العمليات التقنية. وفي العام 2012، بدأت أعمال الحفر في أول موقع تجريبي بدا واعداً في أحنات.
في 27 كانون الأول 2014، وأمام حشد من الصحافيين، أعلنت وزارة الطاقة والموارد المائية والبيئة عن التشغيل "الناجح" للآبار التجريبية، وهنأت "سوناطراك" نفسها على هذا الإنجاز من دون أن تشير إلى الدور المفصلي للشركات الأجنبية، مع العلم أن الشركة الجزائرية لا تملك الإمكانيات اللازمة للقيام بالحفر الأفقي الضروري لاستخراج الغاز الصخري. وفي 11 كانون الثاني/ يناير 2015، أعلن المدير العام لشركة "سوناطراك" نية استثمار "70 مليار دولار لمدة 20 سنة وذلك لإنتاج 20 مليار متر مكعب من الغاز الصخري سنوياً". ولكن ما لم يبح به المسؤولون وأنصار هذا الخيار هو أن استخراج الغاز الصخري مكلف جداً. فبئر الغاز الصخري الواحد يكلّف اليوم بين 15 و20 مليون دولار وينخفض إنتاجه بنسبة 40 في المئة بعد مضي عام على بدء استغلاله. هذا يعني، بحسب الخبراء، ضرورة الاستمرار في حفر الآبار دون توقف.
وفيما يتطلب إنتاج حوالي 25 مليار متر مكعب من الغاز الصخري حفر 600 بئر، تتسبب الآبار المحفورة بانبعاث غازات سامة، وتحديداً غاز الميثان الذي يضاعف مخاطر الاحتباس الحراري بدرجات تفوق تأثير غاز ثاني أوكسيد الكربون. كما تؤدي عملية التكسير الهيدروليكي، التي تتمثل باستخراج الغاز من بين الصخور عن طريق تدفق سائل في باطن الأرض يجعل الغاز يذوب ليخرج إلى السطح، إلى تغير الوضع الطبيعي للصخور التي تصاب بتشوهات قد تزيد من احتمالية النشاطات الزلزالية في المنطقة بدرجة 4.5 إلى 5 على مقياس ريختر.
وإلى المفاعيل الأكثر خطورة لاستخراج الغاز الصخري، يُضاف الاستخدام المفرط للمياه وللمواد الكيميائية الضرورية في عملية التكسير الهيدروليكي. فإجراء العملية الواحدة يتطلب استهلاك ما بين 10 إلى 25 مليون ليتر من المياه الجوفية، وهي موارد غير متجددة. كما يحتاج تكسير الصخرة، حيث يتخزن الغاز، إلى أطنان من الرمال والمواد الكيميائية المختلفة (يقدرها الخبراء بحوالي 500 طن).
وبحسب الشروحات المتوفرة، يمكن تدوير المياه السامة الناتجة عن التكسير ليعاد ضخها في الأرض أو نقلها بواسطة شاحنات إلى مراكز تدوير المياه، لكن هذا الخيار مستبعد في ظلّ تكلفته الباهظة، كما أنه لا يضمن، في حال اعتماده، تعقيم المياه بالكامل. نستنتج ذلك إذا اطلعنا على تجربة الولايات المتحدة الطويلة في اعتماد هذه التقنيات، حيث تبدو الزراعة مستحيلة بمحاذاة العديد من مواقع الحفر، بعدما لُوثت المياه بالكامل ودمر المنظر الطبيعي بفعل وجود مئات الآبار وأحواض إعادة ضخ المياه إلى جوف الأرض والطرقات المعبدة لمصلحة شاحنات نقل الغاز والمياه.


هدف السكان: الحفاظ على البيئة


بدأت طلائع الحراك الشعبي بسبب قرار مجلس الوزراء في 21 أيار/ مايو 2014 الذي أدخل الجزائر رسميا في حقبة التنقيب عن الغاز الصخري. في شهر حزيران/ يونيو، شهدت ولايتا أدرار وورقلة أول التجمعات الشعبية المناهضة للقرار. حينها دعا المحتجون الحكومة ورئيس البلاد للبدء بنقاش وطني جامع وإلى ترحيل الشركات الأجنبية المستثمرة في المشروع من البلاد.
في 31 كانون الأول/ ديسمبر 2014، أي بعد أربع أيام على الزيارة الرسمية للوزراء إلى عين صالح للاحتفاء بدخول الجزائر رسمياً حقبة استغلال الغاز الصخري، عمد سكان عين صالح إلى قطع الطريق الوطنية رقم 1 المعروفة بـ "طريق الوحدة الأفريقية" التي تؤدي إلى البئر التجريبي في غور محمود في محيط منطقة أحنات. هناك بدأت الاحتجاجات واستمرت بالتوسع بشكل يومي لتحشد بعدها سكان تمنرست وأدرار وورقلة.
ما أظهرته الاحتجاجات من نضج يستحق الإعجاب، وانعكس في تعدّد أطيافها واختلاف مكوناتها، فشاهدنا في الشوارع أشخاصاً من أعمار وبيئات مختلفة، منهم العمال والمزارعون وحتى أعضاء من "سوناطراك" كما نزل مغنو راب وأساتذة وجامعيون، والنساء اللواتي يلعبن دوراً طاغياً إزاء التحديات الماثلة لهذا الصراع.
لم يحمل المعتصمون مطالب اجتماعية ومهنية، أو يطالبوا ببرامج تنمية أو معالجة لمشكلة البطالة. ولا يبتغي حراكهم تغييراً للنظام أو رحيل الرئيس بوتفليقة، فسكان الجنوب الكبير لطالما كانوا يدركون أنهم على هامش الثروات النفطية التي تنتجها منطقتهم، وأنهم يستفيدون منها أقل بكثير من مناطق أخرى في البلاد.
بالنسبة لهؤلاء، فإن مطلبهم الراهن هو الحفاظ على ثروتهم البيئية الهشة أساساً، والمستنزَفة بالاستغلال التقليدي للغاز والنفط. هذا المجتمع الزراعي، شديد الارتباط بأرضه، يعي بشكل تلقائي أهمية هذه الأرض التي تغذيه. وأيضاً، بشكل أساسي، أهمية المياه التي تعلّم إدارتها بفعاليّة أشبه إلى التقتير. ينجح في ذلك عبر نظام الريّ المتوارث عن الأجداد الذي يُعرف بـ "الفجاره" (نظام ريّ اهتدت إليه الحضارة الجرمية، متفرد في العالم عبر قناة تحت الأرض تسد المياه الجوفية عادة في منحدر تل أو في منطقة السفح وتقود الماء إلى سطح الأرض عن طريق نفق قليل الانحناء). وهذا يعني أنه في حال أضحت المياه مهددة جراء الضخ الجائر أو التلوث الكيميائي، فإن حياتهم تصبح في خطر.
في هذه المعركة، تقف النساء في الواجهة. يفسّر ذلك عالم الأنثروبولوجيا ديدا بادي بالقول: "العلاقة واضحة بين الأرض التي تحضن منابع المياه والأم التي منها تنبع علاقة القرابة". كما يشرح رئيس المكتب الإقليمي لجمعية ترويج النشاط الزراعي: "طور أجدادنا في منطقة أدرار أساليب ريّ سمحت لجميع السكان أن يعتاشوا باستقلالية بفضل جهودهم الخاصة. إلا أن استغلال الغاز الصخري يهدد بتدمير هذه الثروة. فالمواد الكيميائية التي ستستخدم في التكسير الهيدروليكي ستلوث كل المياه الجوفية، بسبب اتصال الأحواض المائية ببعضها البعض. وعوضاً عن الاستثمار في مشروع تدميري بلا منفعة اقتصادية أساساً، سيكون من الحكمة الاستثمار في الموارد البشرية المحلية. فإلى جانب السياحة، لا أرى غير قطاع الزراعة يستحق التطوير في منطقتنا، وتحديداً زراعة القمح والذرة. فبوجود شمس معتدلة ومياه متوفرة، من الممكن أن ننتج ثلاثة أضعاف من المحاصيل التي ننتجها اليوم".
بسرعة ملحوظة، حوَّل المحتجون الساحة الرئيسية لمدينة عين صالح إلى "ميدان الصمود". نصبت الخيم في الميدان وبدأ السكان بالتجمع بشكل يومي لتبادل الأفكار والتعبئة. وبينما شهدت مدن أخرى في الجنوب تظاهرات دورية، حافظت مدينة عين صالح على موقعها كمركز رئيسي للاحتجاج. وفي 15 كانون الثاني/ يناير نظمت تظاهرة حاشدة توافد إليها 25 ألف مشارك من كل أنحاء المنطقة للتعبير عن رفضهم لهذا المشروع باعتباره قضية حياة أو موت.
وبوجه التجاهل الرسمي الذي لاقته نداءات سكان عين صالح، وجه المجتمع المدني ومنظمات غير حكومية محلية إلى رئيس الجمهورية عريضة بوقف المشروع إلى حين إطلاق نقاش وطني، كما هو الحال في دول أخرى. وتسلّط العريضة، التي استندت إلى دراسات مختلفة في المجال، الضوء على مخاطر الأساليب المعتمدة في التكسير الهيدروليكي، كما على تلوث الهواء والمخاطر على مستوى المياه الجوفية إضافة إلى التداعيات التي يتركها على المدى الطويل هجر آبار التكسير هذه.
وتظهر الصور التي تم تداولها عن موقع حفر البئر التجريبي في أحنات عدم وجود أي تدابير وقائية. كان واضحاً أن المواد الكيميائية التي تستخدمها شركة "هاليبرتن" يتم تخزينها في أكياس توضع في الهواء الطلق، وأحواض تجميع المياه المستعملة في التكسير الهيدروليكي ليست إلا عازلا بسيطا لا يحجب التسرب، وبينما تتبخر المياه يبقى التراب والمواد السامة لينتشرا في الهواء. كما تضم المياه جثثاً لحيوانات نافقة تتحلل على مرأى من الجميع من دون أن يدفع ذلك المعنيين إلى تدمير الموقع.
الجميع يعلم في الجزائر، وخاصة في المناطق المعنية بالحفر، أن عددا من الدول وتحديداً فرنسا قد قررت تعليق عملها على استخراج الغاز الصخري بسبب مخاطر أساليبه واستجابة لاعتراض السكان المتضررين.
 

من المواجهة إلى التهدئة


في ذكرى قرار تأميم المحروقات في العام 1971، نظمت تظاهرات في مدن عدة، ومجدداً نزل حوالي 25 ألف متظاهر إلى الشارع في عين صالح. وفي المدن الكبرى تجمع مئات المعارضين، بينما تواجه بعضهم مع عناصر الشرطة. في المقابل، بقي الحراك في الولايات ذات الكثافة السكانية الواقعة شمال البلاد حذراً: فقد أطرته "التنسيقية الوطنية من أجل الحريات والانتقال الديموقراطي" من دون أن يحقق أي نجاح يُذكر، ما يؤكد ضعف التزام جمهور الأحزاب التي تصنّف نفسها في خانة المعارضة.
في عين صالح، لم يدم مناخ التهدئة الذي شهده الحراك طويلاً، فقد انقلب في 28 شباط/ فبراير عندما توجه عدد من الناشطين إلى مقر شركة "هاليبرتن" لتسليم ممثليها رسالة استنكار على حفر بئر جديدة. هناك اعترضهم عدد من عناصر مكافحة الشغب على حدود الموقع، موجهين إليهم الإهانات، وتعاملوا بعنف مع الوفد الممثل لهم.
ارتفعت حدة المواجهة، وردّ المتظاهرون بالحجارة على قنابل الغاز المسيلة للدموع التي أطلقتها الشرطة، فتوسعت المواجهات في المدينة، بينما خرجت القوى الأمنية عن طورها. وأفرغت ساحة الصمود (رمز الإرادة الشعبية التي بقيت حتى الساعة على صبرها ولا عنفيتها) من المعتصمين بواسطة الجرافات والهراوات وقنابل الغاز. وأقدم مجهولون على إحراق بعض المباني الرسمية، بينما جرى توقيف عدد من الأشخاص وجُرح آخرون أصيبوا بالرصاص الحيّ. ولم تستعد المدينة هدوءها إلا بعد تدخل الجيش لتهدئة النفوس وعودة عناصر الشرطة إلى ثكناتهم.
وندّد تجمع سكان عين صالح في بيان شديد الوضوح بشركة "سوناطراك" التي، "من أجل احترام عقودها مع الشركات المتعددة الجنسية الأجنبية ومن أجل تلبية متطلباتها الأولية، قررت الاستمرار في أعمال الحفر بتسخير تعزيزات أمنية استثنائية لحماية شركة (هاليبرتن) المسؤولة عن التكسير الهيدروليكي المجرم". وحرصاً على سلميّة تحركهم، على الرغم من الانزلاق إلى العنف في نهاية شباط/ فبراير، أبقى سكان عين صالح على تمسكهم بالحوار مع الحكومة من أجل التوصل إلى حلول مقبولة.
 

استهتار السلطات يهدّد مستقبل البلاد


باستثناء موجة القمع في نهاية شباط/ فبراير، فقد نجحت السلطات الجزائرية في ضبط نفسها حتى الساعة. لكن بوجه حراك أثبت بنضجه وبتمرسه أنه يمثل تحدياً حقيقياً لها، خاصة أن اعتراضه لم يكن موجهاً ضدّ السلطة أو يطالب برحيلها، أظهر مختلف الوزراء والمسؤولين في "سوناطراك" بخطاباتهم المتناقضة انعدام كفاءة مثيرا للقلق. لم يخرج المسؤولون بخطابات لطمأنة السكان الذين كانوا يجهلون مراحل تطور برنامج استخراج الغاز الصخري، بل تحدثوا تارة عن مرحلة التنقيب، وتارة اخرى عن الاستغلال، وطوراً عن المضي بالمرحلتين بشكل مواز.
واستندت بعض التصريحات التي أطلقت بوجه المعترضين على مشروع الغاز الصخري على اتهامهم بأنهم لا يعيرون اعتباراً لـ "الضرورات الاقتصادية" بينما يغرقون في "الطوباوية البيئية". ولكن عن أي ضرورات اقتصادية نتكلم هنا؟ تلك التي تتمسك بعقود بيع المحروقات طويلة الأمد التي تعود لعهد وزير الطاقة والمناجم شكيب خليل من العام 1999 إلى 2010، الذي ضحى بموارد البلاد الأحفورية وهو اليوم ملاحق في قضايا فساد؟
أليست الذهنية الريعية هي المهيمنة على الطبقة السياسية وعلى كلام العديد من أوساط نظام غير منتج تعزّزه العائدات النفطية، بينما يبقى نضوب المحروقات بالنسبة لهذا الوسط فكرة غير مطروحة وغير مقبولة وحتى غير واقعية. وأكثر من ذلك، فإن السلْم الاجتماعي مهدّد في بلد (وإن كان ينشد الهدوء بعد المواجهات العنيفة لـ "الحرب الوسخة" التي شهدها بين عامي 1992 و2002) يمر بسلسلة من العداوات المرشحة للانفجار.
فماذا ننتظر من رئيس جمهورية قال في تصريح منسوب إليه، رداً على مطالب مدينة عين صالح في نهاية شباط/ فبراير بوقف المشروع، بأن الغاز الصخري هو "نعمة من الله وينبغي استثمارها". استدعاء العامل الديني هنا مع التلميح إلى "صبيانية" أولئك الذين يطالبونه بتحمل مسؤولياته كرئيس للدولة، يظهر مرة أخرى طبيعة العلاقة التي تجمعه بمواطنيه، أو بالأحرى تلك العلاقة التي تجمع ربما "أصحاب القرار" غير المرئيين في دائرته، كونه من المؤكد أن عبد العزيز بوتفليقة مريض جداً منذ أعوام عدة ولا تسمح له قدراته الجسدية بممارسة الحكم الذي وصل إليه منذ إعادة انتخابه في نيسان/ أبريل 2014.
وهكذا، وبمواجهة حراك لا يتراجع، انتقل النظام بعد فترة وجيزة إلى التهديدات العلنية. خلال إحياء ذكرى وقف إطلاق النار الذي حصل في 19 آذار/ مارس 1962 في غرداية، حذر الرئيس معارضي مشروع الغاز الصخري الذين يشككون في "برامج التطوير" قائلاً: "لقد آلت الدولة على نفسها أن تكون في خدمة أبنائها في أصقاع الوطن كافة، فلا يمكنها التفريط بهم ولا الإضرار بمصالحهم. إنها الدولة الحانية الرؤوم التي يسوؤها جنوح بعض أبنائها إلى عدم الثقة فيها وفي تعهداتها والتزاماتها، وأعني بهم بعض سكان عيـن صالح وما هم ماضون فيه من احتجاجات رغم كل ما تلقوه من تطمينات. (...) ويعز علي أن أرى البعض من أبناء الـمنطقة يُستدرج إلى الكيد بدولة بلاده، وأن أرى البعض الآخر يـنساق إلى الوقوف موقف الارتياب والتشكيك في إخلاص قادة دولتهم ونزاهتهم، وإلى الطعن في سلامة وجدوى تدابيرهم وقراراتهم ومخططاتهم الرامية إلى تـنمية البلاد برمتها". هذه التصريحات، بما تكتنفه من نبرة تحريضية، لم تعبر عن نية وإرادة لدى السلطة للأخذ بعين الاعتبار المخاوف المحقة لسكان الجنوب.
 

مسألة تهم البلاد بأكملها


اتخذت التعبئة الشعبية ضدّ التكسير الهيدروليكي بعداً آخر مع مشاركة المسؤولين السياسيين من كل الأطياف، حيث انتقل ممثلون من مختلف الأحزاب المعارضة "المرضي بها" بشكل دوري للمشاركة في تظاهرات عين صالح. وفي 14 آذار/مارس الفائت، نظمت تظاهرة وطنية حاشدة دعت إليها بشكل مواز "التنسيقية الوطنية من أجل الحريات والانتقال الديموقراطي" في ورقلة.
هناك، تم استقبال المعارضين السياسيين الذين يفتقدون القاعدة الشعبية، بحماسة من الجمهور الذي لا يطمح إلا للخروج من هذه العزلة النسبية وإلا لتوسيع النقاش حول الغاز الصخري تحديدا في شمال البلاد، حيث التعبئة لمصلحة مطلب تعليق مشروع الغاز الصخري ليست قوية. في المقابل، حذّر الكثير من الناشطين القدامى من المناورات الحاصلة لاحتواء الحراك الشعبي في جنوب البلاد.
من المهم إذاً في هذا الإطار أن يحافظ الحراك المناهض للغاز الصخري على استقلاليته وألا يسمح لأفعال السياسيين الذين لا رصيد لهم بالتشويش على رسالته. وما يزيد من أهمية الموضوع أن هذا الحراك غير الحزبي، بطبيعته الشعبية العابرة للفروقات الاجتماعية والمهنية، يزعزع النظام ويقلقه. فإذا ما جرى احتواء هذا الحراك من قبل المعارضة السياسية، سيصبح مهددا بخسارة قوته وحيويته.
وقد يكون ناشطو عين صالح محقون برغبتهم في عدم مقاربة قضية استغلال الغاز الصخري على أنها مسألة تخص الجنوب وحده، بسبب تواجد حقول الغاز فيها. فالمسألة تطال البلاد بأكملها وتستدعي حلاً شاملاً من أجل الحفاظ على البيئة مع ضمان التنمية الوطنية على قواعد وتوجهات أخرى. فالاستعمال العقلاني للمياه الجوفية يضمن تأمين الغذاء لمجمل السكان وفرص العمل لآلاف المزارعين. وكما استغلال أي مورد طبيعي، فإن أشعة الشمس يمكنها أن توفر جزءاً كبيراً من الطاقة الضرورية للجزائر (وأيضاً ما يكفي لتصديرها).
في المحصلة، تجدر الإشارة إلى أن هذه القرارات الاستراتيجية لا تتطلب وضع الأرباح قصيرة الأمد في صلب الاهتمامات السياسية المتمثلة بتمادي التوجهات الريعية للاقتصاد ولأولئك الذين يديرونه اليوم، وإنما مستقبل البلاد والأجيال القادمة. 

ترجمة هيفاء زعيتر